“منطق الطير”: في البحث عن الذائقة الروحية #تونس

لوهلة الأُولى، لا يبدو كتاب المتصوّف الفارسي فريد الدين العطار “منطق الطير” قابلاً للمسرحة مِن زاوية التجسيد البصري على الأقل، بالنظر إلى النزعة الاستعارية التي يتضمّنها العمل وكثافته الروحانية، فضلاً عن ضخامة العمل، حيث ورد في نحو أربعة آلاف وخمسمئة بيت شعري. لكنّ المفارقة هي أنّ “منطق الطير” واحدٌ من النصوص التي يعود إليها المسرحيون بكثرة في زمننا، ولعلّ أوّل تجربة – والأكيد أنها الأشهر – كانت اقتباس العمل من قبل المخرج البريطاني بيتر بروك عام 1979، كما قدّم المخرج الفرنسي غي بيير كولو، في عام 2018، عملاً مقتبساً من الكتاب.

أيضاً عرف العمل اقتباسات عربية. آخر هذه الاقتباسات ما يقترحه المخرج التونسي نوفل عزارة في عرض بعنوان كتاب العطّار نفسه، وهي مسرحية قُدّمت عروضها الأولى بشكل متفرّق السنة الماضية، إذ حال انتشار فيروس كورونا دون أن يشاهدها الجمهور بشكل منتظم.

غداً، الخميس، تُعرض المسرحية على خشبة “مسرح تياترو” في تونس العاصمة بدءاً من السادسة والنصف مساءً، وتُعاد في اليومين اللاحقين. يؤدّي شخصيات العرض كلّ من: آمال العويني، وثريا بوغانمي، ومراد دريدي، وإسكندر براهم، وسفيان بوعجيلة، إضافة إلى المخرج.

يبدو المسرح فضاء أخيراً لحلم استعادة العمق الروحاني للبشر

في حديث سابق إلى “العربي الجديد”، أشار عزارة إلى أنّ ما دفعه إلى الاشتغال على هذا النص – على الرغم من التعقيدات التي يمكن أن يجدها من يحاول تجسيده في مشاهد مسرحية – هو أنّه يتيح له إنتاج جمالية بصرية مختلفة عمّا ينتجه المسرحيّون بذهابهم عادة إلى ثيماتٍ فكرية ونفسية واجتماعية. يلفت عزارة إلى أنّ نصاً مثل “منطق الطير” يجعلنا ننتبه إلى “مفهوم الذائقة الروحية”، وبالتالي فإنّ مسرحة هذا الكتاب تعني “محاولةً لتحقيق الفرجة عبر توليفة بين المسموع والحسّي، بين المنطوق والحركة، وتوفير متعة العين والفكر، وخلق جدل وعملية ذهاب وإياب بين مقولات العرض وخيال المتفرجين”، بحسب تعبيره.

مفهوم الذائقة الروحية الذي يطرحه عزارة يمكن أن نقارب به عرضه، فلا ننسى أنّ الخط السردي لعمل فريد الدين العطار كان اجتماع مجموعة من الطيور على البحث على الطائر الأسطوري؛ السيمورغ، لتتّخذه ملكاً عليها، ومن ثمّ تفشل الطيور في تحقيق ذلك، فتُلقي بأعذارها، فيما يحاول الهدهد أن يقنعها بالاستماتة في هذا الطموح. لنا أن نرى مجتمعاتنا الحديثة من زاوية فشلٍ شبيه، فشل بلوغ “الذائقة الروحية” مع انتصار النزعات المادية والعقلانية والبراغماتية. وربما يلعب المسرح دور الهدهد بشكلٍ ما، كفضاء أخير لصناعة حلم استعادة العمق الروحاني للبشر والأشياء. يمرّر عزارة هذه الفكرة من خلال مجموعة لوحات يعتمد فيها على عنصري الإضاءة واللعب الكوريغرافي، مع تقشّف في التعبير اللفظي.

يمكن الإشارة إلى أنّ الاقتباس من عملٍ تراثيّ ليس جديداً على المخرج التونسي، إذ إنّ عمله السابق كان بعنوان “حاملُ الهوى تعِبُ”، وفيه يعود إلى التراث الشعري العربي لإضاءة التمثّل الحديث للحب. لعلّ مثل هذه الثيمات تدعو إلى اختيارات كهذه.

تونس
ليلى بن صالح

https://www.alaraby.co.uk/

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح