أخبار عاجلة

نصوص على هامش التجربة.. محمد تيمد جبل الثلج الذي يخفي الكثير من الخزائن – يوسلهام الضعيف #المغرب

نصوص على هامش التجربة
نص
فن الملسوعين
……………………….
يبقى (تيمد)علامة دالة في المسرح المغربي ، تيمد مثل جبل الثلج في المحيط يخفي الكثير من الخزائن ، عبرفي صمت كما عبر في صراخ عن مسرح سابق لأوانه ،ربما يعبر عن قدر هذا المسرح المغربي في أن يكون قويا وغير معترف به ، وكونيا مرفوض في بلده ، وطلائعيا يتم تهميشه، ومجددا يتم تكلسيه .الرجل الذي حول كل شيء إلى مسرح ، حتى عندما تم القبض على مع فرقته وهم خارحين من مقر التداريب بلباس شخصيات المسرحية ،من طرف دورية الشرطة ،وتم إيداعم السجن ، تحول المخفر إلى مكان للبروفة هكذا يحكي الناقد عبد الرحمان بن زيدان (عرف تيمد أن المسؤول عن الدورية سيبقيهم في القبو حتى الصباح،لأنه اعتبرهم متسكعين، ومنحرفين،ومشاغبين ، يرتدون لباس الدراويش، ولم يرد أن يسمع حكاية عما يعملون، وماكانوا يفعلونه، فلاحت أمام تيمد فكرة جعلته يفكر في الاستفادة من هذا الوجود في (الكوميسارية)،لأن الظلمة في نص العرض،وتحرك الممثلين كاشباح، يشبه إلى حد ما المكان الذي يوجد فيه مع الفرقة، ثم إن العرض المسرحي سيكون في اليوم الموالي،فقال لماذا لايكون التدريب في هذا المكان، ولماذا لايبدل ذاكرة المكان القمعية بذاكرة فنية، فالممثلون بزي التمثيل، وأن قتل وحشة المكان لايكون إلا بإعادة الاشتغال على فصول المسرحية، وبدأ التدريب..)

من فاس إلى مكناس :
فبعد مسارالدراسة بالقرويين والتجربة المسرحية الأولى مع المسرحيين بمدينة فاس ومنهم:عبد اللطيف الحبابي،محمد الكغاط،أحمد زكي العلوي،نبيل لحلو،محمد الساطوري، والحسين المريني وعبد الحق بن عدادة، وإبراهيم الدمناتي،أحمد الخمليشي، والعابد المريني وزوجته خديجة.جاء تيمد من فاس إلى مكناس سنة 1966 كأستاذ للغة العربية،وفي هذه المدينة سيفجر إبداعاته ومخيلته وينحث تجربته القوية مع مسرح الفصول ضمن خريطة مسرحية آنذاك كانت تعج بالأسماء وكانت حركة مسرح الهواة تنشط بشكل قوي في أغلب المدن .فكانت (الفصول ) حاضرة في المشهد ساعتها بمؤسسها مولاي أحمد المنونين والفضاء الجمعوي مؤثث ب: حسن المنيعي ،عبد العزيزبن عبد الجليل،محمد بن عبد القادرالودغيري،محمد فجاج، بوزوبع ، كانت مكناس السبعينية ،تحتفي بكل عنفوان بفضاءاتها الثقافية: سينما الريجان،دار الشباب محمد الخامس، النطاق الثقافي،المعهد الموسيقي ، سينما الريف، سينما آبس ، سينما كاميرا،مسرح الحبول، قاعة المعرض .
مكناس بعمرانها وناسها وحارتها وذاكرتها وحانتها وتاريخها ومجانينها شكلت ورشة تفاعل معها (تيمد) فأبدع وخطط وأخرج وكتب وأنشد مسرحه بإمكانيات المرحلة التقنية ولكنه متجاوز ذاته، سابق لأوانه ، أسس مسرحيا طليعيا كان فيه للصمت مكان ،حيث كان الضجيج ، كان مجربا بالفطرة،بغريزة إبداعية جعلته رساما فوق الخشبة، ففي الوقت الذي كان المسرح يصرخ نضالا مباشرا، كان هو شكلانيا من حيث البحث في الشكل المسرحي،كان عبثيا من حيث طرح الأسئلة الوجودية،في علاقتها بالقضايا المصيرية والتي كانت تلهب حماس الجماهير ساعتها.

(كان ياماكان ) (الزغننة) (أزمنة الأمطارالمتحجرة) (وسال الماء) (ماقلك حد عينيك زورق )(الأحذية اللامعة ) وغيرها ، أعمال صنفت بملمحها التجريبي ونفسها العبثي، ولكن مع الأسف الذاكرة المغربية لن تحتفظ بوثائق مصورة لهذه التجربة الحية والتي خلخلت الراكد في الذائقة المسرحية ،فقط صور ، ومخطوطات نصوص متفرقة هنا وهناك، عند أصدقائه ومعارفه ، وقد حدثني الدكتور حسن المنيعي عن علبتين (كارطونتين) من المخطوطات والكتابات والنصوص المسرحية والشعرية ، هما قيد الإحتجاز،في انتظار عفو إنساني يكتشف فيه القراء،العوالم الإبداعية لرجل كان يسمي المسرح فن الملسوعين.

تيمد كان فنانا شاملا،حيث كان يؤلف ويخرج ويتصور سينوغرافيا عروضه ، بل إنها كتابته المسرحية تحضر فيها الكلمة الشعرية ولكن كذلك كتابة مشهدية أو بتعبير اليوم كتابة ركحية ، فقدم مسرحية الضفادع لأرسطو بالموقع الأثري وليلي ، لم تكن ثمة خشبة ، بل تحولت الأطلال إلى هيكل للاحداث ، فقدم كل مشهد في مكان مختلف عن المشهد الذي يليه، وكان الجمهور يتبع المسرحية ، وهي تتحرك في حضارة وليلي البائدة . قدم مسرحية فيها ممثل وحيد (الزغننة ) والتي شخصها باقتدارحميدالبوكيلي، حيث يعترف المسرحي عبد الحق الزروالي أن مشاهدته لمسرحية الزغننة هي التي أوحت له التورط في المسرح الفردي وتقديم مسرحيته الأولى (الوجه والمرآة). كما قدم مسرحية(حبال.. خيوط… شعر) مع عدد الممثلين يتجاوز الستين. يحكي الناقد بن زيدان أن تيمد اشتغل على مسرحية (كاليغولا ) لألبير كامو وقدمها في فضاء مسرح الحبول حيث وضع المتفرجين فوق الركح ،وجعل العرض مكان المتفرجين، وهو ما احتج عليه انئد ممثل الشبيبة والرياضة سيد العربي المجدوبي معتبرا أن ما قام به تيمد لا علاقة له بالمسرح الذي ألف مشاهدته .

تيمد ذهب بعيدا في مغامراته عندما جمع ثلاثة جمعيات من ثلاث مدن مختلفة ،(اللواء المسرحي من فاس تحت إشراف محمد عادل ولواء تازة بإشراف محمد بلهيسي والفصول من مكناس )، لإنجاز مسرحية (ألف ليلة وليلة ) التي قدمت في مهرجان الهواة بمراكش سنة 1979 .
المخرج المسرحي محمد بلهيسي مازال محتفظا بذاكرته ، عندما كان ممثلا مع محمد تيمد في مسرحية (رحلة في خيال جدتي) وهي مقتبسةعن أسطورة بيغماليون،يذكر بافتخارالأثر الذي خلفته المسرحية،عند تقديمها بألمانيا سنة 1978 في خمسة عروض ،وكيف تفاعل الجمهور الألماني معها ،المسرحية كانت تعتمد على لغة الجسد فقط مع حوارت بسيطة وقليلة ،المقطع الوحيد باللغة العربية مثله بلهيسي بالألمانية ومازال لحدالآن يحفظه عن ظهر قلب .
عزلة طنجة :
………………………………………………………..
غربة :
غريب لامن يسال علي
عشتي مرار
من الصباح لعشية
من البكا جفت عيني
أنا مسجون في ذاتي
الموت تاخذني بلاتي
لهيب ياكل سمعة
دمعة وراها دمعة
أنا راحل بلارجعة
………………………………………………
فنان في اختلافه وفي نمط حياته ،ولكن ظروفه الحياتية ، وخصوصا طلاقه و سوء الفهم الذي قوبلت به تجربته(أو الحرب عليها) ، جعلته يعيش التهميش، والنكران .إن الرحيل إلى طنجة كان بمثابة ، التحول نحو مرحلة أخرى بما لا وعليها ، في طنجة لم يكن تيمد ذلك المسرحي المتمرد والمنتج بشكل لافت ،حيث يقول : (الإنسان الذي انتقل من مدينة فاس مدينة مكناس ليس هو نفس الإنسان الذي انتقل من مكناس إلى طنجة بحكم السن والتقادم في المهنة،والكثير من العوامل،تضع أمامك شروطا للعمل لايمكن أن تتجاوزها ،فإذا لم تتوفرتصمت).ربما كانت طنجة مرحلة للكتابة والإبداع في صمت ، فقط مع كأسه وبعض خلانه ،غربته ستتضاعف بمشاركته في عمل مسرحي(ملحمة واحة الفرح) أنجز بمدينة الرشيدية سنة1989 .فهل مشاركته في هذا العمل ولظروفه المادية ضدا عن قناعاته وأفكاره ومبادئه هي التي عجلت في تضاعف حزنه وإحباطاته ومرضه؟ أكيد أن مشاركته في هذا العمل لم تكن منسجمة مع أفكاره.ولكنها كانت جزءا من وعيه الشقي .
الصحفي خال مشبال والذي عاشره في طنجة قال عنه : (المرحوم محمد تيمد عاش بيننا معطوبا، كما هو الآن مسرح سيرفانطيس، أو هكذا يشبه نفسه كلما اشتدت به أزمات الإبداع )
بمدينة المحمدية سنة 1991وبالمهرجان الذي نظمه اتحاد كتاب المغرب في مراحله الزاهية حين كان الأشعري رئيسا، قدم مسرحية (موكب العميان )، كان حدثا أليما بالنسبة إليه ، عندما انسحب الممثل الرئيسي في آخر لحظة ، فاضطر تيمد إلى أن يصعد إلى الخشبة وهو يسعل من شدة ألم المرض والخسران ،وخيانة الخلان والرفاق.
في شريط (شاطئ الأطفال الضائعين ) اكتشف جمهور السينما وجها غارقا في التعبيرالمنفلت من كليشيهات الأبطال النمطيين ، (تيمد) يتقمص بكل عنفوان وألم دور الأب ، المنشطر بين حب ابنته وتقاليد المجتمع ،ثمة مشهد يذهب فيه الأب نحو هيكل السيارة وهو يحمل بيديه حجرة ويبدأ في ضربها ثم يتهاوى،مشهد عميق في التشخيص القوي والنادر. مخرج الشريط الجيلالي فرحاتي قال عن تيمد بانه :لم يعط ما يستحقه كمبدع من حجم كبيرومثقف بعمق الكلمة وإنسان راق بأسلوبه وفكره .تيمد عاش الألم والإهانة وأشياء أخرى بسبب عدم فهم اختياراته في مجالات الثقافة والإبداع .ثم يضيف عن اشتغاله معه في الفيلم ” ( بدون مبالغة،قمة الإبداع الداخلي فوق الخشبة وأمام الكاميرا..وكأنه خريج المدرسة الأمريكية (الأكتور استوديو).)
رغم أنه ترك نصوص كثيرة،إلا أن قليلها الذي نشر،وكانت هناك مبادرة نشرت فيها (أقواس- أيامي) وهما نصان يرسمان سيرته الذاتية باللإضافة إلى مسرحيتي : كاهنة المطبخ ومنام قط ،وقد أشرف على هذه المبادرة زوجة تيمد (نادية وادجيني) والدكتورحسن المنيعي والكاتب محمد أسليم.وبخصوص إخراج نصوصه للمسرح نذكرتجارب كل من :بوسرحان الزيتوني مع( ماضي اسمه المستقبل)،ومحمد بنحساين مع (الزغننة) ثم مؤخرا اشتغال عبد الجبارخمران على سيرته الذاتية .
تيمد هو اللقب الفني الذي اختاره لنفسه وهي تركيب مختصر من اسمه الحقيقي محمد الراجي التيجاني،وعلى هذه الشاكلة اختار لإبناه إسمين يخرقان المألوف : دريد لأبنه ثم دوالي لإبنته .
توفي تيمد يوم الثلاثاء 30 نونبر1993 بمدينة طنجة وفي نفس اليوم الذي توفيت فيه أمه ،هي ستدفن ظهرا بمدينة فاس وهوعصرا بمدينة طنجة ، طنجة التي احتضنت عزلته الأخيرة.

بوسلهام الضعيف – المغرب

*المسرح في حياتي
نصوص على هامش التجربة
نص
فن الملسوعين

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة