مونودراما «عزيزتي ألفت» عن مجتمع ذكوري قمعي ورجال منفصمين بين النظرية والتطبيق

 

 

 «عزيزتي ألفت» أول عرض مسرحي على خشبة مسرح المدينة تمّ بقرار شجاع من سيدة المسرح نضال الأشقر. فالمعنيون بجائحة كورونا لم يفرجوا بعد عن مفاتيح المسارح ودور السينما. في 9و10 و11 نيسان/ابريل الحالي جرت العروض وفق شروط صحية عالية الجودة، ونجاح كبير للمسرحية، ما أكد حاجة جمهور المسرح للتفاعل مع أرقى الفنون.

«عزيزتي ألفت» عرض مونودرامي للممثلة والكاتبة ألفت خطار التي جذبها التمثيل منذ الصغر، إنما «اللاءآت» كانت تحكم حياتها كفتاة تنتمي إلى عائلة شرقية، فغيّرت وجهتها. كبُرت وواجهت «اللاءآت» بلحمها الحي. داهمها غرام من غير ملّتها، وتلبّسها حين اختلط بالشعارات الثورية التي تنادي بحقوق البشر، وبالنظام العلماني والزواج المدني والمساواة ووووو. قررت الزواج بمن تحب ووقعت الكارثة. في قبرص كانت وحيدة مع حلم حياتها، فربطهما عقد زواج مدني.
جرت رياح الغرام بخلاف شعارات النضال، وبخاصة المساواة. تعقّدت الحياة الزوجية بعد ولادة طفل. حلّ الطلاق. من كان علمانياً شرساً في سنوات مضت، إستلّ اخراج قيده في المحكمة الشرعية، وكانت له حضانة طفلة في عمر السنتين. أما الزواج المدني وفق المعايير اللبنانية فبات مناسباً لأن يُشرب ماؤه بعد «بلِّه». لا حقوق بمنزل بنته قشة قشة «بدك تنسي تَعَبِك» ولا احترام لعشرة وإنسانية. لدى الطرف الثاني خياران إما «جارية أو ش…». من ناضلت معه لإحقاق حقوق النساء، جافى التطبيق، ونجح في تظهير صورة كاذبة للأم بعيني ابنها.
بعد زمن طويل حققت ألفت خطار حلمها بالتمثيل في «مسرح شغل بيت». رويداً رويداً ظهرت موهبتها، ومثلت في أكثر من عرض مسرحي. كتبت حياتها في نص «عزيزتي ألفت» وأمثالها كثيرات، أمهات مع وقف التنفيذ. في المحاكم الدينية، الغلبة للرجال-الآباء. في «عزيزتي ألفت» نقرأ كل النساء والأمهات المحرومات من أمومة طالما كانت حلماً لهنّ. ونقرأ كم يترك مجتمعنا النساء جاهلات لحياتهن وأجسادهن، ومقموعات فيدفعن الثمن من لحمهن الحي. سواء في الأمومة، أو في الحياة العاطفية.
ألفت خطار كتبت ومثلت وتحدثت بلسان الغالبية العظمى من النساء ضحايا المجتمع الذكوري، وضحايا الذكور المنفصمين بين النظرية والتطبيق. ينادون بالحرية ويعملون ضدها. ينادون بالتقدم والحضارة بعيداً عن عتبات أبوابهم. فضائلهم نظرية، وفي التطبيق يختارون المناسب لمصالحهم، ويدفنون الشعارات والمبادئ.
ألفت خطار مثّلت بصدق وبعيداً عن التعقيد والتركيب، وعبر نص متماسك ومدروس التعابير. ونجح المخرج شادي الهبر بوضع سرديتها على المسرح. هي التي صرخت منادية «آآآآآآدم» بكت، وختمت جرحها. وقف الحضور مصفقاً لشجاعتها في تحويل الشخصي إلى عام وعبر فن المسرح الجميل.
مع ألفت خطّار هذا الحوار:
○ كم ألحّ العرض المسرحي عليك قبل أن يصبح حقيقة؟
• كثيراً. عاش لسنوات بداخلي. فكرت طويلاً أن أوان الكلام حلّ. المجهول كان في كيف ومتى، وفي الوقت المناسب تتظهر الأمور. وهذا ما حدث إثر سنوات.
○ هل تنفست الصعداء حين شاركت الآخرين بدفتر ذكرياتك؟
• بل تنفست عميقاً حين تمكنت من الكتابة. تصالحت مع نفسي حين بدأت التعبير. وتضاعف منسوب الراحة النفسية بعد تفاعل الجمهور مع «عزيزتي ألفت». والأهم أن كل من المشاهدين رأى نفسه في مشهد من العرض، الذي صار قصة الجميع. فلست بصدد قصتي الشخصية، والصحيح أني اقتبست حياتي في نص مسرحي، مثلت الشخصية الموجودة على المسرح وإسمها «عزيزتي ألفت». كافة الفتيات والنساء رأين ذاتهن في أكثر من مشهد.
○ هل أنت بصدد محاكمة نظام اجتماعي ذكوري وقمعي حتى وإن كانت أداة تنفيذه المباشرة الأم ولاءاتها الأبدية؟
• لا أدري إن كان تعبير محاكمة مطابق لما قمت به. نحن حيال ثقافة مجتمعية عمرها آلاف السنوات، ليس صحيحاً محاكمتها، بل يجب تغييرها. إنها تتغير، وتحتاج للكثير من التراكمات كي تُنجز، خاصة وأن النظام المساعد على التغيير غير متوافر في بلدنا. التغيير الممكن فردي. أي أن يطرأ تطور على عقل كل منا، وخاصة النساء. للأسف شريحة واسعة من النساء هنّ رهينة الأفكار الذكورية. التغيير ليس وعظاً ولا شعارات بل هو قناعة بأن الواقع يفترض ذلك. أن يتخلّى المجتمع عن الكثير من الأخطاء، يعني أن يتصرّف كل منا وفق المنطق الذي يؤمن به لا أن يرفعه كشعار، مهما كان المجتمع قاسياً في حكمه. ففي الحياة يدفع بعضنا ضرائب لا يؤمن بها، رجالاً أو نساء. فالرجل كذلك ضحية المجتمع، لكنه يتمتع بتسهيلات تجعله مرتاحاً أكثر من المرأة رغم الكثير من الأعباء التي يحملها. في المقابل ليس للمرأة ما يسهّل حياتها، وإن هي قررت تحقيق طموحها ستناضل حتى آخر نفس. إذاً ليست محاكمة بل تغيير يبدأ من الذات.
○ »شكلو كان حافظ مش فاهم» جملة بسيطة وصفت حال بعض الذكور ذوي الأفكار اليسارية والتطبيق المناقض. ما العمل إذاً حيال هذا الإنفصام؟
• ما العمل؟ عندما نواجه هذا الانفصام في حياتنا سواء من شخص نرتبط معه عاطفياً أو مع أصدقاء أو آخرين في المجتمع، من الضروري عدم تجاهله ومتابعة الطريق. نحن حيال شخص أو أشخاص نعرفهم بهوية محددة واضحة، فإن فاجأتنا هوية أخرى تحمل رواسب وتراكمات ثقافية لا نوافق عليها، فالحل برفضها. الثمن غالي، شخصياً أخذت القرار، دفعت وما أزال أدفع غالياً. الحياة لا تستوي بالكذب على الذات، بل بصورة واضحة تتناسب مع أفكارنا وطموحنا. من يرغب الإلتزام بالموروث الديني له حريته وراحته، إنما لا يحق له ارغام من يعيش معه حيناً مع حياة منفتحة، وآخر يُقفل الأبواب والحدود.
○ في «عزيزتي ألفت» هل انتقم الرجل لذكوريته المنقوصة؟
• لا أعتقد. في رأيي الرجل الذي يدخل في نفق الإنتقام لذكوريته سيعلق. من يدخل في هذا النفق يُعلن لنفسه وللآخرين أن ذكوريته أهينت وأنه ينوي الإنتقام، ولن يصل إلى مكان. كتبت هذا النص من وحي حياتي واستناداً إلى معايشات اجتماعية. فمهما كان للمرأة مساحة من الحرية إلا أن الرجل يتعامل معها على أنها جارية، وإن هي قررت الرحيل بعيداً عنه فهو ينظر إليها بمقياس المجتمع الذكوري ككل «شر…».
○ عشت الأمومة المسلوخة نتيجة قرار المحكمة الشرعية الجعفرية بمنح الحضانة للأب في عمر السنتين. كم شكل هذا حافزاً لكتابة وتمثيل الواقع؟
• شكل ابني حافزاً كبيراً في كتابتي لهذا النص. نحن في مكان يرفض فيه التحدث معي وسماعي. كتابتي لهذا النص أطلقها احساسي بأن البشر لا يعرفون متى يغادرون الدنيا، كتبت وكأني بصدد وصيتي. فإن كنت عاجزة عن التواصل معه وتقديم سرديتي الخاصة، فلا بدّ من نص مكتوب يقرأه مستقبلا. حرماني من مشاهدة ابني شكل الهاجس والدافع الأهم. لا أشاهده نعم، لكنه موجود في الدنيا ويشكل حافزاً قوياً لاستمراري. لست مستسلمة، والبكاء لن يحررني، وإن رحت صوب الانهيار فلن أساعد نفسي ولا ابني. وابني سبب أساسي في القوة التي أتمتع بها.
○ هل مرّ قرار التمثيل ومن ثم الكتابة بمخاض طويل؟
• قد يتمثل المخاض في كافة تلك السنوات التي اشتغلت فيها على ذاتي، وتحديداً لدى انتسابي إلى مسرح شغل بيت. تدرجت الأمور بدءاً من سنة 2018 بالعمل على الذات. يشكل المسرح نوعاً من العلاج، وهو الأفضل بالنسبة لي. منذ صغري رغبت بالتمثيل ورفض أهلي الفكرة بالمطلق. كبرت وأنا أشاهد مسرحيات على شاشة التلفزيون، وكنت أقف لتحية الجمهور الذي سمعته يصفق لي. كبرت ورحت إلى اختصاص آخر، وبقي الإحساس يلازمني بأن شخصيتي لن تكتمل إن لم أقف على خشبة المسرح ولو لمرة واحدة في حياتي. منذ بدأت التمارين في مسرح شغل بيت، شعرت وكأني بدأت التعرُّف على ذاتي بالتدريج إلى أن وصلنا إلى مسرحية «حياتي ثورة» التي جمعت طلاّب مستوى الصف الثاني. في هذا العرض طلب المخرج شادي الهبر من كل منا تقديم مشهد يتحدث عنه للمرة الأولى. كتبت مشهداً عن ابني وكانت المرة الأولى التي أتحدث فيها عن الموضوع. أعجب شادي الهبر بالمشهد وشجعني بالعودة إلى الحكاية من بدايتها. كتبت، وقرأت النص للمخرج فأحبه، وحمله بخياله، ومن ثمّ تمكن من وضعه على خشبة المسرح.
○ هل مررت بحسابات عائلية أو اجتماعية قبل وصول النص إلى المسرح؟
• أبداً. حياتي شكلت مواجهة مع المحيط. الزواج من طائفة مغايرة، ثمّ الطلاق، ومن ثم تحقيق ذاتي من خلال خشبة المسرح. الحياة ليست سهلة لمن يقرر اقتحامها، ولم تكن سهلة بالنسبة لي. غادرت المكان الذي يفرض أخذ المباركة والرضا، ليس رفضاً بل أقدر رضا الأهل، إنما لإختلاف الأزمان بيننا. إما نكون نحن، أو نكون منفصمين.
○ وهل وجدت التشجيع؟
• في «عزيزتي ألفت» وجدت التشجيع من المخرج شادي الهبر نظراً لاهتمامه بالموضوعات المتعلقة بالنساء، شكل بالنسبة لي دعماً كبيراً ولا يزال.
○ كيف قرأت في ردود الأفعال بعد العرض؟
• قبل العروض وبعدها كانت ردود الأفعال إيجابية جداً ومشجعة.

بيروت-»القدس العربي»:

Home

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح