“هاملت” حطّ في “البستان” لليلة شكسبيرية شعبيّة عالية الاحتراف أن نكون أو لا نكون من الوجود إلى العدم

هنا في “البستان”، كانت المحطة السادسة والخمسون بعد المئة لفرقة “غلوب ثياتر” البريطانية المتجوّلة منذ سنتين في العالم ضمن مغامرة مسرحية لم يسبق لها مثيل، وفي متاع السفر “هاملت” تحفة شكسبير الخالدة. اتخذ المسرح ملامح شبه سفينة قديمة كالتي كان القراصنة يبحرون عليها في غزواتهم.

الصناديق المنقولة على متن السفينة هي صناديقهم، لا تزخر بالذهب والألماس، بل بحاجات هذه المسرحية الجوّالة لديكور متحرّك، ينقل المشاهد بالخيال طبعاً من أسوار قصر ملك الدانمارك إلى داخله ومن الراقصين والمغنين الغجر، خارجه إلى حيث المكائد تحاك من أجل السلطة والتاج، وشبح ملك مات غدراً يظهر على إبنه هاملت ويطلب منه الثأر له من أخيه الذي قتله واستحوذ على الملك والزوجة معا. هذه هي في المختصر قصة “هاملت”.
فإذا كنا حفظناها على مرّ الأزمنة، في المطالعات وأفلام السينما والمسرح، فالإثارة تبقى بلا شك من كل عرض جديد واعدة. مع كل “هاملت” لا بد أن يستنير الفكر من أمور لم يسعه التعمّق بما فيه الكفاية في مآثرها، وربما عدم قدرة من كان مثلي، على التآلف مع هذه اللغة الشكسبيرية المثقلة بالاستعارات الظليلة. مغاز عبرت أمس من دون أن نتلقى من هذه القيمة الأدبية، المسرحية، مفردات للحياة. كأننا لفهم شكسبير اكتفينا بتردادنا “نكون أو لا نكون، هذه هي المسألة”. إلى أن شاهدنا في “البستان” نسخة شعبيّة، حتى لا نقول “همشرية”، ذات إخراج نبيه، سهل المنال، وشاهدنا تمثيلاً في غاية الاحتراف. الصياغة وإخراجها جاءا متلائمين مع مناخ الجولة، ربما كما شاء شكسبير في القرن السادس عشر أن تكون، حين كان يقدّم مسرحياته في القرى البريطانية.
السفينة- الديكور، مشرّعة للداخل والخارج، فمن غير تحضير سابق لبدء مسرحية بقواعدها المعروفة ورفع ستارتها أولا، فاجأتنا فرقة غجرية بالغناء والعزف وإلإيقاع على لحن إيرلندي. هذه الدينامية الفوّارة هي عنصر أساسي في بلوغ شخصية هاملت الثائر، المفتعل الجنون باسئلته العبثية بهدف الثأر لأبيه، أو في خلقه مسرحاً في مسرح، تنبت منه الحقيقة فتصل الرسالة المريرة إلى الرجل الذي سلبه أمه وقتل أباه للسطو على التاج.
من قلب الفرقة تقدم أحدهم من الحضور صارخا، كصرخة كريستوف كولومبوس حين وطئ أرض أميركا: “ها نحن أخيرا في بيروت، في لبنان”، والصرخة التي ترافقت مع قرع الطبل كانت للبناني الجالس في مقعده حلما نشله لهنيهات من عرمات النفايات وجرائم المنافقين. بيد أن شكسبير في هذه الليلة البستانية، أرسل إلينا إبنه الحبيب هاملت، ليرينا الوجه الآخر من الإنسانية النتنة، فنتلقى “نكون أو لا نكون” أحجية تدور في دماغنا لا حلّ لها سوى إيماننا بالوقت الذي لا يزال يدور بها في الكون إلى ما لا نهاية، نرددها ونحن ننقب في عمقها علّنا ننشل فحواها.
الممثلون في “غلوب ثياتر” تركوا الطبيعة تصنع أجواء رحبة للمسرحية، تلقاها الجميع من دون أن يكون للبعض إلمام بشكسبير. فلا أزياء معاصرة لزمن شكسبير ولا أوفيليا أثيرية، تحلّق في النور، بل تراجيديا دخلت فيها الفكاهة البريطانية بحس جمالي بغية إيصال الرسالة إلى كل الشعوب الذين استقبلوا هاملت في ديارهم، ونحن منهم. لا كما قال أحد الشكسبيريين: “يجب أن يكون المرء إنكليزيا وفي دماغه مكيال ولو طفيف من الانفعال ليقدّر نبوغ شكسبير”.
لعلّه على حق في ما يخص اللغة الشكسبيرية التي قال عنها فولتير إن هذا الشعر الراقي، البهي، يتساكن مع غزارة الألفاظ البذيئة. فكيف عساي أفرّق بين القمح والزؤان فيما كنت في دهشة هذا الإخراج الجوّال، الحامل في متاعه جوهر “هاملت” ولغة هدفها التعبير عن فكر يوحّد بين الناس. فهل حذف المدير الفني لـ”غلوب ثياتر” دومينيك درومغول المقاطع الفظّة وأنار الاستعارات الظليلة؟ سؤال وحدهم الملمّون بهذه اللغة في إمكانهم الرد عليها.
أتذكّر بعض عباراته التي في مونولوغاته الطويلة تلمس سمو الكون، عابرة عن الأرض، خارج الزمن: “الفساد، الضلال، وقاحة الطامعين، عذاب الحب، الظلم… أمن الأفضل أن نموت؟. لكن الذعر الذي توحيه فكرة العالم الآخر، عالما مجهولا، يقمع أمنية الموت”. ثم يقول: “فلنمت ماذا نخشى حين لا نعود، الموت هو الرقاد وربما هو الوعي”.

 

مي منسى

http://newspaper.annahar.com/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.