أخبار عاجلة
الفنان سامي عبد الحميد

ممثل المونودراما وخصوصية الأداء

عزيز خيون 
 
 ما هي العدة الابتكارية لمخرج تمكنه ارادة حنكته من ابداع دوائر من الفرضيات المتجددة ،  تفقس حياة تزخر بالتنوع والتشويق والبهجة ، ومخالفة التوقع حتى استدعاء اللحظة الأخيرة من أنفاس العرض المسرحي، دون أن يلامس غول الملل عيون الجمهور الذي يتربص بحركات وسكنات هذا الممثل الوحيد، لاسيما ان ما يشاع عن العرض المونودرامي، ضعف حظه في اجتذاب الجمهور العام، وهذا الرأي قابل للنقاش، وحتى التنفيد ، لأن الجمهورألوان وأذواق ومشارب ، كل لون يفتش ويختار ما يناسب ذوقه ومشاربه … والأمر الآخر الذي يجب حضوره لنجاح العرض المونودرامي هي الفرقة المسرحية التي تعرض ايمانها وثقتها وأموالها، لأنه من قال إن المونودراما لا تحتاج الى سقف انتاجي جيد ، ينهض بها ، ويحقق لها شرطية الحياة … لذا ومن أجل رسم صورة واضحة الملامح والمقاصد تعلل وتشخص حلقة الخطورة ومكامن الصعوبة بالسفر صوب فضاءات هذا الفن الامتحان ، فن المونودراما ، نقول للذي يرغب ويتقدم لأن يجرب طاقة حظه بالعوم وسط موج البحر العاصف لهذا الوسيط الجمالي، عليه أن يتحلى ويتجمل بخصلتين اثنتين :  
 
عندما نتحدث عن ضرورة توفر الممثل المتميز لإنجاح هذه التجربة ، نتحدث أيضا وبنفس الأهمية لعبور هذه المخاطرة المسرحية ، عن الطاقة الإخراجية الخلاقة ، عن صاحب الرؤية المفارقة ، مخرج غير هياب ، مخرج متمرس ، يخاطر ، ويقود هاته المعركة الجمالية ، القادر على تثوير الاستعدادات الضرورية للممثل الذي أسلفنا نوعه وصفاته ، بالضبط الدقيق لعموم عناصر التجربة … ولأنه وفي حالة وجود المدونة المحكمة ، يا ترى أي قدرة أدائية ، وأي مهارة تتحلى بالهيمنة الاستثنائية والتأثير الساحر ينبغي توفرها ، بحيث تنجح في تصميم وقيادة حيوات من التلقي المتميز ، وتستحوذ على اهتمام عيون ترصدها المهارة وهذه القدرة الفذة ، تتابعها وتحاصرها في الظلام ؟
 
طاقة حصان ، وصبر نبي ، لأنه وبدون وجود هذا الممثل، هذا اللاعب العبقري العارف بأسرار وخبايا مهنته، لايمكن القيام  بهذه التجربة المسرحية الفذة ، ومهما توفر لها من عناصر دافعة جهة التحقيق . 
ولأننا قد جربنا المهمتين في أوقات وظروف متباينة، نعني بذلك مهمة الإخراج ومهمة التمثيل في هذا اللون المسرحي – المونودراما – لذا يحق لنا عند التعامل مع فن المونودراما ،  أن نحذرمن أن أي نظرة تبسيط وتقزيم لحجوم المهام اللازمة ، من شأنها أن تغلق بوابات الحياة على هذا اللون المسرحي المميز ، وبنفس الوقت تكون نتائج العواقب صادمة لكل من يحاول أن يقترح مشروعا في هذا المجال ، لأنه اذا كانت تضاعف التجربة الجمالية لهذا اللون المسرحي ، يمكن أن تختصر كما هو شائع ويتردد، وبهذا المنطق المسطح  : نص ومخرج وممثل واحد ينط في الفضاء المسرحي ، ترافقهم في الخدمة عدة قليلة وخفيفة ، وتدعمهم ميزانية متواضعة، اذن ما المشكلة، وأين التعقيد في أمر كهذا، ولم الخوف والقلق، لم الاضطراب والتردد، واين يكمن حاجز الصعوبة؟ 
نعم قد تبدو المهمة ومن خلال حدود هذه النظرة الضيقة ممكنة ، وهينة  بالمرة ، لكن مخاضات هذه التجربة ولمن يركب وعورة  هذا الدرب، يفاجأ بعكس ذلك تماما ، ندعم صواب رأينا بيوميات تجربتنا الفعلية تمثيلا واخراجا، وما كنا نكابده لحظة محاولتنا انتاج العرض المسرحي المونودرامي، بدأ بتأثير وتلمس الخطوات الاولى لتطويع مدونة الكاتب وتجهيزها بما يتناغم ويتساوق وتلوينات رؤيتنا الفنية، ثم الاعداد الحذر والرصد الدقيق الذي لا يتسامح مع كل لحظة من لحظات الممثل الفرد ، بما ينأى بروحه المبدعة أن تحط فوق عش المألوف  والعادي المبتذل ، روحا ، فكرا ، صوتا ، جسدا ، مشاعرا، حركة وتكوينا … هذا الممثل الذي هو خلاصة العصور، رسول المعنى، العراف الاكبر، وسيط الجمال، حامل شعلة التنوير، وراهب المنصة، من صير المعبد في البدايات سلطة للقول والشك، ومن عربته الجوالة لاحقا وطنا للأسئلة، لانتعاش الحقيقة ، للمتعة والثقافة والجمال، عابرا لدورات الزمان، وخطوط الجغرافيا أن يكون مواطنا أسرته العالم ، وأن يحدث هذا الوجود بلسان واحد … أطل على هذا الكون واحدا ، وبروحه الابتكارية المسكونة بالتمرد على محيطه، وما يتوصل اليه، أضحى عددا ، … ولأن انشغالات هذا الساحر – الممثل – اللحظة الراهنة ، الان ، أفراحها وأحزانها ، لذا سارع يعبر عن تجليات هاته اللحظة ، آنيتها، لا يتخلف أو يعتذر عن تصويرها ابداعيا بتكوينات وايقاعات، تنوعت في سلالم دهشتها، تبعا لتحولات هذا الوجود الصادم ومفاجآته اللا تنتهي، وكل هذا يتجسد الا باعتماد برنامج تدريبي صارم للروح والجسد، يؤكد على ما هو داخلي وخارجي، يدعمه زمن لا يحتمله صبر أي ممثل، انما فقط ذاك الذي يعشق فنه حد الذوبان والوله، وتماهت خلايا روحه الرائية مع التجليات المحلقة لهذا الفن الساحر، عابر الدهور والعصور… فن المسرح ، وانتهاء بصياغة العناصر المسرحية الأخرى المساندة ، التي تشيد محيطا جماليا حاضنا ، فاعلا ، وخادما لحضور هذا السيد النبيل – الممثل – ينهض بها الرقم المالي المعافى ، ينجح في توفيره وعي وثقافة ومسؤولية الجهة المنتجة ، سواء أكانت هذه الجهة قطاعا خاصا أو عاما …
طبعا نحن  هنا لا نتحدث عن الفعاليات التي قدمت ، ولا تزال تقدم باسم المونودراما ، فعاليات بضاعتها الحكي والنطنطة الفجة ، وسيادة فايروس الأفقية في الطرح والمعالجة ، مما يقترب من بساطة أحاديث الجدات والمقاهي ، انما الذي نقصده هنا هي المسرحية المونودرامية ، القائمة على سخونة المضمون وسلطة الفعل ، وجدة الحدث ، والتنوع المثير ، طلبات تحققها القراءة التحليلية المعاندة ، والرؤيا الاخراجية المفارقة ، التي تشاكس المتعارف ، وترنو صوب قمة التجديد ، بمعنى آخر أن نافذة اللون المسرحي المونودرامي مشرعة لمن يقرر أن يبحث ، يجرب ، يجدد، ويطور ، ويشك بما يتوصل ، وهو لون كبقية الالوان ، خضرة زرعه تتنفس ، وتنتعش بالجد والكدح والمثابرة ، وتطليق مبدأ القناعة ، وتحقيق حالة الاحتراق القصوى ، بما يسمح لنا أن نقدم للمتلقي وجبة من الاكتشاف ، من المتعة والسعادة ، يقودها ممثل فرد اعتاد أن يمسك بناصية الحداثة والجمال . 
—————————————-
المصدر : مجلة الفنون المسرحية

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.