من سخط “إليانورا دوز”..  حتى حدوسات “إبراهيم الحساوي”!

  من سخط “إليانورا دوز”.. 
حتى حدوسات “إبراهيم الحساوي”!
تحدثتْ الممثلة الإيطالية إليانورا دوز، عن إشكالية الفن من ناحية التمثيل، وهي ممثلة مسرح مهمة، اشتهرت بتمثيل عدد من مسرحيات غابرييل دانونزيو، وكانت تكره التهريج والدعاية الصارخة، حيث قالت بكمدٍ ساخرٍ، في كتاب موسوعة فن المسرح لـ أوديت أصلان: “لابد من هدم المسرح لإنقاذه.. ليت كل الممثلين والممثلات يصابون بالطاعون.. فهم يجعلون من الفن شيئاً مستحيلاً.”
ويتضح لنا اليوم عند قراءة سخط إليانورا أنها تعني ما نعانيه، ويعانيه الفن من سطحية، وانفعالية تافهة، لكن الفرق أن زمن الممثلة الإيطالية (1859-1942) كان يصبّ الملامة على قصور بعض الممثلين وابتذالهم في حين أنهم يعاصرون تجلّيات “استديو الممثل” التي صنعت وأسست ركائز فن التمثيل في القرن العشرين وقرننا هذا، بينما في وقتنا المعاصر لا يمكن ملامة الممثل وقصوره و انحطاط وعيه، حيث أنه مجرد نتيجة حتمية لإهمال شمولي للفن، وإقصاء جبري لتأسيساته وحجب موضوعاته الهامة وعزله عن مساحات التأثير، حتى انتحت الذائقة الرفيعة التي يصنعها المسرح وتقدمها السينما، والسلوكيات الثقافية العالية واليومية، وجاءت محلها مسلسلات خِداج متشابهة، تكاد تخرج من كينونة الفن برمته، تقدمها الشاشات الرأسمالية الشرسة، لتعرض من خلالها سوقاً من المكرونة وأصابع الشوكولاتة ومنظفات الأواني.
لكنّ هتف الجمال والإبداع باقٍ، مهما اضمحل الفن، ومهما غابت القشعريرة.
ويقودني هذا الهتف، إلى الحديث عن الفنان المرموق إبراهـيم الحساوي، الممثل العميق، والحالة الخاصة والاستثنائية في جهة التمثيل ببلادنا، لقد أصرّ على المكوث في معسكر قسطنطين ستانسلافسكي، نائياً عن مغريات القفزة السريعة وخطوات السعادة الزائفة، التي منحها غياب الفن الفادح، وصيحات الجماهير الساذج، لممثلين بلا موهبة، وبلا وعي أو ثقافة، رجمت بهم المفاجأة في السوق الدعائية الهابطة.. التي تُقدم على أنها مسلسلات ومسرحيات وأفلام، وأعمال فنية.
لعل محبّة إبراهيم الحساوي للفن، كمصير وحُلم في آن، بالإضافة إلى وعيه الدقيق المبني على ثقافة صلدة وقراءة مستمرة، هما ما جعلاه يظهر منفرداً كممثل حقيقي ونادر، وكأنه من زمنٍ، أو عالمٍ آخر، حيث ظل صامداً في سلّمه الإبداعي، الذي قدّم في كل درجة من درجاته دوراً أو شخصية برّر لها الوجود، ونحت لها الشعور، بعيداً عن المبالغات الاستعراضية والأداء البرّاني السطحي الانفعالي للعواطف، بل تظهر شخصيات “الحساوي” عبر نفقها المُتعب، حيث التعبير الداخلي النابع من الروح، الذي يعكس الحدوسات والأداء الجوّاني والوعي الباطني، حيث يتضح في كثير من أعماله مدى براعته في توسيع وجدان الشخصية، وإظهار ملامحها من خلال الحركة والتقاسيم والسحنة واللفظ والصوت، ومن يتابع هذا الفنان وهو يؤدي على خشبة المسرح، أو في أحد أفلامه سيتذكر المفهوم الفني الساحر “الاختزال” الذي لا يعني بالضرورة التقصير والحذف، بل اشغال الحواس كلها للتعبير عن الموقف والحالة، وعدم الاكتفاء باللغة وبعض الايحاءات، بوصفها قاصرة عن البلوغ والاحتواء، بل وقد يبلغ الأداء ذروته في الصمت، مترجماً دفائن الشعور والفكرة، والوجود بأسره.
لقد تشرّفت بالعمل _مسرحياً_ مع الفنان إبراهيم الحساوي أكثر من مرة، وكان يذهلني، بل ويربكني وأنا أكتب الشخصية التي يجسّدها، وأقف عند حواراتها مراراً، مستحضراً موهبته الأخّاذة، وكيف ستذهب بعيداً بما أكتب، حيث كان بطلاً في مسرحيتين من مسرحيات هذا الكتاب.. جعلني من خلال عرضهما، أحاول أن أنزح إلى مساحات جديدة في الكتابة، وكان ملهماً لتجديد العديد من أدواتي، عن طريق أدائه وعن طريق نقاشاته، ونصائحه وتحليلاته.. وفوق هذا كله عن طريق إنسانيته الشفيفة، التي يُبكيها كل ألم وحزن، مهما كان بعيداً، أو صغيراً، وكذلك روحه الحالمة _دائماً_ بعالم مسالم، وفن جميل، وعميق.
للحساوي مسيرة ضخمة في الفن، سواءً المسرحي أو التلفزيوني أو السينمائي، أهتم خلالها بأن يقدّم رقيّاً يعكس أسطورة الفن المستحيلة، ومحاولات لفهم خسارات الإنسان العريقة، وحلّق كالطائر الوحيد، دونما أسراب ومواسم، مرخياً جناحيه باتجاه النهر والصباح، تاركاً كل الطرائد العادية والمواتية، مما جعله يخسر الكثير في يوميات الوطن الاستهلاكي، لكننا كسبناه للأبد، نتطلع إليه، وننظر إليه بكل إجلال وحب، وهو يشبه قصيدة لا تنطفئ من قصائد أمبرتو أكـابال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب فزّاعات نيّئة، صالح زمانان، دار طوى للنشر والإعلام، 2017م.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.