أخبار عاجلة

من عروض مهرجان مسرح الشباب الاردني 2017 مسرحية” العرس الوحشي”.. عمل مفتوح على التأويل بحرفية فنية عالي

رسمي محاسنة
 
ان تخرج من عرض مسرحي وانت محمل بالاسئلة، ذلك يعني ان العمل فيه مايستفز العقل، ويشغل الوجدان، وان هناك فعل مسرحي استطاع ان يقتنص انتباهك، وياخذك الى فضاءات الاسئلة.
” العرس الوحشي”..النص المعروف،للعراقي” فلاح شاكر”، والذي شكل غواية لكثير من المخرجين، الذين هم بدورهم قاربوا النص من خلال رؤيتهم الخاصة، باعادة تركيب الحكاية، واستنطاق مدلولات معرفية وجمالية، لكن دون ان تغادر النص تماما.
المخرج ” محمد الجراح” يقدم عرضا يذهب بعيدا باتجاه مايصادر ماهو انساني في النفس، لكنه ليس مجرد حالة فردية، انما دلالة اوسع تمتد الى ماهو اكبر، في عمل محمل بالدلالات، فالحكاية تتمحور حول علاقة الام بالابن، الام التي تم اغتصابها بوقت مبكر من عمرها، ويتناوب عليها ثلاثة جنود، يتركون باحشائها ثمرة نجسة، عندما تحمل من احد منهم لاتعرفه، ويكبر الابن ” الحرام”، وكلما كبر ، تتكرر محاولاتها للخلاص منه دون جدوى، ليبقى شاهدا على فضيحة الروح، وجرحا يستحيل التئامه.
تبقى العلاقة محكومة بتلك النقود التي وضعتها في القبو الذي حبست ابنها فيه،وتعتقد بانه اخفاها عنها،تريدها لتخرج وتغادر المكان، وهنا يضعنا النص امام اسئلة لها علاقة بالام” اريج دبابنه”،فان اصرارها على ، وسؤالها الدائم عن النقود يضعنا امام احتمالات انها استمرأت لعبة المومس،ويقودنا الى هذا الاستنتاج سؤالها بالحاح عن النقود، او تفكر كانسانة تدرك بان هذه الفلوس يمكن ان تنجو بها، وتخرج من واقعها وماضيها، وكلا التأويلين من الصعب الجزم بهما، لان الصورة المرتسمة في ذهن المتلقي، انها ضحية، ومايتبع ذلك من تداعيات تاخذنا الى احالات انها ” الوطن” الذي تم اغتصابه واستباحته.
في الحوارات المحمومة بين الام والابن ” راتب عبيدات”، يتضح حجم القسوة والعزلة والخراب الذي اصاب النفوس، وتلك الذكريات البائسة التي تفرض وقعها الثقيل على حاضر الشخصيات، فكلاهما ضحايا، وهذه المعاناة هي نتيجة حتمية، والقسوة التي تصل لدرجة رغبة الام بقتل جنينيها وطفلها لاحقا، هي بسبب وجود المحتل البغيض،لكن هذه الحالة يتفرع عنها موقفين مختلفين، فاذا اعتبرنا انها الام بالمعنى المطلق، فانه من الصعب تفهمّ قسوتها، لكن في حال انه بذرة من احتلال ترك كل هذه الماّسي، فان الموقف يصبح محايدا، ويفقد الابن تعاطف المتلقي.
واذا كان هذا الفهم يقودنا الى ضرورة التخلص من الابن، ففي العرض يقوم الابن بخنق امه، ويملأ المكان المهجور بجثث الجنود، و كان قبل ذلك قد قتل ” سعيد” المترجم.
قدّم المخرج ” محمد الجراح” العرض في اجواء خانقة، حيث المكان المهجور،والمعزول عن الحياة، والمنقسم بحبل الى قسمين، وبمفردات ديكور تم توظيفها لصالح العرض، كما في الطاولة، او الاناء المملوء بالماء الذي يذكر الام بالمغتصبين، او المفردات الاخرى، مثل ذلك الكيس المعلق الذي يفرغ فيه الابن غضبه.
وقد كان الاداء ركنا اساسيا في العرض، حيث قدمت “اريج دبابنه” دورا يحمل شحنات الغضب والقهر والاشمئزاز والقسوة، دورا يسجل لها، باستخدامها لادوات تعبير عالية،في حالاتها المختلفة، وباحساس عال، وفي تناغم مع الممثل الشاب” راتب عبيدات”، الذي بهذا العمل يسجل شهادة ميلاد ممثل اردني على ىالساحة الفنية،حيث لم يهبط ايقاع الشخصيات، ولا الايقاع العام للعمل.
“العرس الوحشي”، عمل مفتوح على التأويل من حيث الفكرة، ومشغول باحترافية من حيث الرؤية الاخراجية بتوظيف عناصر العمل المسرحي،بذكاء ووعي كبيرين.
————————————————–
المصدر : مجلة الفنون المسرحية – ميديا نيوز

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.