منمنمات شامية: مغامرة المسرحي الأول أحمد أبو خليل القباني (1836- 1902)

12qe

سافر الشيخ سعيد الغبرا من دمشق الشام إلى الأستانة .

سافر ليطرح أخطر مسألة حدثت في تاريخ الشام ، حفظت لنا المدوّنات ذلك ، فقد حضر الشيخ الغبرا صلاة الجمعة في المسجد الكبير وطرح المشكلة أمام السلطان !!

قال الشيخ :

-أدركنا يا أمير المؤمنين … أدركنا فإنّ الفسق والفجور قد تفشّيا في الشام ، فهتكت الأعراض وماتت الفضيلة ، ووئد الشرف ، واختلطت النساء بالرجال !!!

ولكنْ ما الأمر الجلل ، وما هذا الافتتاح بطلب النجدة : أدركنا يا أمير المؤمنين ؟!

هل الأمر يتعلّق بشخص معين ؟ هل له علاقة بأمّة بأكملها ؟!

يا لهول المصاب !!

حالة من الاهتزاز بدأت تصيب بلداً بأكمله !.. الفسق والفجور تفشّيا في الشام ، فيالثارات تغلب … ويالثارات ذبيان !!

ترى كيف يمكن للممارسة المسرحية أن تتسّبب عملياً في الفسق والفجور ؟ ألا يدلّ هذا الموقف في حقيقة الأمر عن آلية دفاعية تبريرية تعبرّ عن عجز فكر معيّن عن استيعاب مستجدات ثقافية وصيغ فنية إبداعية جديدة !!

تلك كانت البداية ، ومقاربة الحديث عن تجربة أحمد أبي خليل القباني هي مقاربة حقل ألغام في مسار المسرح العربي ، هذا المقاربة فيها عمق الدلالة ، عمق المحنة ، عمق التجربة الأولى ، لكلّ من يحمل الريادة ويتقدم الصفوف ، لكل من يرفع صوته أولاً ، ليدين ويتهم … هذه المقاربة تحمل الاكتشاف المبكر للمسرح العربي .

عن طريق الموسيقى ، فقد كان أبو خليل القباني من المبرزين في الموسيقى ومشهود له ذلك بالإجادة والتكوين !

وكان هذا التكوين الموسيقي سيجعل أعماله تتسّم بطابع الإنشاد المسرحي الذي سيتطوّر في اتجاه يقترب من فن (( الأوبريت )) والقباني كان أكبر أساتذة الموسيقى علماً وإنشاءً وبراعة وإيقاعاً  وهذا ما وصل به إلى النجاح الذي ظفر به بعد رحيله من الشام إلى مصر ، قال عنه زكي كليمات (( إنه شحن أعماله بألوان من الإنشاء الفردي والجماعي والرقص العربي )) !!

وقد وصفته جريدة الأهرام آنذاك بـ : حضرة الشيخ الفاضل أبي خليل القباني الذي التجأ إلى الموسيقى كثابت جمالي  يشكل الصيغة الفنية التي صبّ فيها كلّ أعماله المسرحية !!

لقد قام الرائد القباني فعلاً بتقريب المسرح من الموسيقى ، أي أنه اتجه إلى المسرح ليقرّبه من الموسيقى! وهو بذلك يعبّر أدق التعبير عن تقدّمه تاريخياً ، وعن ريادته لمشروعية البحث عن طرق تطوير فنون النظم والقول العربية الأصيلة ..

رأى هذه الفنون ( القولبة والنظمية ) بحاجة إلى دم جديد، رأى هذه        ( القولبة القديمة المغلقة ) في أمسّ الحاجة إلى نسغ طريّ فتيّ يُعيد لها حرارتها الجمالية .. وكان المسرح مجالاً خصباً أبرز قدرة الموسيقى العربية على التعبير بعمق عن الأحداث والحالات والأشخاص ، بمعنى آخر عمل الشيخ القباني على إبراز الطاقة الدرامية في النغم العربي ، وحاول استثمارها مسرحياً ، أي تحوّل من التغني بالليل والعين والآهات إلى نوع من الإنشاء الملحمي ، والموسيقى العربية على الأعم الأغلب تختزن حالات وحكايات وقصصاً ومشاهد ومواقف .والنغم والإيقاع خلفية لهذه الحالات كلها ، والموسيقى العربية تعتمد على ظاهرة الترديد الجماعي الذي يأخذ دائماً بُعد الإنشاد الملحمي .

قدّم القباني عمله المميّز ( ناكر الجميل) في شكل سمر غنائي وكذلك قدّم ( وضاح) ولكن الجماهير آنذاك ، لم تألف ذلك ، كان الناس في دمشق يفتحون أعينهم للوهلة الأولى ، على مسرح وغناء ، وترديد وترجيع ، وحركات ، والمسرح هو فنّ الساحات لا فنّ المنازل ( قدّم أول أعماله في البيت ) ومجتمع الشام آنذاك مجتمع تقليدي يعاني من الجهل والتقسيم وأصداء السيطرة العثمانية، والقباني اختار منطقة أمان ، منطقة مؤقتة ، لم يكن يريد أن يلقي قنبلته في الساحات ، أراد لتجربته أن تُحتضن في البداية .

وراء الجدران ، والمسرح ليس فنّ الاختناق ، ولمّا غامر بعدئذ وأطلق مسرحه ، كسر الجدران  ، وخرج إلى الناس .

استرضى العناصر الممثّلة للثقافة السائدة ، كان الجواب أن ما فعله بدعة، وكل! بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار !! فانبرى شيوخ دمشق يدقّـّون جرس الإنذار ، وهتفوا بالشكوى إلى أولي الأمر، ولم يبقى ذلك في دمشق الشام وحده بل ارتفعت الأصوات إلى الأستانة ، زمن السلطان عبد الحميد الثاني الذي أصدر فرماناً بوضع حدّ لهذا الدعيّ المسرحي ولتجربته الفريدة!!

حورب أبو خليل القباني ، حورب المسرح ، حوربت الأغاني ، حوربت حفلات السمر، حورب الحوار، حورب مبدأ التجمع، حوربت المغامرة ، حوربت التجربة ، حوربت الريادة ، حورب النقد .

المسرح أبو النقد ، المسرح أبو الحوار ، المسرح أبو التجارب .

المسرح أبو الحركات ، والانفعالات ، والمجتمع مغلق ، ساكن .

المجتمع يقوده أوصياء مأجورون فأدركنا يا أمير المؤمنين .

أدرك من يدعو إلى الإصلاحات الجديدة ، والأفكار الجديدة ، وهذه دروب دمشق ، هذه الحارات والأزقة – تردّد شكواها على ألسنة صبيانها :

 أبو خليل القباني

يا مرقّص الصبيان

أرجع لكارك أحسن لك

أبو خليل القباني ..

أبو خليل النشواتي

يا مرقّص البنات

أرجع لكارك أحسن لك

أرجع لكارك نشواتي

أبو خليل مين قال لك

على الكوميضا مين دلـّك

أرجع لكارك أحسن لك

أرجع لكارك قبّاني ..

ومن دمشق الشام إلى مصر ، كانت الرحلة ، لم يكن أبو خليل يمثّل التجربة الإبداعية وحدها ،  بل كان يمثّل الموقف العام من الأخلاق والعلاقات ، والمسرح ظاهرة اجتماعية ترصد ظاهرة الإنسان بالإنسان ، تفرز علاقة الناس بالناس ، والمسرح يفرض التجمّع ، والتجمّع مشاركة وحوار ..

أرسى القباني دعائم المسرح العربي ، بمغامرته الأولى ، مدّ المسرح بمضمون شعبي ، ( استمدّ موضوعاته من مصادر شعبية ومن ألف ليلة وليلة ومن الحكايات السائرة والمرويات المتداولة ) ومدّ المسرح بالقوالب الغنائية الشعبية .

كان القباني ابن الشعب ابن الشام ، ابن ألف ليلة وليلة ، ابن السمو الغنائي ، ابن التمثيل والشعر ، ولئن احترق مسرحه الأول فقد بنى في القلوب مسارح ، وأسس في الضمائر منارات وأوجد للصراع الفني تبريرات ، وأرسى للحوار والانفتاح دعامات ، ويكفيه أنه فتح بتجربته الرائدة آفاقاً ومسالك ودروباً وطرقات !

 

الكاتب:
نزار نجار

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.