ندوة فكرية تناقش الفضاء الجديد في المسرح العربي المعاصر / علاء الدين محمود

شهدت فعاليات الدورة الثالثة لمهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي، أمس الأول؛ انطلاق ملتقى الشارقة الخامس عشر للمسرح العربي، والذي جاء تحت شعار «الفضاء المسرحي: التوجهات الجديدة وآفاقها»، بحضور نقاد وأدباء مسرحيين من مختلف الدول العربية، ويهدف الملتقى إلى تلمس مدى تأثر المسرح العربي؛ بموجة التحديث التي عرفتها مسارح العالم، على مدار العقود الماضية، وخاصة فيما يتعلق بتشكيل الفضاء المسرحي، حيث برزت العديد من الأعمال المسرحية العربية التي سعت إلى الانتقال بعروضها من الفضاء التقليدي، الذي تمثله «العلبة الإيطالية»، إلى فضاءات جديدة، في مواقع وأماكن مفتوحة ك «المقهى»، و«السوق»، و«الساحات العامة».
وتضمنت أعمال الملتقى ندوة حوارية حول تشكيل الفضاء في المسرح المعاصر، أدارها، على مدار جلستين، الممثل والمخرج الإماراتي عبدالله راشد.
شارك في الجلسة الأولى كل من د. باسم الأعسم من العراق، د. رشيد منتصر من المغرب، والمخرج والكاتب التونسي عماد إلمي. بينما شارك في الجلسة الثانية د. فراس الريموني من الأردن.

تناول الأعسم في ورقته «الفضاء المسرحي بين التقليد والتجديد»، بنية خطاب العرض المسرحي وتشكلها من فضاءات متعددة ومتنوعة، تشكل في مجملها «الفضاء المسرحي»، مشيراً إلى أن التحديد المكاني لخشبة المسرح؛ يتقاطع والرؤى التجديدية المغايرة المؤثثة لفضاء العرض الأرحب، مؤكداً أن المسرح العربي المعاصر قد شهد صراعات جسدت إرادات وتطلعات متباينة على صعيد المدارس الإخراجية.
فيما ذهب عماد إلمي في ورقته «توجهات تشكيل الفضاء في المسرح المعاصر بين الثابت والمتحول»، إلى أن المسرح فن إنساني بامتياز، جوهره الحضور الحي بكل أبعاده الجسدية والحسية والعقلية الواعية، والمعتمدة على تشغيل الخيال من أجل صناعة السحر الفني والجمالي، وخلق الصور المبتكرة والتميز بالطرافة والفرادة، مشيراً إلى أن هذا العمل يتوجه نحو المتلقي فهو المستهدف بالرسالة الذوقية الجمالية، التي ترتكز على الوعي.
وعرج رشيد منتصر في ورقته «الفرجة الخاصة بالموقع في سياقات عربية إسلامية»، على الفضاء الفرجوي في المغرب، والذي بدأ منذ العشرينات من القرن الماضي، مشيراً إلى مقولة توفيق الحكيم: «لم يكن العالم العربي بحاجة إلى استيراد المسرح الطليعي اللا واقعي من أوروبا، لأن لديه أصلاً ما يكفيه من تقاليد فرجوية تشبه تلك الأعمال الأوروبية»، موظفاً ذلك القول إلى جانب استشهادات عدة؛ ليخلص إلى وجود تلك التقاليد الخاصة بالفرجة في التاريخ العربي والإسلامي مثل «الحلقة» وغيرها من طرق استخدمت من بعض المخرجين في المسرح العربي المعاصر، مستشهداً بأعمال المخرج المغربي الراحل الطيب صديقي، وسعد الله ونوس، وعبد القادر علولة.
وفي الجلسة الثانية تناولت ورقة فراس الريموني المسرح الطقوسي كشكل من أشكال الفرجة الحديثة، مؤكداً وجود حالة تمرد تنتظم النص، كما يوجد تمرد من المخرج تجاه النص، وتمرد من الممثل والسينوغرافي، وحالة تمرد كاملة داخل المسرح تدفع باتجاه الخروج إلى فضاء جديد وعروض جمالية جديدة، متناولاً العروض ذات الطابع الطقسي، والأطر العلمية الحديثة المتعلقة بذلك النوع من العروض، الذي يدفع بها الريموني للتأكيد على وجوب أشكال جديدة للفرجة، فهدف العرض الطقوسي هو اللقاء المباشر مع المتلقي، وبالتالي لا حاجة للخشبة، مشيراً إلى أن الطقوس البدائية أقيمت في الغابات وعلى ضفاف الأنهار وفي الصحراء والجبال.
العرس الوحشي
شهد ثاني أيام المهرجان العرض الأردني «العرس الوحشي»، لفرقة المسرح الجامعي، من إخراج فلاح شاكر، تمثيل: أريج دبابنة وراتب عبيدات، سينوغرافيا: نورالدين الشوابكة.
قصة العرض مستلهمة من رواية (العرس الوحشي) للكاتب الفرنسي «يان كيفلك»، حيث اجتهد المخرج في مقاربتها وتحويلها إلى نص درامي مسرحي عربي، مستعيناً بتأويلات ورموز احتشد بها العرض، الذي جاء بحمولات فكرية وصور شعرية.
تقوم فكرة العرض على قصة فتاة جميلة تتعرض للاغتصاب من قبل ثلاثة جنود يعملون في الجيش الغازي، في آخر ليلة من أيام عملهم في ذلك المكان، فيرحلون لكن الفتاة تحبل، وتتملكها الحيرة القاتلة، فهي لا تدري لمن هذا الطفل الذي في أحشائها، فتعمل على إجهاضه بشتى السبل، لكن الطفل يأبى إلا أن يخرج ويرى النور، والذي هو في الحقيقة ظلام دامس من القسوة والاضطهاد، فالفتاة عاملت الطفل بقسوة شديدة، وكأنها تنتقم لإرادتها التي انتهكت.
حمل العرض حوارات قوية جاءت بصورة شاعرية، طارحة تفاصيل فكرية ومقاربات تفتح النص على تأويلات عدة، ربما لا تخلو من الإسقاطات الإيديولوجية والسياسية والاجتماعية، واستخدم المخرج طريقة الفلاش باك في استعادة واستدعاء اللحظات الزمنية الشاردة من الذكريات والتفاصيل الحياتية، التي شكلت المأساة منذ مرحلة الاغتصاب إلى ذروة الحوار بين الأم والابن.
عقب انتهاء العرض، أقيمت ندوة تطبيقية نقدية حول المسرحية، قدمها الإعلامي أحمد طراونة من الأردن، وتحدث فيها مخرج العرض.
أشاد طراونة بالعرض، الذي وصفه بأنه جاء محتشداً بالتفاصيل والدلالات، إضافة للأداء التمثيلي والفعل السينوغرافي المؤثر، مشيراً إلى أن العمل حمل دلالات التداعيات التي تواجه المرأة العربية فيما يتعلق بقيم العار والنسب، مشيراً إلى أهمية النص، ومشيداً بالفريق الذي أنجزه وفق مقترح إخراجي ناجح، حيث قام بتقسيم الخشبة إلى نصفين يعبران عن الصراع النفسي المحتدم.
وذكر الناقد اللبناني هشام زين الدين أن العرض جاء متماسكاً من أوله إلى آخره، وهو ذو طابع فكري وشعري، ما كان يستوجب على المخرج التعامل مع إدارة التمثيل بتقنية تستخدم فترات الصمت أكثر، بينما أشار الناقد العراقي باسم الأعسم إلى أن النص قد ركز على الحكاية وقلل من الفعل الدرامي، مؤكدا أن الإيقاع البديع للممثلة قد كسر الجمود.
فيما ذهب الناقد المغربي رشيد عدواني إلى أن اللغة العربية المستخدمة في العرض؛ قد وضعت حاجزاً بين حمولة النص والتلقي، موضحاً أن استخدام اللهجة العامية الأردنية ربما كان أوفق، وطالبت الممثلة السورية نورا يوسف بضرورة اللجوء إلى طرق أدائية جديدة في العروض والأداء التمثيلي، مشيرة إلى أن ما ينقص العرض هو الصدقية الأدائية، برغم أنه جاء حافلاً بالحلول الإخراجية.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.