هل اقتبس اليونانيون المسرح من العراق القديم؟ -عواد علي #العراق

كرّس الكثير من المفكرين والأدباء والفنانين الغربيين مبدأ تفوق الرجل الأبيض والعرق الأوروبي تحديدا، على اعتبار أن أوروبا مهد الفكر والفن والأدب والحضارة، في أكبر مغالطة تاريخية، انساق وراءها الكثيرون من المستشرقين وحتى ممّن هم من خارج أوروبا، وانقادوا إلى هذه الأفكار مكرسين إياها دون أدنى اطلاع. والحقيقة غير ذلك، حيث كان لحضارات الشرق السبق في أهم المنجزات البشرية، التي استقتها أوروبا منه في وقت متأخر، وليس أدل على ذلك من المسرح الذي ينسب إلى الإغريق، بينما هو عراقي المنشأ.

 في سياق التمركز الأوروبي حول الذات، رأى معظم مفكري الغرب وباحثيه ومؤرخيه أن العالم هو أوروبا، وأن القارة ابتكرت التاريخ، ونسبوا إليها النماذج الأولى للإبداع الفني والأدبي والفكري، التي عرفتها الحضارات الإنسانية، واعتبروا ما عداها من نماذج صورا وأشباها لها.

 لم تتوقف مغالطات المفكرين المنادين بالمركزية الأوروبية عند ذلك الحد، بل إنهم أشاعوا فكرة أن العقلانية برمّتها أوروبية المنشأ، وليست الإسهامات العقلانية التي بلورتها الحضارات الأخرى إلا ترجمة محرّفة ومشوهة لها.

 ومن بين ذلك، على سبيل المثال، هناك فكرة راسخة باتت لا تقبل النقاش تقول إن اليونان مهْد المسرح في العالم، حيث ظهر أول مرة، في القرن السادس قبل الميلاد، متطورا من طقس “الديثرامب” الذي كان يمجّد إله الخمر والنشوة ديونيزوس بالأناشيد والرقصات.

لكن ثمة باحثين أثبتوا بالدلائل والوثائق أن الحضارات العراقية والمصرية والآسيوية القديمة عرفت المسرح قبل الحضارة اليونانية بمئات السنين. وإذا كان العديد من المؤرخين والآثاريين والباحثين قد كتبوا عن المسرح في الحضارة المصرية، فإن قلة منهم كتبوا عن المسرح في الحضارة العراقية، أبرزهم عالم الآثار فوزي رشيد، والباحث المسرحي محمد صبري، والباحثة خمائل شاكر الجنابي.

 المسرح في بابل

صورة

نشر عالم الآثار العراقي فوزي رشيد، عام 1987، بحثا بعنوان “المسرح بابلي وليس إغريقيا” في العدد الثالث من مجلة “المورد”، التي تصدر عن دار

الشؤون الثقافية العامة في بغداد، ويرى فيه أن الأسطورة السومرية الشهيرة المكتشفة في العراق “نزول إنانا إلى العالم السفلي” هي أول نص مسرحي مكتشف حتى الآن في العالم، ولم تكن للقراءة فقط وإنما للتمثيل أيضا.

يقول “هل كانت هذه الأسطورة للقراءة فقط أم للتمثيل؟ فلو افترضنا أنها كانت للقراءة فقط فكم عدد الذين يجيدون القراءة والكتابة آنذاك حتى يتمكنوا من الاطلاع على مضمون هذه الأسطورة؟ بالتأكيد أن عددهم كان لا يزيد على عدد أصابع اليد. ولذلك يُعتقد بأن الأسطورة المذكورة كانت تُمثَّل بشكل من الأشكال، وما عدا ذلك غير قابل للتصور، لأن ذلك يعني أن الناس كانوا في واد والتعاليم الدينية كانت في واد آخر”.

وبناء على ذلك يقر رشيد بأنه لا بدّ أن أحداث الأسطورة كانت تُعرض على الناس إما تمثيلا وإما قراءة، وإما تمثيلا وقراءة في آن واحد. وهذا الشيء هو المنطقي، لأن بعض أحداث الأسطورة يصعب تمثيلها لكونها لا تمتلك وجودا حقيقيا كالعالم السفلي ومَن يعيش فيه.

 ثم يمضي الباحث في عرض تفاصيل هذه الأسطورة، ويوضح أنها كانت تُعرض في احتفالات عيد “الأكيتو” خلال فترة الاعتدال الخريفي. ويعتقد أن دور الإلهة “إنانا” كانت تؤديه ممثلة ترتدي أجمل الملابس، وتتزين بأجمل الحلي، وتأتي إلى مدخل العالم السفلي والجمهور يتابع حركتها، ويرى كيف أن الحارس “نيتي” يأذن لها بالدخول، بعد حصوله على موافقة ملكة العالم السفلي “أيرشكيكال”، وبعد أن يأخذ قطعة من ملابسها وقطعة من حليها. المسرح الموجود في بابل لو ألقينا عليه نظرة سنجده متألفا من تركيبة المسرح الدائري الذي تجري فيه احتفالات الربيع

 وحين تصبح الممثلة داخل جدران المدخل إلى العالم السفلي، يقوم أفراد الكورس بوصف ما يحدث للإلهة “إنانا” حيث تحتجزها ملكة العالم السفلي، ولا تطلق سراحها إلا بعد اعتقال حبيبها “تموز” وإنزاله إلى ذلك العالم بديلا عنها.

 وفي مقابل هذه الأسطورة ذات الطابع التراجيدي، كان ثمة احتفال آخر في فترة الاعتدال الربيعي، وهو احتفال بعودة “تموز” من العالم السفلي إلى الحياة، ويتسم بطابع كوميدي تُقدم خلاله فعاليات المهرجين والمنكتين والراقصين والمغنين والممثلين.

ويستنتج رشيد من ذلك قائلا “لو ألقينا نظرة على المسرح الموجود في بابل سنجد أنه يتألف من تركيبة المسرح الدائري الذي تجري فيه احتفالات الربيع، أي الكوميديا، ومن المدخل إلى العالم السفلي الذي يجري فيه تمثيل أحداث نزول الإلهة إنانا والإله تموز إلى العالم السفلي، أي التراجيديا”.

 ويقر بناء على ذلك أنه من الخطأ الكبير أن ندعو المسرح بالإغريقي، لأن أصله عراقي، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، ولأن بلاد اليونان، بل إن المسرح الإغريقي نفسه متطور عن المسرح البابلي، لأن أحكام قانون التطور لا تسمح لنا بالافتراض بأن المسرح

الموجود في بابل متطور عن المسرح الإغريقي، ولكن منطقيا جدا إذا ما قلنا العكس، لأن المسرح في بابل مركب من تصميمين مختلفين، بينما المسرح اليوناني عبارة عن تبسيط وتوحيد للتصميمين اللذين يتألف منهما المسرح في بابل.

"رثاء أور" مسرحية عمرها أكثر من ألفي عام

وفي بحث آخر لفوزي رشيد، أكد أنه اكتشف نصا مسماريا آخر في مدينة آشور شمال العراق يعود إلى 800 سنة قبل الميلاد، وهو يتحدث عن عرض طقسي ذي سمات بصرية قوامها التعبير الجسدي، بطله “مردوخ” الإله الرئيسي لمدينة بابل.

وترى الباحثة خمائل شاكر الجنابي، في أحد مقالاتها، أن ما يزيد التأكيد على أن أسطورة “نزول الإلهة إنانا (عشتار) إلى العالم السفلي كانت تُمثَّل فعلا هو وجود الممثلين، وأن كلمة ممثل باللغة البابليه هي: موميلو، والصيغة المؤنثة موميلتو. أما في اللغة السومرية فإن كلمة ممثل تلفظ: إينه دودو، وتعني الذي يتحدث للمشاهدين”.

أما الباحث محمد صبري، فقد نشر بحثا بعنوان “المسرح البابلي: تاريخه وطرازه وخصائصه”، ذهب فيه إلى أن بناء المسرح البابلي يُعدّ أحد الأبنية المميزة، التي بقيت أساساتها صامدة في مواجهة التغيرات الجغرافية وتعرية التربة، والمياه الجوفية التي هددت كل آثار بابل تقريبا. وبالرغم من دمار الهيكل الخارجي للبناء، قامت مديرية الآثار العامة بالتنقيب عن تلك الأساسات، أي الخارطة الأرضية، ومن ثم تمّ إكمال المبنى بطابوق حديث فوق المخطط الأصلي.

وعند دراسة المبنى وأجزائه والأساسات، اتضح أنه فريد من نوعه، مقارنة مع مباني العالم القديم في أرجاء العراق، وفي أماكن أخرى شهدت مباني مماثلة، في الأردن وفي شمال أفريقيا مثل مسرح “لبدة”، ومسرح “صبراتة” الذي بناه الرومان في ليبيا.

وقد برزت أمام الباحث مشكلة إثبات المشيّد الحقيقي لمبنى المسرح البابلي، إذ لا توجد وثيقة تاريخية تنسب المبنى إلى جهة أو إلى شخص، ولمواجهة هذه المشكلة راجع الباحث الوثائق التاريخية التي يمكن أن تشير إلى ذلك، إضافة إلى إجراء مقارنة معمارية وسوسيولوجية للمبنى مع مسارح إغريقية ورومانية كانت معروفة ومشيدة في فترات متزامنة مع تشييده لمعرفة الاختلاف والتشابه بينها.

وأهم ما توصل إليه الباحث أن مبنى المسرح البابلي له وجود يسبق دخول الإسكندر المقدوني إلى مدينة بابل، ويتميز بتفرده وخصوصيته، وعدم وجود تشابه كامل بينه وبين مباني المسارح الإغريقية والرومانية.

رثاء أور

 

"رثاء أور" مسرحية عمرها أكثر من ألفي عام
“رثاء أور” مسرحية عمرها أكثر من ألفي عام

 

 من بين النصوص التي أسفرت التنقيبات الآثارية عنها في العراق، نصان مسرحيان شبه كاملين، أولهما بعنوان “رثاء أور” يعود إلى الألف الثالثة قبل الميلاد، وثانيهما بعنوان “حوارية السيد والعبد” يعود إلى منتصف الألف الثانية قبل الميلاد.

وقد أخرج كلا النصين المخرج العراقي الراحل عوني كرومي، كما أخرج المخرج الكويتي البريطاني سليمان البسام عرضا مستوحى من النص الأول عام 2018، وعرضه في ميونخ بأداء نخبة من الممثلين العرب والألمان، وقد صوّر مأساة مدينة أور، التي تعرضت للغزو والتدمير على يد االعلاميين عام 2000 قبل الميلاد، مرورا بوصول علماء الآثار إلى العراق عام 1903، ثم إلى الحاضر في العام 2015، الذي شهد تحطيم أجزاء من تلك الآثار على يد تنظيم داعش، وانتهاء عند مشارف مستقبلنا القريب في العام 2035.

حوارية السيد والعبد

طرح العرض أسئلة حول الذاكرة الثقافية والنسيان، التي تظهر من خلال أحداثه، وتتجسد بشخصية الآلهة الرئيسية، حاكمة مدينة أور، “نينكال” (أم الإلهة إنانا أو عشتار).

 يعود نص “حوارية السيد والعبد” إلى العام 1200 قبل الميلاد، أي أنه ظهر في الفترة التي تمثل قمة ازدهار اﻷدب الرافديني، حيث تأثرت هذه الفترة بقوانين حمورابي الشهيرة، إضافة إلى تأثرها بالأفكار السومرية والأكدية.

والنص المسرحي عبارة عن قصيدة مكتوبة باللغة البابلية على شكل حوار من أحد عشر مقطعا، بين طرفين متضادين متحدين (سيد وعبد)، تبدأ بمقاطع سهلة وبسيطة، ثم لا تلبث أن تأخذ أشكالا معقدة ومتشابكة في الوسط، لتنتهي بمجموعة من الأفكار العبثية والتناقضات الفلسفية، وتتميز بسبك فكري – أدبي رفيع الجمالية والتنظيم، كما يقول الدكتور حسين الهنداوي.

 وتنفرد مقاطع النص بأصالة وعمق في إبراز عقلانية مفهوم الشك الفلسفي قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام على ديكارت، شك في المعتقدات والقيم والأخلاق السائدة بموازاة مضمونها “اللا – أدري” المحوري على صعيدي الذات والموضوع وعلاقتهما الجدلية، حيث التضاد ليس مجرد علاقة سلبية بين وجودين ملموسين وحسب، بل بين ذاتين متضادتين تماما في إطار إشكالية وحدتهما السرمدية.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح