ياسمين هجرس حفيدة نجيب سرور.. فنانة روسية مصرية تتمنى تجسيد تراث جدها على المسرح – شريف الشافعي

ياسمين هجرس حفيدة نجيب سرور.. فنانة روسية مصرية تتمنى تجسيد تراث جدها على المسرح – شريف الشافعي

غادرت الفنانة الشابة ياسمين هجرس مصر في الخامسة من عمرها، وهي تدين لجدها المسرحي والشاعر المصري الراحل نجيب سرور بالفضل في توجهها مبكرا إلى دراسة الفن الرابع. وفخر أسرتها بأعمال جدها يعتبر من أهم أسباب عشقها المبكر للمسرح والتحاقها بالكلية المسرحية العليا “شيبكين” إحدى أبرز جامعات روسيا للثقافة والفنون وتلقّيها أصول تدريب الممثل على نحو علمي احترافي رصين.

القاهرة- تؤمن ياسمين هجرس، الفنانة المسرحية الروسية ذات الأصول المصرية، بعالمية المسرح، وقدرته على تجاوز حدود المكان والزمان، وتخطي عائق اللغة.

وفي حوارها مع “العرب”، ترى حفيدة المسرحي والشاعر المصري الراحل نجيب سرور أن إقامتها في روسيا وعدم معرفتها باللغة العربية وندرة ترجمات المسرح العربي في روسيا وأوروبا عوائق حقيقية أمام رغبتها في لعب أدوار بمسرحيات عربية، وتجسيد تراث جدها.

لكن ذلك الحلم الذي تتمناه ليس مستحيلا إدراكه في المستقبل القريب، من أجل تتويج مسيرتها الفنية الحافلة التي شهدت تعاملها مع نجوم المسرح العالمي في الكتابة والإخراج، من أمثال: دورنمات، دانشينكو، نوشيتش، ستانيسلافسكي، فاختانغوف وآخرين.

خاضت المسرحية الشابة ياسمين هجرس مغامرة كبيرة بتقديمها مسرحية باللغة الروسية أمام الجمهور المصري دون ترجمة إلى لغة أخرى، وذلك في مهرجان “أيام القاهرة الدولي للمونودراما” في فبراير الماضي، حيث قدّمت على مسرح الهناجر بدار الأوبرا أداء بارعا في مسرحية المونودراما (الممثل الواحد) التي جاءت بعنوان “مكالمة تليفونية” من تأليف الكاتب اليوغوسلافي برانيسلاف نوشيتش.

النجاح الذي حقّقته ياسمين هجرس في عرضها الأول بمصر، وتمكّنها من نقل مضمون رسالة عشقية في انتظار حبيب مجهول لا يأتي، وتصوير صراعاتها النفسية بمصداقية، وتوصيل فكرة العرض بجودة فائقة أمام جمهور لا يعرف الروسية، عزّزت كلها قناعتها بجوهر الفن كلغة إنسانية مشتركة ذات طبيعة خاصة، وغذّت لديها حقيقة التمثيل ومفهوم التقمّص القائم في الأصل على التوحّد مع الشخصية والإبداع في الحركة والتعبير بالجسد والملامح ونقل المشاعر والأنفاس ودقّات القلب إلى المتلقي المتفاعل مع الممثل، والمشارك بدوره في المشهد.

وعلى الصعيد الفني، لا تحمل ياسمين هجرس شيئا حتى هذه اللحظة من إرث جدها الشاعر والمسرحي محمد نجيب محمد هجرس (1978-1932)، الشهير باسم نجيب سرور، وصاحب الأعمال ذائعة الصيت؛ “ياسين وبهية”، “آه يا ليل يا قمر”، “قولوا لعين الشمس”، “آلو يا مصر” وغيرها.

وتقرّ ياسمين هجرس بعدم استطاعتها متابعة المسرح المصري والعربي على نحو جيد، قائلة “أقيم في روسيا منذ سنوات، أعرف القليل عن أعمال نجيب سرور الشعرية والمسرحية، والقليل جدا عن المسرح المصري والعربي، وأسعى إلى العثور على نصوص مسرحية مترجمة إلى الروسية أو الإنجليزية، هو أمر نادر للأسف الشديد، بالرغم من ذلك، فإن حلمي بتجسيد أعمال جدّي وروائع المسرح العربي لا يزال قائما بقوة”.

وأوضحت أنه أثناء مشاركتها في مهرجان المونودراما بالقاهرة برئاسة أسامة رؤوف، وعدتها إدارة المهرجان وجهات ثقافية عدة بمصر بالمساعدة في ترجمة مسرحيات سرور للروسية، ومن ثم يمكنها درسها جيدا، وفهم شخصياتها، ثم تجسيدها على نحو متعمّق.

الغوص في الداخل

أشارت ياسمين هجرس في حوارها، إلى أن أهم فرق تلمّسته بين المسرح الروسي، ونظيره العربي، أن الأول بما له من رصيد كلاسيكي متجذر، يميل أكثر إلى الغوص في الداخل والتبحّر في نفسية الإنسان وتحليل تصرفاته وردود أفعاله المتناقضة إزاء موقف معين. وتقول “عيوننا دائما على المشاعر، على ما وراء السطح الخارجي. بهذه الحساسية يمكن أن نوصل إلى لمتلقي أعمال المؤلفين والمخرجين الكبار من أمثال: نيميروفيتش دانشينكو، شيبكين، ستانيسلافسكي، فاختانغوف، وجميع عباقرة المسرح. تعلّمتُ أن التمثيل هو الرهافة، والعزف على أوتار الذات لإطلاق نغمات بسيطة من ملامحي وجسدي وروحي ومسامّي”.

ولهذا السبب، لم تكترث ياسمين بأن الروسية هي الأبجدية التي قدّمت بها في القاهرة مسرحية “مكالمة تليفونية” لليوغوسلافي نوشيتش، فاللغة المسرحية أثرى وأخصب من الأحرف المنطوقة بكثير، وتستطرد موضّحة “في تجربة الهناجر، تمكنت من التواصل مع كل الحضور، على الرغم من أن ثلاثة في المئة منهم على الأكثر كانوا يعرفون الروسية ويفهمون حديثي”.

وأكّدت أنها حاولت أن تخبر الجميع بأنها تشعر وتنبض وتتحرّك وتعبّر، بل وتهتمّ بلغة أخرى، هي لغة التنفّس، وتضيف “وقتها شعرت جيدًا باستجابة الجمهور، وتلقّيت ردود أفعال طيبة للغاية، وعندما أخلدت إلى الفراش ليلتها، كنت في أسعد حالاتي”.

إن عدم اعتماد النص المسرحي كلية على الكلمات المنطوقة يزيد من صعوبة المهمة على الممثل، إذ يضعه على المحك، فإما أن يقدّم فنّا خالصا، وإما أنه سيفقد البوصلة تماما، وتنقطع كل الخيوط بينه وبين المتلقي.

وترى هجرس أن استخدام الجسد من خلال الحركة والرقص والإشارات وغيرها يتطلّب معرفة الممثل بدقة ماذا يريد توصيله إلى المتفرّج، والدراسة المتأنية للشخصية وجوّانياتها وفهم كل ما يدور في المشهد.

ولذلك، فإن فريق العمل في روسيا يستغرق وقتا طويلا جدا عند إعداد مسرحية مكتوبة للعرض المسرحي، وتقول “نحن ندرس بعناية فائقة كل ما أراد المؤلف أن يقوله، وما طبيعة الأزمات والصراعات في هذا الموقف وذاك، وما الذي دفع الشخصية إلى هذه الأقوال أو تلك الأفعال. وإن قراءة النص بلغته الأصلية، أو مترجما بشكل جيد، أمر مهم وضروري، حتى وإن كان العرض المسرحي غير معتمد على اللغة المنطوقة بمفردها”.في دراستها بالكلية المسرحية العليا “شيبكين”، كان اليوم التدريبي يبدأ في التاسعة صباحا، ويستمرّ حتى الحادية عشرة مساء، ومن ثم فقد خاضت ياسمين هجرس غمار الجديّة مبكرا، ووعت منذ أعمالها الأولى على خشبة المسرح بأن فن التمثيل مزيج متجانس من الموهبة البكر، الموجودة بذاتها، والاحترافية المدرسية الصارمة. والفنان اللافت هو القادر على إبراز ملكاته الخاصة وابتكاراته وإضافاته وارتجالاته، في إطار النسق الكلي المحبوك، والفضاء المنضبط.

الموهبة والاحترافية

تتذكّر ياسمين عشرات الأدوار المهمة التي لعبتها، لمؤلفين ومخرجين عالميين أفذاذ، مشيرة إلى أن أحبّ أدوارها وأصعبها على الإطلاق هو تجسيدها شخصية الدكتورة “ماتيلدا فون زاند” في مسرحية للكاتب السويسري الألماني فريدريش دورنمات، ففي كل مرّة لعبتْ فيها هذا الدور أو تدرّبتْ عليه، كانت تجد ألف لون ولونا، وألف وجه ووجها، وعندما ذهبت إلى المسرح في الافتتاح، لم تكن هي، بل كانت بالفعل “ماتيلدا”، المرأة غير القابلة للتدمير، التي لا يكسرها أي شيء.

ولفتت إلى أن استمتاع الممثل بعمله شرط أساسي لإتقان التقمّص بتلقائية، وبلوغ حيوية الأداء، وإقناع المُشاهد بالشخصية، وتقول “المتعة الداخلية كانت لا تُصدّق في كل ليلة عرض أدّيت فيها عملي في مسرحية دورنمات من إخراج الرائع فيكتور أندريانوف، الزملاء في العرض كذلك لا بد أن يتوحّدوا مع بعضهم البعض، ومع الأحداث التي يصوّرونها، والشخصيات التي يلعبونها”.

وتختم حوارها مع “العرب” قائلة، “بقدر ما أتمنى تجسيد دور جديد في مسرحية عربية، بقدر ما أودّ عرض عمل عالمي مثل هذا أمام الجمهور المصري والعربي، وفي الحالتين؛ ستوحّدنا بالتأكيد اللغة المسرحية الإنسانية المشتركة، بسحرها وجمالها ورقيّها”.

شريف الشافعي – مصر

(العرب)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة