“نجونا بأعجوبة” نص الأميركي ثورنتون وايلدر في عرض مصري شبابي ضمن مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي – يسري حسان

بأعجوبة
من مسرحية نجونا بأعجوبة

“نجونا بأعجوبة” نص الأميركي ثورنتون وايلدر في عرض مصري شبابي ضمن مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي – يسري حسان

مسرحية وجودية تميل إلى الكوميديا بحذر..

قد يكون نص الأميركي ثورنتون وايلدر (1897-1975) “نجونا بأعجوبة”، أو في ترجمة أخرى “بشق النفس”، واحداً من أصعب النصوص وأكثرها تداخلاً وخلطاً بين الأزمنة والأمكنة، ومراوحتها بين ما يمكن اعتباره جداً أو اعتباره هزلاً في الوقت نفسه، وهو أمر قصد إليه الكاتب، ليس لإرباك القارئ، وإنما لإيصال رسالة تتعلق بمصير الإنسان في أي مكان أو زمان، رسالة تمتد سطورها منذ أن وجد الإنسان على سطح الأرض وحتى الآن.

لذا فإن قراءة النص، وكذلك الشروع في تحويله إلى عرض مسرحي، يحتاج رهافة وحساسية ودربة خاصة، تمكن من إعادة فكه وتركيبه، وتقليبه على الأنحاء كافة، ومحاولة تنظيم فوضاه، والنظر إليه في ضوء الظروف التي كتب فيها، حتى لا تختلط الأمور أكثر في ذهن القارئ أو المشاهد.

هذا النص الذي يقع في ثلاثة فصول، ونشر في عام 1942، إبان الحرب العالمية الثانية، كان عنوانه الأصلي “نهاية العالم” لكن كاتبه، الذي كان يصر على إمكانية بقاء العالم وسط الدمار، وإمكانية تجدد الحياة وميلادها حتى من رحم الموت، دفعه لتغييره إلى “نجونا بأعجوبة” أو “بشق النفس” في إشارة إلى نوع من التفاؤل بمستقبل العالم رغم كل شيء، وإن كانت هناك اشتراطات لتحقيق ذلك.

هذا النص الذي قدمته أكثر من فرقة مصرية من قبل، كما قدمته الإذاعة المصرية منذ نحو ثلاثين سنة، وقامت ببطولته صفاء أبو السعود وأحمد عبد العزيز، وأخرجه أحمد سليم، واستغرقت مدة إذاعته ثلاث ساعات ونصف الساعة، قدمه، أخيراً، طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية بمصر ضمن فعاليات الدورة السابعة والعشرين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.

عائلة ممتدة

شخصيات النص الأصلية هي: جورج وماغي أنتروبوس، وولداهما هنري وماغي، وسابينا الخادمة، عائلة أنتروبوس– الأب والأم- من نيوجيرسي الأميركية، هي عائلة ممتدة منذ خمسة آلاف عام، وهو ما نعرفه من خلال احتفال الزوج والزوجة بذكرى مرور خمسة آلاف عام على زواجهما، وخلال حياتها الممتدة تنجو العائلة من كوارث عدة واجتها، مثل الجليد والطوفان والحروب.

وكأن الكاتب يرمز هنا إلى مسيرة البشرية كلها، والأب– كما نعرف من العرض- هو مخترع كل شيء، بما فيه العجلة، في إشارة إلى الجانب الخير والإيجابي في الإنسان.

تنجو الأسرة من الجليد الذي كان يهدد بتدمير كل شيء، ويدعو أنتروبوس اللاجئين إلى بيته للتدفئة، ومنهم– حسب النص- هوميروس، والنبي موسى، والملهمات التسع، وطبيب، ومعلم، وكأن مواجهة الكوارث والنجاة منها يلزمها الفن والأدب والعلم والدين معاً، لكن العرض اختزل هذه الشخصيات– ربما لأسباب رقابية- في ثلاث فقط، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى شخصية النبي موسى على سبيل المثال.

من المسرحية المصرية (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
العرض الذي استغرق ساعة واحدة (أعدته وأخرجته وشاركت بالتمثيل فيه أسماء إمام) اختزل كثيراً من أحداث النص الأصلي، بل إنه اكتفى بالفصلين الأول والثاني فقط، ولم يتطرق إلى الفصل الثالث الذي يدور في منزل عائلة أنتروبوس بعد تحوله إلى أنقاض وجرى خلاله مناقشة مدى قدرة الإنسان على البقاء بعد تدميره المستمر لذاته، حيث تنتهي المسرحية الأصلية بكلمات تشير إلى أنه على الرغم مما نمر به من محن وكوارث، فإن نهاية العالم لم تحن بعد، أو حسب قول أنتروبوس “كل ما أطلبه هو فرصة لبناء عالم جديد، والله دائماً ما أعطانا ذلك”.

اختزال النص

تتوقف المسرحية عند مشهد الطوفان وركوب السفينة وحدوث صراع بين الابن، الممثل للشر، والأب، الممثل للخير والساعي إلى إفادة البشرية بعلمه، وكأنه الأمل المشوب بالحذر. أو كأنه الصراع الذي سيستمر أبداً، يخرج الإنسان من أزمة ليواجه أخرى، لكن العالم على الرغم من ذلك مستمر ولن ينتهي. أو كأن كل المعطيات تنذر بنهايته، لكنه ينجو في الوقت الحاسم، وإن بشق النفس، وبفضل الطيبين والمنتجين فيه، وقبلهم بفضل تدخل العناية الإلهية.

الاختزال هنا يوضح رؤية المخرجة المعدة، والتي تتماسّ مع مغزى النص ولا تخل بطبيعته أو بالمضمون الكلي الذي سعى ثورنتون وايلدر إلى إيصاله.

موضوع النص الأساسي هو الإنسان، أياً كان المكان أو الزمان الذي يعيش فيه، أياً كانت معتقداته أو أفكاره أو جنسيته، وكيف أن هذا الإنسان يخوض، منذ أن وجد على سطح الأرض، صراعاته من أجل البقاء، وكيف ينتصر دائماً حتى ولو بشق النفس، حتى ولو بأعجوبة.

ولأن الأزمنة والأمكنة متداخلة ومختلطة، والنقلات من هنا إلى هناك تحكمها الفوضى المنظمة، فقد جاء الديكور (صممه بيتر فتحي) معبراً عن ذلك، تعددت الموتيفات والقطع لتعكس ذلك التداخل والتنوع الذي يشمل ضمن ما شمل الحضارة المصرية القديمة، والحضارة الصينية، والحضارة الرومانية، والحياة الأميركية، وشملته الفوضى هو الآخر، حيث جاء من دون تنظيم أو عناية أو رغبة في أن تبدو الأشياء مرتبة ومتناسقة، وهو أمر كانت القصدية فيه واضحة .

وكذلك جاءت الملابس التي صممتها هناء النجدي، مزيجاً بين ما هو عصري وتاريخي، وكأننا بالفعل أمام الإنسان في كل زمان وأي مكان، وهو ما هدف إليه نص ثورنتون وايلدر.

كسر الإيهام

في بداية العرض نعرف أننا أمام مسرحية مُثلت، تقف إحدى الممثلات وتعلن عدم رضاها عن المسرحية التي ستشارك فيها، ويتأخر أحد الممثلين عن الحضور، وهكذا، كما يحدث أثناء العرض أن يُوقَف المشهد وتُبَدى بعض الملاحظات، كل ذلك كوسيلة لكسر الإيهام وتبرير عدم معقولية ما نشاهده.   
يتماسّ النص مع قصة الطوفان والنبي نوح، كما يستقي بعض عباراته من الكتاب المقدس، وهو في الوقت نفسه يلمح إلى قيمة العلم والفن والتعليم، باعتبار ذلك كله أدواتنا التي بإمكاننا استخدامها في صراعنا من أجل البقاء.

مال التمثيل في كثير من الأحيان إلى الكوميديا، ربما للتخفيف، ولو قليلاً، من طبيعة النص المركبة والغرائبية، وهو اختيار ذو حدين. وكان يمكن للعرض، إذا لم يحسن توظيف الكوميديا أو الحد منها عند اللزوم، أن ينزلق إلى تفريغ المضمون والاكتفاء برسم بسمة عابرة على وجوه المشاهدين لا تمكنهم من تلقي مغزى العرض وأسئلته أو فك شفراته، وهو ما فطنت إليه المخرجة، فكانت دفة العرض تعتدل في الاتجاه الصحيح، كلما انحرفت في اتجاه المجانية، خاصة أن أغلب ممثلي العرض كان واضحاً أن لديهم استعداداً فطرياً لتقديم الكوميديا، التي ترضي مشاهديهم من الشباب أكثر.

وبشكل عام فقد بدا واضحاً من أداء أغلب الممثلين تضافر الموهبة مع الدراسة، ومنهم أحمد عباس، وإبراهيم كمال، وعبدالله أشرف، وأسماء إمام، ورشا مجدي وبريهام محمد، وقمر السباعي ، وهاني سعيد، وأشرقت الشيخ، وورد شان.

” نجونا بأعجوبة” ربما ينطبق العنوان على فريق العرض ذاته الذي استطاع النجاة بالعرض في وقت ظن مشاهدوه أنه سيكتفي بالإضحاك من دون مغزى أو رسالة.

يسري حسان – مصر

(أنديبندنت عربية)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح