ناجي الحاي: أغلبية أعمالنا المسرحية القديمة لم توثق وتعرضت للضياع #الامارات

المسرح من أهمّ الفنون وأقدمها، وهو أبو الفنون، وبوصفه فناً مُلهماً وله جمهوره الخاص، لما له قدرة كبيرة على دمج مختلف العناصر الفنية وصهرها في بوتقة فنية واحدة، لأن المسرح يملك خصوصية ولغة فنيّة راقية وجميلة. ويعد الفنان والمخرج المسرحي ناجي الحاي، من أهم الأسماء التي فرضت حضورها على المستوى المحلي والعربي، حيث قام بالتأليف والإنتاج والإخراج لروائع المسرح الإماراتي وتميز من حيث تناوله القضايا والموضوعات وتحليلها وقولبتها في نصوص مسرحية لاقت إعجاباً ونجاحاً كبيراً.

وعندما استضفناه لنحاوره حول آلية تطويعه لنصوص مسرحيات ذات صبغة تراثية وطريقة إيصالها إلى الجيل الحالي من الشباب، وجدناه يحمل هموم المسرح على عاتقه ويشجيه الحنين إليه، وهو المشهور بمسرح غير المتوقع، حيث لا ستارة ولا خشبة مسرح.

وأثناء تجاذب أطراف الحوار استوقفتني جملة باللهجة المحلية، نطقها بحرقه تعليقاً على ما يردده البعض عن المسرح «خلوا مال المسرح قاصين على أعمارهم» ليأخذ اللقاء في بدايته منحى مختلف.

دور المسرح

منذ فترة طويلة والفنان الإماراتي يعمل بما هو متوفر، وهناك توجه رسمي للاستعداد ضمن خطة الخمسين عاماً، فهل سيكون للمسرح دور في هذا التوجه أم أنه سيغيب؟

بصراحة، الوضع الحالي للمسرح المحلي لا يدعو للتفاؤل، رغم الدعم الكبير المقدم للمسرحيين على كافة الأصعدة، خاصة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ورعايته لمهرجان أيام الشارقة المسرحية، إذ لم يتم استثمار هذه الفرصة الكبيرة بالشكل المطلوب من قبل المسرحيين أنفسهم في تقديم مسرح محلي مبدع وفني، فالمسرح هذا الفن المرادف للحرية أدخله مسرحيو الإمارات للأسف في نفق يدعى بالتغريب (هو مصطلح للفن الغريب أو الغرائبي البعيد عن الواقع) وأقفلوا عليه ولم يعد يشاهده إلا أنفسهم، ولا أدري إلى متى ستستمر حالة الغيبوبة هذه؟ والمؤسف أن بعض المسرحيين وجدوا أنفسهم مُجبرين على السير في هذا الدرب رغم عدم اقتناعهم به، ولكن إذا أرادوا كسب الجمهور ذهبوا للمسرح الآخر.

ماذا تقصد بالمسرح الآخر؟

النهج الذي يخلق المسرح الرخيص ويفسد الذوق العام، فبدلاً من تثقيف وتنمية فكر المشاهد، دخلنا نفق مسرح التهريج الذي يغلب عليه الإسفاف والاستخفاف بعقلية الجمهور، فلو كانت الأعمال المقدمة تتميز بذوق إبداعي رفيع لن ينتشر مسرح التهريج، فالمسرح المبدع دائماً يلقى الدعم والتشجيع والإقبال من الجمهور. ولكنّ مسرحيي الإمارات آثروا أن يكون لهم وجهان مختلفان.

وماذا فعل ناجي الحاي لمواجهة هذا المسرح؟

تمت محاربتي بأشكال عدة مبتكرة، لذلك لستُ بصدد الدخول في صراعات عقيمة لا طائل من ورائها، وآثرت الابتعاد عن الأعمال الفنية المسرحية في الوقت الراهن، لعدم اقتناعي بهذا النهج مُطلقاً. فالأمر بالنسبة لي في المقام الأول مسألة ضمير وإنسانية. وكذلك احتراماً لتاريخي الفني في تقديم عمل مسرحي يُعنى بالرقي وتهذيب الذوق العام واحترام المشاهدين.

التوثيق والأرشفة

نادرة هي الأعمال المسرحية المحلية المسجلة أو المؤرشفة.. فلا يوجد لها توثيق كذلك، ولا تعرضها القنوات المحلية بتاتاً، وإذا وُجِدت فهي رديئة الصوت والصورة، فكيف ستعرف الأجيال القادمة بهذه الأعمال؟

أغلب المتوفر على القنوات الإعلامية المختلفة، خاصة القديمة منها، هي مسرحيات رديئة الصورة والصوت، وكان الدور المحوري للتلفزيون الحكومي ومهمته المعنية بنشر الثقافة في المجتمع والقيام بما يفترض منه في تسجيلها وحفظها.

ونحن كفرق شابة في ذلك الوقت بادرنا بالتأليف والإنتاج والإخراج للعديد من المسرحيات، عِشقاً وشغفاً بالعمل المسرحي، ولم يبادر التلفزيون الحكومي بتسجيله وأرشفته ولذا ضاعت كثير من الأعمال ولم توثق أو تسجل.

وبما يتعلق بآلية تطويعك لنصوص مسرحيات ذات صبغة تراثية، فما سبب اختياراتك لفترة زمنية تعود لمرحلة ما قبل النفط، كما يظهر ذلك في مسرحيتي «حبة رمل» و«ما كان لأحمد بنت سليمان» وغيرها من أعمالك المسرحية؟

بالفعل لديّ أعمال مسرحية كثيرة لمرحلة ما قبل النفط، وفي الوقت نفسه لديّ أعمال متنوعة، لفترات معاصره مثلاً «بنت عيسى» تتحدث عن فترة السبعينات، ومسرحية «أيام اللولو» تتحدث عن الوقت الراهن، ولا أرى في ذلك عيباً فبالنسبة لي أعتبر المسرح مجموعة تساؤلات مقلقة تشكل نسيجاً لحكاية تبنى نفسها من خلال شخوصها وبيئتها وفضائها، فالحكاية هي التي تختار بيئتها التي تود أن تعيش فيها، ولست أنا.

ولكن لأني متعلق منذ طفولتي بالحكايات الشعبية التي كانت ترويها لنا الجدات، وقلقي الدائم على ثقافتنا وما تواجه من تحديات كبيرة، أجدني أميل نحو الحكايات التراثية.

حول اختيار الكاتب لفترة زمنية مختلفة، هل هو إبداع أم هروب من مقصّ الرقابة؟

يختلف الأمر من كاتب إلى آخر، أما بالنسبة لي فأنا كما ذكرت سابقاً بأن الحكاية في كثير من الأحيان هي التي تختار فضاءها وتختار المكان والزمان الذي تستطيع أن تنمو وتترعرع فيه، وليس مجرد الاتكاء على التراث بشكل مجاني، فأحياناً نجد في الأزمنة السابقة مساحة واسعة لاستيعاب التساؤلات والأفكار أكثر من زمننا الحالي، فعلى سبيل المثال قضية التمييز ضد المرأة وتفضيل الذكر على الأنثى لا نراه حالياً ظاهراً، ولكنه موجود في داخلنا.

ولا أقصد هنا نحن العرب أو الشرقيون، ولكن الناس بشكل عام، وهذا ما لمسته عند عرض المسرحية في مهرجان أفنييون بفرنسا. لذلك وجدت في الزمن القديم مساحة للأب القاسي الذي جعل من أبنته الأخيرة مسخاً بادعائه أنها ولد ليثبت رجولته أمام الناس.

أما فيما يخص الرقابة فلا توجد لدي مشكلة معها، ولم يرفض لي نص أو عرض في حياتي لأني حريص على كل مفردة أكتبها وأية أفكار أطرحها، لاعتباري الجمهور هو أسرتي وأهلي أمي وأبي وإخواني وأخواتي وزوجتي وأبنائي وبناتي، فكيف لي أخدش ذوقهم أو أسلب مالهم في بضاعة رديئة.

موروثات شعبية

ماذا عن مشاهداتك حول ما يقدم من الأعمال (التراثية) التي تتناول حقبة زمنية سابقة؟

في اعتقادي إذا كان الأسلوب البنائيّ للعمل الدرامي من القصة والشخصيات والجو العام تراثي يصور العادات والتقاليد والموروثات الشعبية، فلا بد أن يكون العمل حالة متحركة من الإبداع. ولا بد من الاستعداد الجيد له والتأكد من كل جزئية في العمل الدرامي.

فالمشاهد ذكي وينتبه لكل زوايا المشهد، والمؤسف أن ما نشاهده من أعمال فنية تتناول فترات زمنية سابقة أغلبها تدخل في إطار النمطية من ناحية تناولها الأحداث والشخصيات، فعلى سبيل المثال شخصية (النوخذة) المكررة في الأعمال الفنية فهو المتسلط والظالم، وكذلك الأمر بالنسبة لغير هذه الشخصية من الرموز التراثية.

ومن جهة أخرى تابعت بعض الأعمال التلفزيونية في الفترة الأخيرة، والموضوع فيه استسهال كبير بالعمل الفني -المهم أن ننتج وننتهي- ففي مشهد لمسلسل عرض في رمضان الماضي حول ممثلة تقوم بدور لامرأة في الخمسين عاماً من عمرها، تقف على الشاطئ وهي تصرخ وبأعلى صوتها أمام أعين الناس جميعها تقول: «أحبك». وهذا لا يمكن حدوثه في زمننا الحالي فكيف في ذلك الزمن.

ويقول في مسرحية (خرزة الجن)، ذهبت إلى منطقة في الجبال تسمى (قرية وادي الفاي) عشت مع أهالي المنطقة لمدة شهر ونصف تعرفت على ثقافتهم وعاداتهم وملابسهم الخاصة، هم معزولون عن العالم في منطقة جبيلة ذات وديان وطبيعة خلابة. فعلت ذلك حتى يتسنى لي كتابة عمل فني فيه درجة من المصداقية والواقعية.

وماذا عن معضلة المسلسلات التراثية واللهجة المستخدمة في الأعمال الفنية والتي تكون أحياناً بعيدة كل البعد عن الواقع؟

من خلال تجربتي في تقديم مسرحية «باب البراحة»، وهي من تأليف مرعي الحليان استخدمت اللهجة المحلية القديمة والقصة عبارة عن شواب ومسنين وعجزة يتحدثون فيما بينهم بلغتهم الخاصة ولكن اللهجة صعبة في القبول والتقبل، لذا استخدمنا في المسرحية لهجة مبسطة يفهمها الجميع.

فعلى سبيل المثال لا يمكن في المسلسلات التراثية أن تقول إحدى الشخصيات (أوكي). ولا يمكننا أن ننكر إمكانية وقوع الخطأ في الأعمال الفنية -فنحن بشر- ولكن هناك أخطاء لا يمكن إغفالها.

أرضية مناسبة

الانفتاح الكبير الذي نعيشه اليوم.. كيف يمكننا المحافظة على موروثنا التراثي سواءً كان لغةً أو تقاليد وغيرها؟

في البدء لا بد من إعادة النظر في مفهومنا ورؤيتنا للتراث المحلي على أنه مشروع (متحفي). بل علينا أن نبحث في أعماقه ونفتش عن موروثاتنا الشعبية ونقدمها للشباب بتفاصيلها كأساس وأرضية يقف عليها ويستقي منها معرفته وتاريخه وثقافته، ومن ثَمّ نترك لهم المجال للتعرف عليها واستيعابها. وأعني بذلك ضرورة منح الفرصة للجيل الحالي للتعامل مع موروثاته كل بطريقته الخاصة، فنحن وفرنا الأرضية المناسبة، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية التعامل مع تلك الموروثات وتطويرها.

وأود أن أنوه هنا أنه ليس علينا أن ننظر للمسائل التراثية من زاوية معينة والتدقيق على إبرازها بصورتها السابقة، فعلى سبيل المثال تعليم السنع في السلوكيات الخاصة لتقديم القهوة العربية للضيف بتفاصيلها الدقيقة، فالمسألة ليست بالالتزام بقدر ما تكون بالاكتشاف.

فمعظم أبنائنا من جيل اليوم يفضلون شرب القهوة «الإسبريسو» على القهوة العربية. لذا علينا أن نعلمهم منذ الصغر بأن هذه عاداتنا وتقاليدنا وعليهم الإلمام بها وتقديرها وليس عليهم بالضرورة أن ينغمسوا فيها كُليةً أو يحاكوها عن ظهر قلب.

 المنصات الذكية

في رأيك، هل يمكننا الاستفادة من المنصات الرقمية للأفلام، التي تحظى بشعبية كبيرة بين الشباب، وجعلها منصة للتعريف بالمسرح الإماراتي لجيل الشباب؟

لا بد من اقتحام المنصات الذكية، ومن هنا يأتي دور الجهات الإعلامية المعنية في وضع خطط مستقبلية لدعم هذا التوجه. فهذه المنصات الآن -شئنا أم أبينا- يتابعها أبناؤنا بكل بشغف، وهي منصات تروج للدعوات المشبوهة والقيم التي تخالف عاداتنا وتقاليدنا ولا يمكننا التصدي لها ما لم نعمل على تقديم (البديل المناسب) شريطة أن يتقبله المتلقي الآخر.

فنحن نمتلك الإمكانيات والعقول المبدعة لفعل ذلك. وأود أن أذكر هنا مثالاً علينا أن توقف عنده، ففي فترة «كوفيد 19» برزت السياحة الداخلية واكتشفنا كنوزاً وأماكن كانت أمام أعيننا ولم نلتفت لها. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هنا هو: لما لا نكرّس جهودنا ونميط اللثام عن الكنوز التي نمتلكها بالفعل؟

وتعود بي الذاكرة إلى تجربة جميلة مع مسرحية «باب البراحة»، فأثناء عرضها في مهرجان طرطوشة بإسبانيا عام 2006 فاق حجم الاهتمام الإعلامي الكبير بالمسرحية تصوري، ففي المؤتمر الصحفي الذي عُقد بعد عرض المسرحية أدهشني اهتمام الصحافة الإسبانية واحتفاؤها بنا. فقد سيطر الشعور بالاستغراب من وصولنا لهذه الدرجة من التميز في الأداء المسرحي.

هذا النجاح لم يأت من فراغ، وقد كان التحدي الذي واجهته أن المسرحية لا بد وأن تُقدم باللهجة المحلية ولا يمكن تقديمها بلغة أخرى، ونجحت في ذلك التحدي، حيث عكفت على الترجمة في بادئ الأمر وقمت بتحويل اللغة العامية إلى الفصحى حتى يتسنى للمترجمين العرب فهمهما ومن ثم ترجمتها إلى اللغة الإسبانية، وشارك المترجمون في أداء البروفات وقدمت لهم دلالات المفردات حتى يتسنى لهم ترجمتها بالشكل الصحيح، وكان أداء أبطال المسرحية بالعامية مع تقديم الترجمة الفورية للجمهور في ذات الوقت. وكذلك مسرحية (ما كان لأحمد بنت سليمان) التي عُرضت في مهرجان أفينيون الدولي بفرنسا وتم تقديمها للجمهور باللهجة المحلية.

وقد كانت تلك المرة الأولى على مدار 48 عاماً من عمر المهرجان التي تُقدم فيها مسرحية بلغة أخرى غير الفرنسية. إن احترامنا لثقافتنا واعتزازنا بها والإعلاء من شأنها وتقديمها على النحو اللائق في مختلف المحاقل وعلى كافة الأصعدة، هو السبيل لاستمرارها وتوارثها من جيلٍ لجيل في ظل عالمٍ متغير سريع الإيقاع تندثر فيه الكثير من الثقافات وتتلاشى فيه هوية الكثير من الشعوب.

ناجي الحاي في سطور:

ممثل ومؤلف إماراتي من مواليد 6 ديسمبر 1963 حاصل علي بكالوريوس علم نفس 1985 جامعة الإمارات، شارك في الكثير من الأعمال المسرحية مثل «أغنياء ولكن» 1981- «الصراخ» 1982. «وحده ضد المدينة» 1985. «مقهى بوحمده» 1987. «أعراس» 1987. مسرحية (الرجال لهم رؤوس) تأليف: ممدوح عدوان، إخراج: يحيى الحاج – المسرح الحديث بالشارقة 1988. «المسيرة» 1993. «زكريا حبيبي» 1999. «ما كان لأحمد بنت سليمان» 2000. «سلام يا سلامة» 2003. «سفر العميان» 2005.

 

فاطمة سالم الشامس

https://www.albayan.ae/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح