ملحة عبدالله سيدة المسرح السعودي تحول كورونا إلى برهة إبداع #السعودية

 

 

أول عربية تحظى بتكريم من الأمم المتحدة، وحيازة الدكتوراة الفخرية على نظريتها العلمية في المسرح “البعد الخامس” والتي صُنفت كسبق يُحسب لها.

تؤمن الأكاديمية والكاتبة والناقدة المسرحية ملحة عبدالله أن الانعزال فرصة لعودة الإبداع، وما توقف الأنشطة والفعاليات الثقافية بأنواعها في ظل جائحة كورونا، سوى مؤشر للعودة بنهم وحب ووله وشغف “بحكم أننا عرفنا قيمة الأشياء“، كما تقول، لاسيما وأنها انتهت في شهر سبتمبر الماضي من كتابة نص مسرحي، وعبر إلهام تُشابهُ أحداثهُ أحداث هذه الأيام وما تعتريه من جوائح كورون، والمنعطف الذي أرغم العالم على عزلة منزلية وترقب ومحاولة إيجاد الحلول.

تزامنت ولادتها المسرحية مع موقف ديني متشدد متصاعد تجاه ”أبوالفنون“، وتوجس يُحاك حوله  باختلاقِ صورة معيبة عنه، وكونه مكانا للهو، أرخت سدولها على المجتمع، الأمر الذي أوجد عائقا استطاعت تجاوزه بفعل شغف كبير به، ترجمته عبر اجتهاد وكفاح غدت بفضله سيدة المسرح السعودي، وأول امراة سعودية تحترفه كتابة ونقدا.

صارت نافذتها المفتوحة على العالم العربي والدولي، إضافة إلى دراساتها وبحوثها ونظرياتها التي جعلتها ضمن مصافِ المكرمين على مستوى العالم، كأول عربية تحظى بتكريم من هيئة الأمم المتحدة، وحيازة الدكتوراة الفخرية على نظريتها “البعد الخامس”، والمركز الأول في المسابقة الدولية للمسرح من منظمة اليونسكو، لتنعم بتكريم رسمي من وطنها كأول مسرحية سعودية، وليتبعه العديد من الاحتفاءات والتكريمات داخل نطاق بلدها وخارجه، متجاوزا إنتاجها حيز الخمس والخمسين عملا مسرحيا.

الانزلاق الوجداني

الساحة الثقافية عامة والمسرحية خاصة في السعودية تشهد جهودا تشيد بها عبدالله، وبالرغبة الأكيدة بالنهوض بحاله من قبل وزارة الثقافة، ظهرت بشائرها بتأسيس هيئة المسرح والفنون الأدائية، وتكوين فرقة المسرح الوطني
الساحة الثقافية عامة والمسرحية خاصة في السعودية تشهد جهودا تشيد بها عبدالله، وبالرغبة الأكيدة بالنهوض بحاله من قبل وزارة الثقافة، ظهرت بشائرها بتأسيس هيئة المسرح والفنون الأدائية، وتكوين فرقة المسرح الوطني

أُعتمدت نظريتها “البعد الخامس” من جامعة بيركلي الأميركية على أنها النظرية العلمية في المسرح، وصُنفت كسبق يُحسب لها، والنظرية  تُعنى بالوجدان ومحاولة حصره وإرسال الرسائل إليه طواعية لا قسرا، وبالتالي، تجعله مشدوها طيلة العرض، فلا يتسرب إليه الملل، بل يتأثر بها، مُحدِثة عبر العاطفة بما يُسمى ”الانزلاق الوجداني“ وعن طريق ”التسرب الانفعالي“، ويتم عبر السيطرة على الوجدان، مكمن العاطفة، والتي في حال امتلاكها استطاعت امتلاك لب المتلقي، لتكشف النظرية أن هذا التأثير يقوم على ثلاث ركائز هي ”السرد والعقيدة وإثارة الخيال“، والتي بمقدورها اختراقُ فص مكانه الدماغ ”الإميغدالا“ ليفرز مادة ”الدوبامين“ المسؤولة عن الشعور باللذة أو بالكدر، وجعله يتفاعل بشكل متعة أو أسى عن طريق المحاور الثلاثة المذكورة سلفا.

 والوجدان كما دلت على مكانه عبدالله فص في الدماغ تحت الفصين الكبيرين أمام الجبهة، في قاع المخ تحديدا، ويُعد منطقة مسؤولة عن اللذة والكدر، وموطنا للسعادة والحزن، مستمدا قوته من الحواس الخمس، واتفق عليه الفلاسفة العرب وأطلقوا عليه ”المخيلة“، والهدف منه صناعة خطاب مؤثر وقادر على اتخاذ القرار في نهاية التلقي.

وهذه النظرية مستخرجة مما هو كائن في التراث العربي وفنون الأطفال والنقش على الكهوف والألعاب الشعبية التي تسمح للخيال بالانطلاق، في ظل الاتكاء على العقائد، فهذه الطرائق، والحديث لعبدالله، تستطيع أن تتسلل إلى الوجدان، وهي ما تتكئ عليها أعمال ماركيز وديزني وبعض الآلام الخيالية المعتمدة على العالم السحري الخلاب، وتزيد قائلة “هي مرتبطة بآليات الإرسال وصناعته، بحيث تجعلنا نحن كمتلقين نكمل الصورة التي تثار عن طريق الخيال بمساعدة السرد، والعقيدة تلعب دورا هاما في التسرب الوجداني“. وقد واجهت النظرية الكثير من التساؤلات والاستحسان كونها ذات حيثيات صعبة تخص أولئك المعنيين بالرسالة، ولا تخص المتلقي، وقد طُبعت في كتاب تُرجم للغة الإنجليزية.

 نحو تعزيز القيم الإنسانية

“الجزيرة العربية، الهوية، المكان، الإنسان” كتاب تسعى عبدالله من ورائه إلى الحفاظ على الخصائص التي تميّز بها العرب، والتي أضحت نسيجا ينفي العصبية القبلية، معتمدة في عرضه على صور التقطت قبل 100 عام.

مدت عبدالله المكتبة العربية بإصدارات ودراسات تصُب في تعزيز القيم الإنسانية، فحول ملامح الشخصية في الجزيرة العربية وعبر جهد استمر عشر سنوات، وبمنهج تأصيلي مكون من جزأين، أخرجت عبدالله كتابها “الجزيرة العربية الهوية، المكان، الإنسان“، والذي سعت من ورائه للحفاظ على الخصائص والمميزات التي حُبيَ بها العرب، والتي أضحت مكمن ترابط بينهم، ونسيجا ينفي العصبية القبلية.

وهو نقد وتحليل للوصول إلى شخصية الإنسان والمكان، معتمدة اعتمادا كبيرا في عرضه على صور التقطت قبل أكثر من 100 عام، في القرن التاسع عشر، سعت إلى شرحها، وأعطت بالتالي الكتاب حكما بالتوثيق الشديد، والإصدار عبارة عن رحلة منذ بدء الخليقة وحتى القرن الثامن عشر لتصل من خلاله أن الهوية العربية تظل في عالم المحسوس “ونحن نحملها كمعنى، فأردت إخراجها من المحسوس إلى الملموس بأن تُجسد وتنحت وتستقل عيانا أمام الأجيال القادمة وخاصة بعد الحروب والعولمة ومحاولة طمس الهوية”، وقام بمراجعته وتقديمه شيخ المحققين حسين نصار، لتتحف القارئ العربي بإصدارات أخرى منها “البداوة وأثرها على المسرح السعودي” وأُشير إليه بأول بحث بيَنت فيه أن البداوة ليست هي الخيمة والجمل، ولكنها هي العادات والتقاليد، ومدى ما سببته ثقافة المسرح ”عيبا“ في العرف القبلي معوقا أساسيا أمامه.

كتاب “أركان المسرح، كيف تكتب مسرحية؟” تُبدي فيه عبدالله رأيا خاصا جدا حول الكتابة المسرحية واختلافها عن باقي الكتابات، وأفضلية ووجوب سرعة إنجازها من أجل الإيقاع الحسي

أما كتاب “أثر الهوية الإسلامية على المسرح السعودي” والذي أوجزته بقولها “إن الوجدان المجتمعي ودرجة وعيه وفهمه للسمر حجَمت من نهضة المسرح في بلادنا”، وعبر ثلاثة أجزاء جاءت موسوعة نقد النقد” وإخضاع جل الرؤى الفلسفية المؤثرة في جميع المجتمعات عبر العصور، ونقدها، وتحليلها، من زاوية الأنس والاغتراب “وكيف يخضع الفرد بين هذين الحدين، وإلى أي حد يميل خاصة مع ظهور النظريات الحديثة ما بعد الحداثية والتفكيكية”.

 وأردفت “قد اتضح أن للتفكيكية أثرا بالغا في ما يحدث في الشارع العربي والعالمي، وهو سبق في إخراج النظرية من إطار النص الأدبي إلى التأثير النفسي المجتمعي”، ولم تنس ملحة المهتمين بالكتابة المسرحية والطلبة الدارسين لفن المسرح حيث انتهت قبل شهور من إصدار كتاب “أركان المسرح، كيف تكتب مسرحية؟”، لتُبدي رأيا حول الكتابة المسرحية واختلافها عن باقي الكتابات، وأفضلية ووجوب سرعة إنجازها من أجل الإيقاع الحسي.

بدأت علاقة عبدالله بالمسرح منذ طفولتها، حين كانت تصحبُ والدها لمشاهدة ”بروفات“ مسرحية في مدينة أبها، موطن الولادة والنشأة، لتجسد ما رأته ولتحاكيه أمام والدتها حين العودة إلى البيت، إضافة إلى ممارسة التمثيل على عتبته في سن الثانية عشرة، وحدث هذا خلال مرحلة عمرية  كان المسرح السعودي ينعم فيه بتطورات وتعدد، مسرحا للشباب، ومسرحا جامعيا، وآخر لجمعية الثقافة والفنون وغيرها.

المسرح عند عبدالله مكان للمتعة وليس للضحك، حتى وإن كان كوميديا، فالمتعة هي بيت القصيد.
المسرح عند عبدالله مكان للمتعة وليس للضحك، حتى وإن كان كوميديا، فالمتعة هي بيت القصيد.

وهي من الأوائل اللائي استطعن الانفلات من حيز اعتادت عليه فتيات تلك الحقبة تجلى في ندرة، إن لم يكن انعدام، إكمالهن الدراسة، فأكملت تعليمها في جمهورية مصر العربية، وحازت على شهادتي المتوسطة والثانوية، لتتجه أنظارها شطر المعهد العالي للفنون المتخم آنذاك بعباقرة المسرح، وينصب اختيارها على قسم النقد والدراما، لتكون بداية انطلاق ملموسة نحو المسرح وفنونه.

تقول عبدالله “المفارقة الكبرى عندما دخلت أكاديمية الفنون كأول سعودية تدرس المسرح، في الوقت الذي يرى فيه الكل أن المسرح ليس بالمجال الجاد، وأنا أرى فيه علوم التاريخ والجغرافيا والفلسفة وعلوم الاجتماع والتراث والإعلام، وكل ما يعنيه بناء مفكر في كلمة واحدة، وانكشفت المفارقة بعد هذا الصراع التراجيدي، أنني كنت على حق ونرى الآن كيف تطور المفهوم، وعرفت تمام المعرفة أن المسرح لا يقتصر فقط على الموهبة فلا بد له من علم“.

بعد تخرجها من أكاديمية الفنون بالقاهرة استطاعت وبالتعاون مع أكاديميين في المعهد العالي إنتاج نصوص مسرحية وتنظيم مسرحيات وعبر فرقة صعاليك المسرح والتي تضم مشاهير ذاك الزمان، مشددة عبر تاريخها المسرحي على “أن المسرح مكان للمتعة وليس للضحك، وإن يكن كوميديا أو تراجيديا فالمتعة هي الحاصلة وبيت القصيد، فالعرض المسرحي من سماته الضحك ولكنه ضحك يحمل رسالة”.

مسرح سعودي حقيقي 

في ظل ما تشهده الساحة الثقافية عامة والمسرحية خاصة في السعودية من جهود للنهوض والاهتمام، أشادت عبدالله بما يشهده المسرح السعودي بالذات من استفاقة ورغبة أكيدة للنهوض والعودة به من قبل وزارة الثقافة، ظهرت بشائرها بتأسيس هيئة المسرح والفنون الأدائية، وتكوين فرقة المسرح الوطني، وبدت البهجة على محياها أثناء تدشين المسرح الوطني حين قالت “لم أتمالك نفسي من البكاء حين شاهدت العرض المسرحي وقت تدشين المسرح، بكاء الفرحة، وتحقق الحلم وتحويله إلى واقع“، فلطالما كانت عبدالله آل مريع القلب المنشغل بالمسرح رافعة لواء العودة إلى مسرح حقيقي يحظى بالقبول والاستحسان، “مسرحا كلاسيكيا أخلاقيا واضحا دون تخريب أو تقريب ومجردا من التشيؤ”، موجهة دعوتها إلى المسرحيين أن يعززوا الحب بينهم والتكاتف ونبذ حب الذات “فالمسرح لا يعرف الأنا. ما يعرفه هو الجماعة”.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح