أخبار عاجلة

من الواقعيَّة الى اللامعقول –  د. سعد عزيز عبد الصاحب

تحول الروائي نجيب محفوظ فجأة ومن دون سابق إنذار الى مؤلف مسرحي ولمدة تجاوزت العشر سنوات، وذلك بعد هزيمة حزيران عام 1967 وله ثمانية نصوص منشورة، ولهذا التحول اسبابه الموضوعية، إذ وجد في الفن المسرحي ملاذا سريعا ونابضا لعكس الارهاصات واللواعج الداخلية التي تمور بها الذات المحفوظية تجاه الهزيمة واثارها التي تركت بصمات غائرة في جسد المجتمع المصري وآنية وسرعة استجابة المسرح (العرض) لفن المؤلف الدرامي واسئلة المجتمع والمثقف الملحة وموقفهما من الهزيمة، 
بعكس السرد الذي يحتاج الى زمن طويل في الانفتاح على المشكلات والعلل الجوهرية للمجتمع وتشربها لعكسها بإطار فني وجمالي، فغادر (محفوظ) آلية الكتابة السردية بضميريها الشهيرين: المتكلم (الأنا) والغائب (الهو) منفتحا نحو الشخصيات المسرحية التي تبرز بذاتها وأقوالها وسلوكها من دون وسيط، داخل حدث درامي حاضر لحظة تحققه متحررة ظاهريا من سلطة المؤلف مصارعة ارادات الاخرين بإرادتها وتندفع احيانا مجاهدة للتمرد على مبدعها إذا ما حاول ان يحركها كما يرى بمادة الحوار والجدل والحجاج وليس الوصف وبلاغته، كل ذلك يستعرضه ويحلله كتاب الناقد والاكاديمي المصري (د.حسن عطية) الموسوم (نجيب محفوظ كاتبا مسرحا وسينمائيا) المنشور من قبل الهيئة العربية للمسرح في الامارات عام 2019، بعد ان استثنينا جهد محفوظ السينمائي في هذا العرض لانه معروف وواضح للقارئ انفتحنا على جهده المسرحي المسكوت عنه الذي استفاض به (عطية) منوها لمسرحياته الثماني التي صدرت ست منها بمجموعة جاءت تحت عنوان (تحت المظلة) وضمت مسرحيات (مشروع  للمناقشة، يحيي ويميت، التركة، النجاة، المهمة، المطاردة) والتي كتبها بين الاعوام 1967 و1973 ومسرحيتي (الجبل) و(الشيطان يعظ) وكتبهما عام 1979، وقراءة (عطية) لميراث (محفوظ) المسرحي تحاول ان تستطلع حركة النصوص في جدلها الابداعي بين زمنين متباينين منطلقة من زمن الابداع ذاته بحكم معايشة واقع وزمان تلقي العمل الابداعي لحظة نشره لاول مرة من دون سجن دلالاته في غرف الامس المغلقة على ذاتها، فقراءة جهد محفوظ الدرامي يجب ان يتوازى لدى المتلقي مع قراءة المشهد السياسي والاجتماعي لمصر في فترة مابين الحربين والصدمة الهائلة التي تلقاها المثقف العربي نتيجة لأكاذيب السلطة وتشويهها للحقائق وعدم مكاشفتها للجماهير، فذهب (نجيب محفوظ) الى تيار مسرح العبث الدرامي كثورة مضادة للمسرح التقليدي (الايهامي) السائد آنذاك، مسرح العبث المرمز والمشفر الذي اعلنت مؤسسات ثورة 1952 الثقافية اقصاءه، وهو ما أدى الى ميل الكثيرين لتلقي اجواء مسرحيات (محفوظ) التجريدية وشخوصه المؤسلبة وموضوعاته المطلقة على صدى تيار مسرح العبث بخاصة ان محفوظ نفسه اعترف ـ حسب عطية ـ في زمن لاحق بأنه تأثر فعلا بهذا المسرح وأعجبته كتابات (يونسكو) و(سارتر) و(كامو) ويذكر (محفوظ) سبب اعجابه بتيار مسرح العبث (هو لانطباق الشكل على المضمون) ص11، ويبرر اسباب تحوله من (الواقعية) في السرد الى مسرح العبث الدرامي فيقول (بعد الهزيمة شعرت أنني فقدت اتزاني وان الشكل الواقعي البسيط لا يصلح للتعبير عن هذه الحالة التي كانت في رأيي أقرب الى العبث، فوجدت نفسي مدفوعا لتيار اللامعقول والعبث بشكل قصدي لانني وجدته اكثر تعبيرا عن الحالة التي نعيشها فكتبت مجموعة (تحت المظلة) ص12، في حين اعلنت مسرحيتا (الجبل) و(الشيطان يعظ) عودته للكتابة ضمن النسق الواقعي الذي عرف به محفوظ بعد انجلاء الغبار ووضوح الرؤية لديه، لقد فارق كاتب روايات (زقاق المدق) و(بداية ونهاية ) و(اولاد حارتنا) ثوابته الفنية والاسلوبية حين كتب للمسرح بتيار العبث الذي من ضمن شروطة الفكرية غياب الإله عن الكون، وفقدان المعنى في الحياة وضياع الانسان في المجتمع وعدم جدوى الفعل البشري وفساد اللغة وانعدام التواصل بين البشر، ولهذا عد (محفوظ) ابتعاده عن مسيرته الفكرية والاسلوبية في الواقعية مجرد انحراف امتد فقط لنحو ثلاث سنوات، عاد بعدها الى الشكل الواقعي خالعا ثوب (اللامعقول) الذي انتهت ضرورته الفنية، وذلك بعد ان استعاد توازنه العقلي والروحي بعد زلزال هزيمة 1967 المدوية، وبالدخول لعالم (محفوظ) المسرحي وبنى مسرحياته يلاحظ (د.حسن عطية) في المسرحيات الثمان (أن ستا منها تدخل في النطاق الزمني الذي عبر عنه محفوظ بوصفه فترة فقدان الاتزان الفكري والروحي واللجوء لاسلوب الكتابة العبثية، وبسهولة يمكن ادراج النص السادس (المطاردة) رؤية وأسلوبا ضمن هذه المرحلة بوصفها تمتد الى ما قبل حرب 1973، فتظل مرارة الهزيمة عالقة بها على الرغم من مرحلة الصمود والتصدي وحرب الاستنزاف وتغير النظام السياسي، تدور احداث هذه المسرحيات الست دوما في لحظات الغروب واقبال الليل وداخل مكان محدد وموضوع اساسي هو ثنائية الحياة والموت) ص14، فضلا عن ابتكاره شخصيات بلا مسميات واقعية معروفة هي الرجل، المرأة، الفتى، الفتاة، والفتى مطارد دائما من عملاق حطم جسده وآخر يفرض عليه الحماية بشروط تلغي وجوده او من لص سرق ماله ويعود لشراء بيته بالمال المسروق، او من شرطي يتعقب فكره فيتورط في حماية امرأة تموت بين يديه، وفي الطرف الآخر من الثنائية تبرز المرأة حضنا دافئا او عاشقة متورطة معه، على حين تأخذنا كلا المسرحيتين الاخيرتين (الجبل) و(الشيطان يعظ) لعالم ما بعد الحرب والمحاسبة عن سابقاتهما في غياب التجريد عن موضوعاتهما وحضور الاسماء المعرفة ولجوئها لعالم ألف ليلة وليلة الفنتازي وانفتاح مكاني على فضاء المدينة السافلة (الديستوبيا) الذي عاد إليه محفوظ بعد أن غادره في مسرحياته العبثية.

 

https://www.ina.iq/

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح