(عين) مييرهولد..حياة في المسرح

«.. لقد جلبت الثورة وما تبعها من أحداث عاصفة في روسيا انتباه الرأي العام العالمي، في حين أخذ ازدياد التطلع إلى بلاد (السوفييت) يكشف المسرح أيضاً. وعلى وجه التحديد فإن إنجازات مييرهولد التجديدية أصبحت بعد الثورة معروفة للمسرحيين الغربيين وللمخرجين وللنقاد وللصحفيين ولغيرهم. ولهذا الأمر جانب سلبي في الوقت نفسه، حيث بقي مييرهولد يفهم في الغرب كرمز تجسيدي للمسرح السياسي التحريضي في المقام الأول..».
يقرأ، أحياناً، عن المسرح، أكثر مما يقرأ في المسرح، أي قراءة النصوص. أو أن قارئ المسرح أي قارئ النص المسرحي يعود إلى زمن مسرحيين عمالقة.. بريخت، شكسبير، توفيق الحكيم.. على سبيل المثال، ونجتهد ونقول يقرأ عن المسرح أكثر مما تقرأ نصوصه قبل العرض، وذلك لأن التنظير للمسرح والتأصيل له والوعي به جمالياً وثقافياً وتاريخياً هو في حد ذاته (عمل إبداعي).
على ضفاف هذا الكلام نزيد للقارئ فكرة أخرى لعلها معروفة لديه، وهي أن قراءة النص تختلف عن قراءة العرض.. النص المسرحي (الحكيم مثالاً) هو أدب، فيما العرض يتألف من خشبة وستارة وإخراج وممثلين وموسيقى وإضاءة وسينوغرافيا، وهذه كلها من صنيع المخرج، وليست من صنيع المؤلف.
المسرح، أيضاً، هو الجسد، وحركته، وإيقاعه، والمسرح بكلمة ثانية هو طاقة جسد الممثل، وعبقرية هذا الجسد.
أذهب بك مباشرة إلى كتاب «فيزياء الجسد» للمسرحي العراقي د. فاضل الجاف، ويقوم بأكمله على تراث المسرحي «فسيفولود مييرهولد».. فمن هو هذا المسرحي صاحب مسرح الحركة والإيقاع.. يعرف د. الجاف بـ «مييرهولد»: «ولد في 28 من شهر يناير عام 1874 من أبوين ألمانيين في مدينة ببينزا، وهي مدينة صغيرة تقع على مساحة 450 ميلاً جنوب شرق موسكو، وكانت ببينزا قد أصبحت ملاذاً ومنفى للمثقفين الثوريين واليساريين الساخطين على الحكم القيصري..».
يدلنا الجاف على ملامح مهمة في شخصية ومسرح «مييرهولد»، فالموسيقى عنصر مهم في أعماله نظراً لتأثير أمه فيه التي كانت تتمتع بموهبة موسيقية، ويقول: «في عام 1895 تخلى مييرهولد الشاب عن الديانة اليهودية التي كانت العائلة تعتنقها، لكي يتبنى الأرثوذكسية، مغيراً اسمه إلى فسيفولود اميليفيتش. هذه الخطـــوة أكـــدت انتمــاءه إلى روســــيا».
حياة «مييرهولد» هي، بكلمة واحدة المسرح ثم المسرح، وقد تتبع د. الجاف أدق التفاصيل في حياته، وأساليبه وخبرته المسرحية، ولعل من أهم هذه الأساليب ما يعرف في المصطلحات المسرحية (البيوميكانيك) يدرس د. الجاف منهج «البيوميكانيك» استناداً إلى تجارب «مييرهولد»، ويقول: «بنى مييرهولد منهجه لتدريب الممثل، والذي أطلق عليه اسم البيوميكانيك، باستخدام كل خبرته المسرحية الواسعة في انتقاء وابتكار تمارين خاصة على أساس تعدد المصادر الأكثر ديناميكية وهي: السيرك، الميوزيك هول، البوكس (الملاكمة)، الجمناستك، تدريبات الجيش، المسرح الصيني، ومسرح الكابوكي الياباني..».
يركز د. الجاف على منهج «البيوميكانيك» وأستطيع القول إن هذا الكتاب المهم هو مرجع فيما يتعلق بتدريب الممثل وإن جازت العبارة اكتشاف (فيزياء جسده). لذا ركزت البروفيسورة المسرحية «غالينا تيتوفا» في مقدمتها المهمة للكتاب على منهج «البيوميكانيك» وتقول: «لم يتم تلقي البيوميكانيك تقديمها على أنها طريقة مييرهولد بقدر ما استقبلت على أنها تمارين بدنية..».
سيلاحظ القارئ العزيز تركيزنا في هذه القراءة على منهج «مييرهولد» البدني – إن جازت العبارة – أو منهجه الذي يحول فيزياء جسد الممثل إلى مسرح الحركة والإيقاع وهو مسرح «مييرهولد» كما يؤكد د. الجاف الذي يقدم لنا مادة مسرحية ثقافية نظرية وتطبيقية في منتهى الأهمية، خصوصاً للوسط المسرحي الإماراتي الذي انتقلت الكثير من عناصره إلى البحث عن مصادر الثقافة المسرحية، والبحث أكثر عن ورشات التدريب التي أخذت تظهر بكثرة في الساحة المسرحية الإماراتية، وفي الكتاب ذاته يورد د. الجاف عدداً من ورشات «مييرهولد».

الكتاب: فيزياء الجسد (مييرهولد.. ومسرح الحركة والإيقاع).
المؤلف: د. فاضل الجاف
الناشر: دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة (2006).

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.