مهرجان المسرح العربي في دورته الثانية عشر (12) بالأردن رسالة سلام وإنسانية طوبى للمسرح الذي يجمعنا على حبه -بـقـلـم : عـبـاسـيـة مـدونــي – الــجـزائــر

  تحت رعاية صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله ابن الحسين، رفع الستار عن فعاليات  مهرجان المسرح العربي الذي تنظمه وتشرف عليه الهيئة العربية للمسرح، لتأتي الدورة الثانية عشر (12) بالتعاون مع نقابة الفنانين الأردنيين و وزارة الثقافة التي دعمت وسهّلت شتى السبل بغية إنجاح هته الدورة والتي تحمل شعار ” المسرح معمل الأسئلة ومشغل التجديد ” .

ونظير أهمية المسرح في بناء الصرح الحضاري والفكري والإبداعي ، فقد ارتدت الأردن عشية العاشر من شهر يناير 2020 حلّة عربية بتقاسيم فنية راقية ، لتشكّل فسيفساء لبعد مسرحي هادف وتفاعلي خدمة لأبي الفنون شكلا ومضمونا .

فمهرجان المسرح العربي جسر للتلاقي وتلاقح الأفكار ، جسر إبداعي وتكويني ضمّ تحت جناحيه الوطن العربي بكل مبدعيه وفنانيه المسرحيين من شتى الدول العربية ، إذ أنه اشتغال دائم وعلى مدار السنة من خلال محطات شاهقة وفارقة من خلال  المسابقات الإبداعية والعلمية والمنافسة بين الأعمال المسرحية ، ليتوّج كل سنة بلقاء عربي مسرحي  في صيغة  مسابقة لنيل جائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عمل عربي مسرحي لسنة 2019 ،كثير من  العروض المسرحية ذات الرؤى الواعدة والهادفة  ، بالموازاة مع  الورشات التكوينية والندوات العلمية والفكرية، ومسابقات التأليف للكبار والصغار للشباب حتى 35 سنة ومسابقة البحث العلمي المسرحي للشباب دون 35 سنة .

      مهرجان المسرح العربي في دورته الثانية عشر (12) احتضن مراسيم افتتاح فعالياته الرسمية مسرح قصر الثقافة بمدينة الحسين للشباب ، والذي نشّط مراسيم افتتاحه كل من الثنائي الفنانة ” أمل الدباس” والفنان ” محمد واصف”  بعد استنطاق ذاكرة الفن الأردني وترحيب شاهق بالدول العربية الشقيقة التي اجتمعت تحت راية الفن الرابع .

 الثنائي الذي تألّق حضورا ولغة وشاعرية ، ولوّن الخارطة العربية   من مشرقها إلى مغربها  حتى خليجها ، ناثرين المحبّة وعبق الوصل ، ملامسين شغف الوجدان وحب الحياة وعشق الفن الرابع  بنوتة مسرحية .

حفل الافتتاح الرسمي شهد ضمن محطّاته ، كلمة الفنان ” حسين الخطيب ” نقيب الفنانين الأردنيين والتي جاءت على الشكل التالي :

 ” من هنا ..من الأردن، من أعالي قمم جبال عمان، من نقابة الفنانين الأردنيين  و باسم كل المسرحيين والفنانين ، نحيي الأشقاء المسرحيين العرب من محيا المملكة الأردنية الهاشمية ، نرحب ونحن نتفيأ بالرعاية الملكية السامية لجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم لإيقاد شعلة مهرجان المسرح العربي في الأردن وبدورته الثانية عشر بعد أن نظمت الدورة الرابعة عام 2012  في عمان، بالتعاون مع نقابة الفنانين و بمبادرة كريمة و دعم ورعاية من سمو حاكم الشارقة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي أسس الهيئة العربية للمسرح التي تعددت مشاريعها بما فيها مهرجان المسرح العربي وعلى كافة الأصعدة، في الشأن المسرحي مما أسهم بشكل فاعل في تنشيط الحراك المسرحي العربي.

  من هنا فإن نقابة الفنانين الأردنيين وعبر المسرحيين الأردنيين لم تألُ جهداً بالتعاون والمشاركة منذ تأسيس الهيئة العربية للمسرح مُعظمة هذه المبادرة الكريمة وسواها وسعي النقابة لإقامة هذا المهرجان في الأردن ، بالتعاون مع وزارة الثقافة الأردنية ، لهو حرص أكيد على استمرار التعاون من أجل  حركة مسرحية محلية و عربية فاعلة.

   من هنا ، كان ولا زال الإيمان اكبر بالدور الحقيقي للمسرح ومبدعيه من الفنان الأردني وأشقائه الفنانين العرب ،متسلحين بتاريخ الأوائل وتطلعات الشباب وأفكارهم ، إذ نمضي  اليوم بهذه الدورة ونحن نتكاتف مع كل المبدعين المسرحيين، نتوهج وإياهم بمشاعل النور ، ونضيء العتمة، بقناديل ما نفق زيتها .. قناديل تبدد الظلام وتسمو بالحرية ، وبقامات وهامات تطال السماء ، سماء الأردن المزين بسحبه وغيوم الخير وحبات المطر وهي تعانق أهداب كل المسرحيين المبدعين.

  أهلاً وسهلا بكم ومعكم نغزل سويا من خيوط الشمس، متدثرين بالمعرفة والسمو والإبداع الذي لا يقارن ، أهلا بالهيئة العربية للمسرح وكل الأشقاء العرب المبدعين في وطنكم الثاني في المملكة الأردنية الهاشمية.

ودمتم أهلا للمسرح

  لتليها كلمة الأستاذ والكاتب ” إسماعيل عبد الله ” الأمين العام للهيئة العربية للمسرح والتي جاءت محمّلة بالكثير من الأهداف والمواقف الثابتة خدمة للمسرح وللمسرحيين العرب ، مؤكّدا في سياق كلمته على مبادرة هامّة تتمثل في بعث وتأسيس أول هيئة خاصة بالفنانين لحمايتهم إجتماعيا .، وقد جاء في فحوى كلمته الآتي :

طوبى للمسرح الذي يجمعنا على حبه

  و تأبى عمّان إلا أن تتوج الدستة الأولى من سنوات عمر مهرجان المسرح العربي باسمها، و أن تسكب عليه من جميل عطرها، و أن تنسجه شال حرير لأحلام المسرحيين العرب، و أن تعلقه فناراً لمسيرة قادمة، و أن تفرش عباءات المودة و الكرم لوفادة نخبة المبدعين اليوم في جنبات قلبها.

ونحن في الهيئة العربية للمسرح نؤمن و نزداد يقيناً بهذا الحلم الذي انبثق من ثاقب فكر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ببناء بيت للمسرحيين العرب، يجمعهم و تلتقي فيه رؤاهم ليصنعوا غد المسرح العربي الجديد و المتجدد، و بأن ضمانة هذا الحلم الذي بات حقيقة هو أنتم، ايها المسرحيون الذين تدرأون عن خيالنا الظلام، و عن عقولنا الظلمة، و عن مشهدنا العربي القتامة و التوهان اللذان يلفان جوانب عديدة من حياة شعوب المنطقة و العالم.

فالمسرحي و لا أحد غيره، يبدأ بالتحليق و إنارة المشهد حين تكتمل العتمة، و هو الذي يطفئ نار الحرب بنار المتعة و الدهشة و المعرفة، و هو الذي يفك قيد الحلم، و يطلق حرية الرأي، و هو الذي يدحر الخراب بالجمال.

نجتمع اليوم في العاصمة الأردنية عمان، مكللين برعاية ملكية سامية من لدن صاحب الجلالة الملك عبد الله ابن الحسين،  في رسالة واضحة و جلية مفادها الإيمان  بالمسرح عاملاً مهماَ من عوامل نهضة الأمة و أنه قمينٌ بتوجيه الرعاية السامية له؛ نجتمع لنعلن من جديد عهدنا و وعدنا و لنقدم إبداعاتنا و سيسجل التاريخ هذا لنا.

في الدورة 12 تأتي 15 من العروض المسرحية العربية  حاملة رسائلها و وسائلها، تتنافس على تقديم الأجمل و الأنبل، كما تأتي القامات المسرحية العربية، تلك القامات التي أثرت البعدين الجمالي و المعرفي في المشهد المسرحي العربي و العالمي لترفع في فضاء المهرجان رايات معرفتها و تجاربها،  و تأتي الفرق الاردنية المسرحية معلنة بياناتها الجمالية و الفكرية، و طارحة ثمار تجاربها لتكون موضع المساءلة العلمية و العملية،  مسرحيون من مختلف الأجيال و المشارب و الاتجاهات، نذهب كلنا في مسار السؤال، و نبذر في الأروقة إجابات و نؤسس لاسئلة جديدة.

في الدورة 12 نقف أمام لحظات الوفاء و التكريم لعشرة من الفنانين الأردنيين، و نطالع في رسالة اليوم العربي للمسرح موقفاً جديداً لواحد من رواد المسرح في البحرين و منطقة الخليج، كما نقف أمام تسعة من الشباب العرب الذين انتزعوا الفوز في ثلاث مسابقات للبحث و التأليف، نأتلف حول المعرفة، و نعلي سارية المسرح.

إنها الحيوية الكامنة فيكم أنتم أيها المسرحيون أبناء الحياة، فطوبى لكم و طوبى للمسرح الذي يجمعنا على حبه.

  هذا ، وقد تمّ إلقاء رسالة اليوم العربي للمسرح من طرف الفنان البحريني ” خليفة العريفي” والتي جاء في نصّها الآتي :

النص المسرحي بين الصوت والصورة

         ” أيها الأعزاء باسمي واسمكم أحيي صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للإمارات حاكم الشارقة الذي فتح لنا نافذة نطل منها على حديقة المسرح. هذا الرجل الذي آلى على نفسه أن يجمعنا في هذا اليوم “اليوم العربي للمسرح”

    أحييكم جميعا، وأتمنى أن نعيش معا روعة هذه الأيام وجمالها. 

     قبل مدة وكنا نتحاور في إحدى الندوات المرافقة لأيام الشارقة المسرحية، وكان الحوار حول تطوير المسرح العربي، عندما صرخ أحد الأصدقاء قائلاً: المسرح كلمة، وكررها ليؤكد رأيه.

 ومنذ فترة قرأت لأحد المخرجين العرب يقول: المسرح كلمة وحدث. وكأنه أضاف جديدا. هذا الموضوع جعلني أفكر كثيراً، فما دام هناك مسرحيون في هذه الأيام ما زالوا يؤمنون بأن المسرح كلمة، فلا بد من البحث.

  منذ سبعة آلاف عام عندما بدأ الإغريق يحولون ابتهالاتم إلى المسرح مع أسخيلوس، كان المسرح كلمة، وحتى عندما أضافوا الممثل الثاني، ظل المسرح كلمة. كانت هناك حركة بسيطة ليس لها أي تأثير على الكلمة. أي أن هذه الحركة لم تكن تضيف معنى إلى الكلمة أو توضحها. بل يمكننا التأكيد على أن الحوار، الشعر، كان هو النص المسرحي بامتياز. الصورة ثابتة لا تتحرك، المكان هو الصورة، والمكان ثابت لا يتحرك. حتى تغيير المناظر المسرحية،إن كانت، فهي عبارة عن صور ثابتة تعبر عن المكان فقط لا غير. ظل هذا الحال، حال الممثل الناطق الذي يتحرك حسب ما يتطلبه الحوار لا ما تتطلبه الصورة. ظل حتى عصور الرومان. كلمة يرددها الممثل والكورس. فهل سنبقى في الأمس؟؟

       في العصور الوسطى ظل الوضع على ما هو عليه، حتى حرّمت الكنيسة المسرح تحريما كليا مثلما حرمت الكثير من ميراث العصور الاغريقية والرومانية. وعندما سمحت به داخل الكنيسة، ليكون مُعبرا عن التعاليم الكنسية، كان مجرد كلام، صوت، مجرد صوت. وعندما خرج إلى ساحة الكنيسة، أضيفت له الحركة نظرا لاتساع المكان الثابت، لا غير، فظل الحال كما هو عليه، صوت وحركة. ذلك أن النصوص كانت تكتب كلاما، حوارا مأخوذا من الإنجيل ليجري بين الشخوص، لترسيخ الوعي الديني لا غير. بمعنى أن النص كان يكتب للصوت لا للصورة، طبعا لم يخضع المسرح خضوعا كليا لأوامر الكنيسة، بل إن مسرح الممثلين الجوالين، كان يعبر عن نفسه، بعيدا عن ديكتاتورية الكنيسة في ذلك الوقت. متخذا من الهزل مشاريع عروض فكاهية تستقطب المشاهدين، لكن حتى هذا النوع من المسرح كان مسرح الصوت والحركة. ظل المسرح يراوح بين الصوت والحركة حتى عصر النهضة، حيث نهضت كل العلوم، الآداب، والفنون. هل سنبقى في العصور الوسطى؟

     في القرن السادس عشر ظهر مسرح موسيقي قائم على الحركة والموسيقى والغناء، هو فن الباليه، هذا الفن نشأ في إيطاليا واستمر حتى الآن، وهو تعبير بالرقص والموسيقى عن معاني معينة، قائم على قصة أو حتى روايات لكتاب معروفين، ويمكننا أن نقول إنه مسرح قائم على الموسيقى والرقص الإيقاعي الجميل، ليعطي العرض موضوعا ومعنى. . لكن النصوص التي كان هذا الفن يعتمدها، لم تكن مكتوبة اعتمادا على الصورة، إنما يكون لمخرجي هذا النوع من الفن الحرية في تحويل نص شعري، أو روائي إلى رقصة جماعية قائمة على إيقاع موسيقي يحول الحركة إلى صورة. أي أنه من خلال الموسيقى والرقص، نصل إلى معنى الحكاية. ولهذا ظل المسرح التقليدي، مسرح شكسبير وكورني وراسين، ومن بعدهم أبسن وموليير وغيرهم من كتاب المسرح في العالم، ظل هؤلاء الكتاب، يكتبون نصوصا للحركة والحوار. وهي نصوص صارت جزءاً أساسيا في تاريخ المسرح في العالم. فلو أخذنا مثلا مسرحية من مسرحيات “هنريك أبسن” “بيت الدمية” مثلا، لوجدنا أن الشخوص تدخل فضاء العرض لتقول حوارها ثم تخرج، ولوجدنا أننا دون هذا الحوار لا يمكن أن نفهم شيئا من العرض المسرحي. يجب أن تكون آذاننا مفتوحة طول الوقت حتى لا تفوتنا كلمة من الحوار، فيضيع منا جزء من معاني المسرحية. حتى لو أغمضنا عيوننا واستمعنا فقط بانتباه، فإننا سنعيش داخل العرض. ولقد ظل هذا الحال حتى جاء عصر المخرجين، حيث صار للمخرج ذي الرؤية الفنية والفلسفية دور بارز في تأليف العرض المسرحي. ظل المخرج يمسك بخيوط العمل المسرحي، كاختيار الممثلين، ترتيب المناظر المسرحية، وغيرها من العناصر التي تقوم على تقديم عرض متماسك الفقرات حتى نهاية المسرحية. ولكن لم يتغير شكل العرض القائم على الصوت والحركة، حتى جاء “ستانسلافسكي” ليعمل على إعداد الممثل باعتباره الركيزة الأساسية لأي عرض مسرحي. حتى صارت دروسه في تدريب الممثل مدرسة، سار عليها كثير من المخرجين، بل إن دروسه في تدريب الممثل صارت منهجا يدرس في معظم المعاهد المسرحية في العالم. ثم جاء بعده مخرج آخر هو “ماير خولد” الذي لم يكتف بمدرسة “ستانسلافسكي الصوتية في تدريب الممثل، بل أضاف إليها عنصرا هاما هو العمل على جسد الممثل كأداة من أدوات التعبير الفنية، إضافة إلى الحوار. هذه الإضافة غيرت كثيرا في بنية العرض المسرحي. صار التعبير بالجسد يغني أحيانا عن الحوار، وصار المتفرج يستمتع بالتعبير الجسدي. هذا التطوير في شغل الممثل أضاف رؤية جديدة للعروض المسرحية سار عليها المخرجون كحالة من حالات التطور في المسرح. ولكن مع هذا التطور ظلت الكلمة لها السيطرة الأكبر على مجمل العرض المسرحي. حتى جاء مخرج فذ آخر، خارجا من المدرسة السريالية في الفن والأدب، يدعى “أنتونين آرتو” مصطحبا معه “مسرح القسوة” ومن أهم ما أدخله “آرتو” على فن العرض المسرحي، هو امتزاج الصوت مع التعبير الجسدي للممثل. بل إن آرتو صار يؤلف نصوصا جديدة مع المؤلفين. صار شريكا لهم، صارت حوارات النصوص تختزل لصالح تعابير التمثيل، صار الممثل ركيزة أساسية، أطاحت بمركزية النص المسرحي. لم تعد نصوص شيكسبير مثلا نصوصا مقدسة، لم يعد جمال الشعر مؤثرا في المتفرج مثل التعبير الحركي للممثل. على درب آرتو سار كثير من المخرجين في العالم. يمكننا أن نقف قليلا عند “جروتوفسكي”. جروتوفسكي والمسرح الفقير، علامة مميزة وجديدة في المسرح الحديث، هذه العلامة هي العمل على تكوين الممثل داخل مختبر معد لصناعة ممثل قادر على تحقيق كم كبير من التجليات النفسية والاجتماعية، بحيث يتخلى الممثل عن ذاته وخصوصيته ليقدم الحالات الانسانية، يغوص في أعماقها حتى ينسى نفسه، بمعنى أننا لسنا في حاجة إلى جماليات المسرح، مثل الديكور، والاضاءة، وغيرها. إننا فقط نحتاج إلى الممثل ليقول بجسده وصوته كل شيء. ولهذا نحن لا نحتاج لمكان معين للعرض، أماكن العرض كثيرة، كالشارع، أو الحديقة، أو الميادين العامة.

     باختصار صار المسرح في العالم فرجة الصورة لا فرجة الحوار. طبعا ظل كتاب المسرح يكتبون نصوصهم للصوت والحركة ويأتي المخرجون التجريبيون، ويحولون تلك النصوص إلى صور معبرة، تنقل رؤية النص، كما تنقل رؤية المخرج. إذن مسرح الصورة هو مسرح المخرجين بامتياز. هذا يحدث في العالم، فما الذي يحدث في العالم العربي؟

هنا كتاب مسرحيون كبار، أمثال ” توفيق الحكيم، محمود دياب، عبدالرحمن الشرقاوي، ألفرد فرج، من مصر، الطيب العلج وعبدالكريم برشيد من المغرب، وقاسم محمد من العراق، وعز الدين المدني من تونس، عبدالعزيز السريع من الكويت، اسماعيل عبدالله من الامارات وغيرهم كثيرون جدا. لكنهم أيضا يكتبون للصوت والحركة، بل إن بعضهم يكتب للصوت فقط، الحوار هو المكون الرئيسي للشخصيات. فلو أخذنا مثلا مسرحية ” أرض لا تنبت الزهور” لمحمود دياب، سنجد أنها مسرحية رائعة من حيث المضمون وشاعرية الحوار، لكنها مكتوبة للحوار فقط تقريبا، فلو وقف الممثلون وقالوا حوارهم دون حركة فإننا سوف نفهم المسرحية تماما. لأن الحوار يعبر عن كل شيء. فكأنها نص كتب للقراءة. بل إنني أعرف مؤلفين يختلفون مع المخرج على كلمة يريد المخرج حذفها. إذن ظل حال النص العربي يكتب للصوت والحركة وحتى الآن. حتى جاء مخرج رائع، هو “الطيب الصديقي” جاء بعروضه المختلفة والمغايرة لكل أساليب العروض المسرحية العربية، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك، وحول بعض كتب التراث العربي إلى عروض مسرحية، مثل المقامات وغيرها. وتبعه كثير من المخرجين الشباب، المعنيين بالتجريب في المسرح. في هذه العجالة سنتوقف قليلا عند مخرج عربي اهتم كثيرا بمسرح الصورة، حتى صارت أعماله أنموذجا يحتذى لكل من لديه اهتمام بمسرح الصورة، هذا المخرج هو العربي العراقي الدكتور “صلاح القصب”. من أعمال صلاح القصب: العاصفة،  عزلة الكريستال، حفلة الماس، الخال فانيا، ماكبث، ريتشارد الثالث، وغيرها من المسرحيات التي اشتغل عليها برؤية جديدة تماماً، إنطلاقا من تحويل المشاهد الحوارية إلى صور ناطقة. يحاول أن يصنع انسجاما كبيرا بين الحركة والضوء والكتل، حتى تتألق جميع العناصر لتكون صورة معبرة، حيث يتمكن الممثلون من إظهار قدراتهم الداخلية والخارجية في انسجام تام مع بقية العناصر لتحقق عرضا للفرجة، عرضا يحقق للعين، العين، مطالبها في معرفة ما يجري في فضاء العرض.

      نحن اليوم في زمن الصورة بامتياز، السينما صورة، التليفزيون صورة، مواقع التواصل الاجتماعي صور، النصوص التي تنشر على مواقع التواصل بدون أي صورة، لا يلتفت إليها أحد، حتى الصحافة الورقية تبنت الصور مادة أساسية على صفحاتها. صارت الصورة هي المجسد الحقيقي للمعنى وحرية الخيال.

       المسرح العربي اليوم أيضا معني بالصورة. بل إنه يجب أن يعنى بالصورة، حتى يواكب تراكم التطورات في المسرح العالمي. وما دام المخرجون الذين يمتلكون الرؤية الفنية والفلسفية والجمالية، قادرين على تحويل قصيدة للمتنبي مثلا إلى صورة مسرحية جاذبة، فهذا يعني أن المسرح مسرح مخرجين، أكرر مسرح مخرجين، أين إذن الكاتب المسرحي الحديث؟ هل جدير بالمؤلفين أن يكتبوا نصوصا للصورة؟ برأيي نعم، هل هذه دعوة إلى تحويل النص المسرحي التقليدي إلى سيناريو مسرحي؟؟ أسوة بسيناريو الدراما التليفزيونية أو السينمائية. نعم إنها دعوة، دعوة للخروج من نمطية كتابة النص المسرحي التقليدي. الخروج من النمط، خطوة لتحرير الفكر المسرحي من قيد الثبات والجمود. فيا أيها المسرحيون العرب، إذا اردتم أن تطوروا المسرح العربي ليصير عالميا، فلا تقفوا عند الأمس، لا تقفوا عند اليوم، بل إذهبوا إلى ما بعد الغد. لتطوروا المسرح العربي إذهبوا إلى ما بعد الغد.

  بعد ذلك ، فسح المجال لتكريم ثلّة من الفنانين الأردنيين ، ذوي مسيرات فنية وإرث مسرحي ، وهم على التوالي :

الفنان ” حابس حسين”،   الفنان ” حاتم السيد” ،  مع تكريم الفنان ” خالد الطريفي” وهو ممثل ، مخرج ومؤلف مسرحي ،  الفنان ” عبد الكامل محمد الخلايلة ” ، كما تم تكريم الفنان ” عبد الكريم القواسمي” ، مع  تكريم  الفنانة الدكتورة ” مجد القصص”  ،الفنانة ” نادرة عمران ” من بين ثلة المكرمين ،  الفنان ” نبيل نجم ”  ، مع تكريم الفنان ” يوسف الجمل”  والفنان ” باسم دلقموني” .

كما تمّ استعراض لجنة التحكيم التي ستحكّم مسابقة عروض المسار الثاني الخاصة بالمسابقة الرسمية وهم السادة :

الفنان ”  خالد جلال “ من مصر رئيسا ، الدكتورة ” شذى سالم ” من العراق ، الأستاذة ” لينا خوري ” من لبنان ، الدكتور ” عادل الحربي” من السودان ، والأستاذ ” إيهاب زاهدة ” من فلسطين أعضاء .

  ليعرف حفل افتتاح فعاليات الدورة ( 12) من مهرجان المسرح العربي حفلا فنيا في شكل فسيفساء شعرية بلوحات راقصة تحت مسمى ” مغناه السنابل” للمخرج ” محمد الضمور” ، أشعار ” طارق شخاترة” ، ألحان ” د. ليندا حجازي” وتوزيع موسيقي لــ” يعرب سميرات” .

  ” مغناه السنابل” لوحة فنية عربية أثّثت ببعد دلالي ولفظي شاعري لخارطة العالم العربي ، مطلقة العنان للغة الجسد والأداء والروح ذات دلالات إنسانية سامية تتغنّى بالحب الإنساني والسلام لوطن نريده عربيا خاليا من كل الشوائب والضغائن ، وطن عربي نريد أن تحلّق به حمامة سلام كما حلّقت أرواح وأجساد الراقصين معلنة الانتصار للوحدة ، للأمل ، للحب ، للعطاء ولكل ما هو رائع ، وطن عربي يريده ونريده أن يظل باسقا وشامخا ، ونحن نتغنى موطني …

وعليه ، فإن مهرجان المسرح العربي في دورته الثانية عشر (12) بأرض الأردن ، سيعرف ضمن فعالياته العديد من البرامج والفقرات التي تتواصل يوميا في شكل ندوات فكرية وجلسات نقدية ، مع عروض المسارين الأول والثاني .

عن عباسية مدوني

error: حقوق النشر والطبع محفوظة