أخبار عاجلة

هايل المذابي يكتب:مأزق مسرحي عربي آخر : المسرح وعاء يجسد الثقافة أم حُقَب وأنظمة!

مأزق مسرحي عربي آخر : المسرح وعاء يجسد الثقافة أم حُقَب وأنظمة!

بقلم : هايل المذابي

………

 

يقول د. فاضل الجاف في كتابه (فيزياء الجسد- ميير هولد ومسرح الحركة والإيقاع) في معرض حديثه عن سيرة ميير هولد: ( بعد القائه كلمة في مؤتمر المخرجين بموسكو حزيران 1939 وبعد اسبوع القي القبض عليه بتهم مضحكة: التجسس لليابان وبريطانيا وليتوانيا وتروتسكي. سارعت زوجته الممثلة المعروفة زيناييدا رايخ بكتابة رسالة الى ستالين شخصيا مدافعة عن زوجها معلقة “لماذا لا يحق للممثلين التدخل بالسياسة لانهم لا يفهمون في السياسة بينما يحق للسياسيين التدخل في المسرح على الرغم من انهم لا يفهمون في المسرح “بعد مدة من رسالتها قطعوها اربا بالسكاكين في بيتها . واعدم مييرهيلد وبعد تعذيب رميا بالرصاص في شباط 1940 وكان في ال 66 من عمره.وكان يخطط قبل استشهاده لاخراج مسرحية هاملت ووافق بيكاسو على تصميم المناظر لها اذ قال عنه “اذا اردت ان تعلم التكوين في المسرح فعليك بدراسة مييرهولد”لذلك سمي بـ(بيكاسو المسرح).).انتهى الاقتباس.

…….

 

نشأت معظم الفنون والعلوم العربية على أنقاض القصيدة الجاهلية, فاللغويون لم يجدوا وسيلة أفضل من الشعر لحفظ قواعد وأسس النحو فأصبحت ألفية ابن مالك المنهج الأكاديمي الذي يعلم اللغة وبالمثل دونت قواعد علوم الحديث وغيرها..

العلوم والفنون المستحدثة وكذلك التي جاءت من الغرب تستطيع أن تلمسها في الثقافة العربية بسهولة من خلال عدم وجود قالب شعري يحفظ قواعدها…

ليست المشكلة في القالب الشعري لحفظ قواعد تلك العلوم والفنون التي جاءت عبر أوروبا لإن كثير منها أو ربما جميعها لها قواعد بطريقة الغرب وأسلوبه, ويتم نقلها كما هي لكن من ذلك فن المسرح الذي مايزال هناك لبس في التعامل معه..

هناك من لايفهم عن المسرح الأوروبي سوى أنه نموذج قدمه الغرب وله الحق الكامل في التعامل مع هذا النموذج وتعديله وانتخاب وحذف ما يشاء منه كما يحلو له..!

لو أن أوروبياً أراد أن يتعلم اللغة العربية وتعامل معها كنموذج له ما يشاء من الحرية في التعامل معها فهل سيقبل العربي ذلك ويتقبله حتى ولو لم يفهم شيء مما ابتكره الأوروبي وقدمه عن اللغة العربية..!

مؤكد أن أي عربي سيغضب ويسفه ويرفض والأمر ذاته مع الأوروبي في نظرته للكثير من النماذج والعروض المسرحية العربية!

الدارسون والأكاديميون العرب في الغرب يلتزمون ويفهمون فن المسرح بنظرة غربية نتيجة لدراستهم في الغرب وكثير من المسرحيين العرب يتعاملون مع نماذج أوروبا لا مع قواعد وأسس تلك النماذج فيصيبون حيناً ويخطئون أحياناً كثيرة وهناك الكثير أيضاً ممن يتعاملون مع المسرح الأوروبي بوقائع تاريخية وحقب وأنظمة سياسية سادت فيها, ولو تمعنا في أمرهم قليلاً لوجدنا حالهم حال من قرن الشعر وفهمه على طريقة العصر الأموي أو العصر الجاهلي أو العصر العباسي أو غيره بما في تلك العصور من ثقافة وفكر وسياسة, غافلاً عن هويته وثقافة عصره, وأن ما يلزمه من كل ذلك سوى القالب الشعري الذي اختزلته التفعيلات الثمان في بحور الخليل الستة عشر, وله مطلق الحرية في صب ثقافته في ذلك الوعاء وذلك القالب ليعبر عن نفسه وهويته..!

وبالعودة إلى اقتباس البداية عن فاضل الجاف وما أورده على لسان الممثلة زيناييد رايخ سنجد أن التعامل مع فن المسرح من خلال حقب وأنظمة سياسية سادت في تلك الحقب كنظام ستالين, مثلاً, يُعبّر عن ثقافة تلك الأنظمة السياسية بعدلها وظلمها, وليس عن المسرح, لأن المسرح كان وسيظل قالباً ووعاءً, ولو قيل أنه اختص بالفقراء, فنقول من الطبيعي أن يكون عن الفقراء نظراً لطبيعة الفكر الشيوعي الثوري, الذي لن يطبق مبادئ تلك الثورة التي استخدمها كمبدأ سوى الفقراء فهي المهد الخصيب لذلك, لكن أليس المسرح أيضاً في عهد شكسبير كان ملكياً!

ثم إن المبادئ الشيوعية الثورية قد استلهمت ثوريتها من الشيطان الذي اعتبره مفكروها دائماً النموذج الكامل للجمال الرجولي, وكثير من الأعمال الفنية دارت في هذا الفلك وتغنت حوله.. ومما يذكر أن الرئيس الأمريكي الأسبق ريغان كان يحلو له تسمية الاتحاد السوفياتي بإمبراطورية الشر وما ذلك إلا لأن لفظة الشر لفظة عبرية تعني الثورة .. والشيطان أطلق عليه الشرير أي الثائر والمعارض لأنه عارض كلام الله وثار عليه ورفض أن يسجد لآدم في الجنة..

وبالمناسبة أيضاً فقد نشأت عداوات كثيرة بين المتدينين وبين المسرح كنتيجة طبيعية لهذا الفهم المغلوط للمسرح عندما ألصق فهمه بأنظمة سياسية وفكرها وحقب تاريخية بائدة شوهت مساره عربياً وشلت حركته, و كان حتماً في غنىً عنها..!

وبالإمكان التساؤل الآن : إذا كان المسرحيون العرب يتعاملون مع المسرح الأوروبي من خلال أنظمة سياسية وحقب ووقائع تاريخية وينظرون بمنظارها بما فيها مسرح شكسبير ومسرح بريخت وجدوله والمسرح الشيوعي أيضا وليس كقالب ووعاء فأين بالإمكان أن نجد الهوية العربية والثقافة الخاصة بالعرب وكيف سيعرف اللاحقون في أي عصر نحن وكيف كان تفكير ذلك العصر!.

والسؤال الآخر: هل يحتاج المسرحي العربي إلى ألفية مسرحية ليفهم بها المسرح كألفية ابن مالك!.

عن هايل المذابي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.