مهرجان المسرح العربي بالأردن في دورته 12 انطلاق فعاليات المؤتمر الفكري ومدّ جسور التلاقح الفكري مساءلات علمية وعملية لتجارب وقامات عربية السخرية والجروتيسك في تجربة الفنان خالد الطريفي وفرقة الفوانيس ذات صرح مسرحي واعد -بــقـلـم : عــبـاسـيـة مــدونــي – الــجـزائــر

تحقيقا للتواصل وتلاقح الأفكار ،  وضمن أهمّ المحطات الفارقة بمهرجان المسرح العربي في دورته  الثانية عشر (12) المنظم من لدنّ  الهيئة العربية للمسرح بأراضي  المملكة الهاشمية الأردنية ، وتحت رعاية صاحب الجلالة الهاشمية الملك ” عبد الله بن الحسين” ، وبالتعاون مع نقابة الفنانين الأردنيين ووزارة الثقافة ، أين تمّ بعث فعاليات المؤتمر الفكري في صيغة مساءلات علمية وعملية لتجارب وقامات عربية ، حيث يعدّ هذا المؤتمر همزة وصل وجسر تلاقح وإبداع  ، حيث يقف عند شعار الدورة ” المسرح معمل الأسئلة ومشغل التجديد“.

  افتتح الجلسة الفنان ” غنام غنام” حيث قرأ كلمة الهيئة العربية للمسرح  للدكتور” يوسف عيذابي” من السودان وهو مستشار الهيئة الذي غاب عن المهرجان لظروف ، أين جاء في كلمته بلسان الفنان ” غنام غنام” أضاءت المحطات الواسعة التي يعرفها المهرجان في دورته الثانية عشر بالأردن ، وكمّ المشاركات الخاصة بالعروض المسرحية وما تكتسيه من أهمية وكل ما يتعلّق من تجليات علمية وعملية خاصة بهذا الوافد الساحر العجيب الذي نسميه مسرحا ، الذي هو مرسح أو حفلة أو مسرح أو رواية، بهدف أن نتساءل ونسائل التجربة العربية التي هي في حدّ ذاتها تحمل الكثير من التساؤلات والاستفهامات :  لماذا تتعثر ولا تقود ؟ ، مضيفًا أن “الثقافة متروكة مهجورة، والمثقف هامش منذور للكساد، والمسرحي تابع لا بدّ أن ينهض ليستيقظ ويفيق من سبات الأنظمة ” ، ناهيك عن إثارته أهميّة  هذا المؤتمر الذي يعدّ معملا للأسئلة ، ويكون من خلاله التعويل على تيمة هامّة وهي  الحوار، لأن المسرح دوما وأبدا  لقاء حواري تشاركي شغوفٌ بالسؤال الذي يفضي إلى التأمل والتفكر بالقدر، الذي يجيب على ما يجب أن يُقضى في سبيل حياة مسرحية عربية جديدة متجددة.

من جانب آخر ، منسق المؤتمر الدكتور”محمد خير الرفاعي” تحدّث عن أهمّ الضوابط والأسس التي تم اعتمادها من أجل تفعيل الجانب العملي نقلا لأهمّ التجارب بالتنيسق والتعاون  مع الخبراء في تأسيس علاقة فكرية وما ينتح عن هذه المؤتمرات الفكرية، مؤكدا على أهمية التشاركية بين نقابة الفنانين الأردنيين ووزارة الثقافة والهيئة العربية للمسرح ، وما يتمّ تنسيقه وربطه ما بين المسرحيين العرب بهدف التأثيث لفعل مسرحي واعد وجمع القضايا المختلفة ، وقوفا عند غايات هذا المؤتمر الفكري ،  واشكالياته والمقاربات التي من الممكن أن تؤسس لعديد  الرؤى ومعالجة القضايا والظواهر الاجتماعية مع الاخذ بعين الاعتبار التطورات التي تفرض نفسها في ظل التغيرات الحاصلة .

   هذا ، وأكّد على أن هذا المؤتمر يؤسس  ويؤثث لمنجز مهم من شأنه أن يلمّ بالتجربة الابداعية لفرق مسرحية أردنية وتطلعاتها، كما يمنح لجموع المسرحيين فرصة الاطّلاع  على هذه التجارب التي تعدّ تجارب فنية فارقة لكل ميزتها وخصوصياتها .   

   وفي كلمة الدكتور”يوسف عيدابي” السودان دوما ، وقد قرأها نيابة عنه  الفنان       “غنام غنام “، أين جاء فيها متنها على الجهود المسرحية التي تبذلها في تحريك الحياة الثقافية، وأحقية أن يتطلعوا إلى صلات وثيقة بمجتمعاتهم العريضة لمشاهدة بعض النماذج من معاناة العربي، مضيفًا أن المسرح أنتج القاعات المغلقة لفئة محدودة، فالعالم العربي في غالبه لم يعرف المسرح إلا لقاءً حياً بين الناس.

  هذا وتحدّث عن العالم العربي الذي عرف المسرح الحي غير المدون المكتوب بلغة الناس، وفعلاً بين الناس وبواسطتهم مع الذين برعوا بالفطرة في الحكي والمسامرة، كما برعوا في المساجلات وفنون الإضحاك إمعاناً في التلذذ بصعاب العيش.

أولى الجلسات  للمؤتمر الفكري  حملت عنوان “السخرية والجروتيسك درس في تجربة المسرحي خالد الطريفي“، وقد أدار الجلسة الفنانة ” أمل الدباس” التي استعرضت مسيرته الفنية وتوجهاته في حقل فن السخرية والجروتيسك ، ليقدّم الفنان الطريفي في بيانه أن  السخرية  تعني الوضوح في مفهومها الشامل ، وأن الاسئلة الوجودية التي واكبت مسيرته الفنية إلى الآن لا يفهمها بحسب رأيه ولا يقف عند مصطلحاتها ، حيث ارتبطت الحياة الاجتماعية بالحياة المسرحية ولازمته هذه السخرية منذ الطفولة بشكل مأساوي وهو يستعرض ذكرياته منذ أيام الطفولة .

  وأردف أن أول سخرية عاشها كانت في الأول ابتدائي في مدرسة من مدارس وكالة الغوث في مدينة الزرقاء وهو على أطراف المخيم، حيث كان الأمر اعتيادي أن تأتي إلى المدرسة وأنت حليق الرأس، وكيف راح يسأل نفسه هذه التساؤلات عن السخرية فقادته جميعها إلى الطفولة والمسرح الأول الذي قاده إلى ملاعب الطين المدهشة وألعاب الحارة الدافئة .

 وقد تابع الطريفي: أنّـه طوال الأربعين عاماً  الماضية اجتهد فيما قدم من مسرح وأنّ  صوته يعلو قائلا : قف وفكر فيما قدمت من مسرحيات مختلفة الأشكال والألوان وقلت: أنت دخلت إلى المسرح بغرابة وعشت في المسرح لنفسي تنتهي حياتك المسرحية بغرابة، وتريد أن تكون مخرجاً مسرحياً أو فنانا معروفاً، وصاحب أمجاد وتاريخ وأسبقية  لذلك درست ما درس كل اقرانك في المسرح من خلال الكتب المترجمة وأنت بالكاد نجحت بالإنجليزية ،كما قدمت شكسبير وبريخت، وما إلى ذلك من نصوص محلية كتبها الفنان نادر عمران، وقدم لها الفنان عامر ماضي التلحين والتأليف الموسيقي والغنائي، وتساءل بعد كل هذه الأكاديمية : لماذا لا تكون نفسك في مسرحياتك ..مسرحيات من ألعاب وحكايات واحداث شعبك ….؟

   وبما أن في خضمّ السخرية مأساة ، فقد تطرق الى دور المخيم في حياته ودراسته في مدرسة وكالة الغوث التي قادته لاحقا للقاء شخصية “حسان” الذي عاش وكانت اهتماماته تنحصر في تربية القطط.

كما قال الطريفي إن المهرجانات تشكل فرصة للالتقاء مع المسرحيين، بحيث يمكن للإنسان أن يفسر ما يعرض، وما يكتب، وأن ما يحدث في شوارع العالم العربي وما يحدث يجري في الدنيا بشكل عام يفوق أنواع السخرية.

هذا ، وقد عُرض خلال الجلسة فيديو قصير تضمن مسرحيات الطريفي، ومنها: (اسرح وامرح، عرس الأعراس، كأسات الحب، وحلم واسمه ليلة حب)، وغيرها،  كما نفذ الفنان الطريفي بصحبة عدد من ضيوف المهرجان تمرينا جماعيا استحضر شخصية “حسان”.

وفي كل هذا ، أسلوب الفرجة دوما حاضر وشاخص ، فقد أكّدت الفنانة ” أمل الدباس ” أن الفنان الطريفي مبدع من طراز رفيع في أسلوب التناول المسرحي، واشتغاله على تطوير نصوص عالمية وإبداعه في تحويل هذه النصوص العالمية إلى نصوص محلية وإعطائها أسلوب الفرجة الأقرب إلى المتلقي ، كما تحدثت عن عمق الأعمال المسرحية التي يقدمها الفنان ” الطريفي” ، وأن بصمته كمخرج شاخصة ولها جمالياتها وخصوصياتها ، مع فسحه المجال للممثل في حقل اللعب الدرامي للتعبير عن أحاسيسه وانفعالاته ، الأمر الذي يحمله على النحت في شخصيته .

     وفي ختام الجلسة الأولى من المؤتمر الفكري ، فسح المجال للنقاش مع الفنان  ” خالد الطريفي”  حول الماضي الذي يعتبره البعض حالة مقدسة، بينما يتطلب التركيز على الموضوع  بهدف استشراف الحاضر ومناقشة الماضي كنوع من السخرية ، كما أفضت النقاشات إلى أنه بالإمكان تقديم رواية مأساوية بلغة جمالية ، فالفنان الطريفي كالكثيرين ممن تأثروا بطفولتهم كلاجئين ، مع استمرارية هته الرواية رواية للنكبة ،     فــ” الجروتيسك” يظل صادما وموجعا ، وهته حال العالم العربي .

  ثاني جلسات المؤتمر الفكري كانت في ضوء شهادات في تجربة جماعة الفوانيس المسرحية ، وأدارت جلستها الفنانة ” نادرة عمران” التي قدّمت واستعرضت مسار الفرقة المسرحية فقد رأت أنها فرقة ذات مسار مشرّف حيث رأت النور هته الفرقة سنة 1982 ، على يد الثلاثي كل من ” نادر عمران” ، ” عامر ماضي” و” خالد الطريفي” ، وقد كانت الفرقة منذ تأسيسها قد أحدثت حركية وضجّة ثقافية على الصعيد المحلي والعربي ، وفرجة مسرحية منى خلال تحقيق التفاعل والانصهار وفتح مجالات الحوار ، فالفوانيس إضاءات ومنارات تعني نشر البهجة ،وعلى الصعيد التاريخي استعرضت ” نادرة عمران” الأعمال التي قدمتها الفرقة على غرار عرض ” دم تك” ، “طاط  طوط طيط ” وهي في مجملها ذات بعد شعبي شاهق ، كما أثّثت لوعي مسرحي ونحت خطوة هامة نحو تكريس الفن الرابع فكرا وحضارة وإبداعا .

  هذا ، وقد تحدّثت عن عرض ” هاملت” التي تعدّ ذروة أعمال فرقة  الفوانيس ، حيث أن العرض لامس الأسئلة الوجودية التي تتماهى والواقع بطرح جرئ، كما أن الفرقة ” الفوانيس” انفتحت منذ نشأتها على الإرث الشعبي والإنساني ، مع تركيزها على الشقّ المعرفي من خلال نصوصها ، والمرحلة الأهمّ من عمر فرقة الفوانيسي تتمثل في انفصال ” خالد الطريفي” منها وإنضمام أعضاء جدد إليها ، وسنة 1994 خطت الفرقة خطوة هامّة نحو تأسيس مهرجان أيام عمان المسرحية الذي يعتبر أول مهرجان تحتضنه فرقة خاصة ، تستقطب تجارب مسرحية ضخمة .

   من جهته الفنان ” مالك ماضي” وهو أحد أعضاء فرقة الفوانيس أضاء بعد الجانب الموسيقي في الفرقة ، وعن تجربة شقيقه ” عامر ماضي” مطلع الثمانينات من القرن الماضي ، فحسبه كل عمل يعتبر ورشة حقيقية للإبداع والإنجاز .

كما تحدث عن دور الفرقة في العمل على تدريب الكوادر الفنية على الموسيقى وعلى الدراما ، الأمر الذي سمح بإنتاج كمّ لا بأس به من الأعمال المسرحية ذات بصمة وتأثير بغية مضاهاة البعد الإعلامي .

الفنانة ” سهير فهد” هي الأخرى استعرضت تجربتها الخاصة مع فرقة الفوانيس ، مبرزة دور الفرقة ومدى مساهمتها في نحت إسمها كفنانة ، مبرزة اعتزازها بانضمامها إلى الفرقة ، حيث أن الفرقة مكنّتها من تجيب على سؤال هامّ لطالما لازمها : كيف يمكن أن تكون ممثلا وتبدو طبيعيا أمام المتلقي ؟ ، كما أنها ومن خلال الفرقة تعلّمت قيمة الحب ، الانضباط وصقل الموهبة .

  من جانبه الفنان ” خالد الطريفي” تحدّث عن لقاءاته الأولى مع الموسيقي ” عامر ماضي” والفنان ” نادر عمران” في جويلية 1982 ، وأهمّ الأعمال التي قدمتها الفرقة والتيمات التي أسّست عليها رؤاها وتوجهاتها الفنية .

  مستذكرا بذلك ، أهم اللقاءات التي جرت خلال مراحل الإعداد للأعمال المسرحية ، والتي اتّسمت بسرعة الإنجاز ، وأن الإعداد لها كان يتمّ من خلال التدريبات على إنجاز عمل آخر ، مع تطرّقه إلى ظروف الاشتغال على باكورة الأعمال الأولى .

  كما تمّ في آخر الجلسة عرض فيلم قصير يحمل عنوان ” للفوانيس ذاكرة” والذي أنتج سنة 2007 من لدنّ الفرقة ، فيه وبه أهم المحطات والمسارات التي انتهجتها الفرقة من خلال تجاربها الفنية .

  صفوة القول ، أنّ المؤتمر الفكري ضمن محطات مهرجان المسرح العربي يعدّ خطوة هامة للوقوف عند أهمّ التساؤلات التي تطرح نفسها بقوة على مستوى الساحة الفنية ، بخاصة وهي تستعرض شهادات وتجارب حية لفرق تركت بصمتها وما تزال تترك أثرها .

عن عباسية مدوني

error: حقوق النشر والطبع محفوظة