أخبار عاجلة

ملامح ومميزات النص المسرحي الجديد – عباس الحايك #السعودية

من مسرحية “جي بي إس” إخراج محمد شرشال – الجزائر

ملامح ومميزات النص المسرحي الجديد – عباس الحايك #السعودية

حين نطل على التحولات التي طرأت على النص المسرحي وبنية وشكل كتابته، نلحظ أنه كأي فن أو شكل إبداعي آخر، لم يجمد أو يتأطر، بل كان مواكباً للتغيرات والتطورات على الصعيد اﻻجتماعي والسياسي واﻻنساني، فالنصوص الحديثة ليست بالضرورة تشبه النصوص الأولى التي أبدعها سوفكليس وأوربيدس ولا حتى ما أبدعها شكسبير وبيكيت وابسن.. وغيرهم.

النص المسرحي أو playwright بالإنجليزية، كمصطلح لم يكن دارجاً إلا بعد أن أطلقه الشاعر والكاتب الانجليزي بن جونسون وهو المعاصر لشكسبير، فقبله كان النص المسرحي شعراً ومن يكتبه شاعر، وهذا ما جعل النص المسرحي يعد شكلاً أدبياً بحتاً، وجعل من الكاتب المسرحي متسيداً على العرض المسرحي، وعرفت كل مرحلة زمنية مسرحية بكتابها، فالمخرج لم يكن حاضراً وسيداً على العرض كما هو الحال الآن. فحين نتناول المدراس المسرحية مثلاً، فنحن نلتقط تجارب الكتاب المسرحيين. فكل الأسماء الحاضرة في ذاكرة المسرح قبل أواخر القرن العشرين، وقبل ظهور الفرقة المسرحية للدوق (جورج الثاني) دوق مقاطعة (ساكس ماين نغن) لأول مرة في العام 1874م، كانت أسماء كتاب مسرحيين، وكانوا يمارسون دور إدارة العمل المسرحي بالإضافة للكتابة المسرحية، فشكسبير كان يدير فرقته وكذلك فعل موليير وأبسن وغيرهم من كتاب مسرح، قبل بزوغ أنجم المخرجين المسرحيين منذ ستانسلافسكي ومايرخولد وآخرين، حتى وقتنا الحالي الذي أصبح المخرج هو السيد على العرض المسرحي.

النص المسرحي ظل لسنوات طويلة وفياً للصيغة الأرسطية في الكتابة، التي نظر لها أرسطو في كتابه الشعر، حتى جاء شكسبير متجاوزاً التراجيديا القدرية التي سيطرت على النص اليوناني، وقدم شكلاً جديداً من المسرح، واستمر كتاب المسرح بالتجريب على شكل الكتابة ومضامينها، وفقاً لطبيعة الحياة ومتغيراتها، فجاءت الرومانسية لتقدم اسلوبها الذي اعتمد على كسر الوحدات الثلاث (وحدة الموضوع ووحدة الزمان ووحدة المکان) والتي  دافعت عن حرية الإبداع، ومزجت بين الكوميديا والتراجيديا منطلقة من فلسفة “جان جاك روسو Rousseaux الداعية إلى العودة إلى الطبيعة والثورة على مجتمع المدنية والفساد. كما يدافع هذا المذهب كثيرا عن فن الفرد والشخصية وتشخيص الذات والإيمان بالعاطفة بدل العقل” (1)، ووصل المسرح بتجاربه وتجريبه إلى أن ينزل التراجيديا من برجها العاجي، ويكون الصراع الذي تستمد منه الدراما وجودها وحيويتها بين الآدميين، وهذا ما فعله هنريك أبسن، حين قدم (بيت الدمية) التي أحدثت جدلاً في المجتمع الدنماركي وشكلت أعماله منعطفاً كضمون وشكل الكتابة المسرحية وعد من رواد “الواقعية التعبيرية، التي تتسم أحداثها بالتسلسل الطبيعي والمنطقي، وتنقل للمتفرجين صورة واقعية للحياة البشرية. وهكذا تميّزت أعمال إبسن بالعمق الإنساني، وجرأتها في طرح الموضوعات الاجتماعية الحساسة، مثل: الكذب والنفاق والمظاهر الخادعة” (2).

التيارات الفلسفية التي ظهرت في القرن العشرين كان لها أثر في ظهور تيارات ومدارس أثرت الفنون والآداب ومنها المسرح. فظهرت الرمزية التي انطلقت من فكرة رفض الواقعية وأن الفن للفن، وظهرت التعبيرية مع ما قدمه أوجين أونيل، والتي رفضت مبدأ المحاكاة الأرسطية واتخذت من الرؤية والنفسية والمعاناة الذاتية موضوعاً لها. وظهرت أيضاً التكعيبية التي ظهرت أكثر في الفن التشكيلي لكنها كانت التيار الذي كتب فيه برانديللو مسرحيته (ست شخصيات تبحث عن مؤلف)، وظهر العبث مع مسرحيات بيكيت ويونسكو الذي كان ينطلق من اللامنطق وعد شكلاً من أشكال ما بعد الدراما، وجاءت الملحمية التي نظر لها وكتب تحت لوائها (بريخت)، والتي كانت من إفرازات الحربين العالمين الأولى والثانية، والتي بينت التعارض الصارخ بينها وبين النظرية الأرسطية، التي دعت لمشاركة المتفرج في عملية التلقي.

النص العربي وأثر التحولات

المسرح العربي كان متأثراً بهذه التحولات التي طالت النص المسرحي، فبعيداً عن جدل الريادة، ومن بدأ المسرح، لم تكن بدايات المسرح بنصوص يمكن الوقوف عندها، كونها كانت ترتكز على العرض المسرحي ومحاولة تقديم فرجة تتأسس من خلالها ذائقة المتفرج العربي، لاحقاً بدأ كتاب المسرح بالظهور، كتاب مهمتهم الكتابة وليس لهم علاقة بمهام المسرح تمثيلاً أو إخراجاً، وكانت نصوصهم لا تعدو عن كونها محاكاة لتيارات المسرح الغربية، فبدا التأثر جلياً بالكلاسيكية والعبث والواقعية الاجتماعية التي كانت الأكثر حضوراً في الأعمال المسرحية الاجتماعية الجماهيرية، وتجلى التأثير الأكبر على النص المسرحي العربي لملحمية بريخت، حيث أثر التغريب وكسر الايهام على كتاب المسرح منذ الخمسينيات، إذ بدأ أثره على نصوص محمود دياب، ويوسف العاني، وقاسم محمد، وعز الدين مدني .. وغيرهم. التحولات أيضاً طرأت على تجارب فردية، كتجربة سعد الله ونوس الذي كتب جل نصوصه تحت تأثير هزيمة حزيران، والأحداث السياسية المتوالية، لكنه تجاوز تجربته في نصوصه الأخيرة خاصة (طقوس الإشارات والتحولات).

سيرة التحولات سيرة مفتوحة، فالنص المسرحي حي وينبض بالحياة، فالمجددون دائماً ما يبثون فيه الحياة، فكل تجربة جديدة هو نبض جديد. فحين خرجت دعاوى تأصيل المسرح إلى النور، وبحث المسرحيون العرب عن أشكال جديدة وكتبوا نصوصهم وفق هذه الأشكال فإنهم جددوا في النص المسرحي، وحتى حين أخذ المسرح منحى أكثر جلاءً نحو التجريب، ودخل النص معمل الورشة والدراماتورج وبدا تأثير الإخراج على النص المسرحي، والبعد البصري، فإن كل هذه التجارب هي تجديد، يترك أثره على شكل الكتابة المسرحية ومضمونها.

في هذا المقال البحثي سأقرأ تجارب عدد من كتاب المسرح العرب الشباب الذين تجاوزوا تقليدية النص المسرحي في بنيته الدرامية، وفي مضمونه، وحتى في حواراته وشخصياته، هي نماذج لنصوص مسرحية تؤكد على حداثة التجارب الكتابية الجديدة ومحاولاتها للخروج بصيغة حديثة تناسب زمنها وتناسب طبيعة الشخصية الشابة بكل ما تحمله من هواجس.

المضامين

قبل سنوات ترددت دعاوى للعودة للتراث وإحيائه عبر النص المسرحي، وفعلاً تنادى عدد من الكتاب المسرحيين خاصة في الخليج لكتابة نصوص تنتصر للتراث الشعبي وللبيئة المحلية، والاشتغال على مفردات خاصة، واستمرت هذه الكتابة لسنوات، وتبدو هذه الدعوات امتداداً لدعوات تأصيل المسرح، لكن في الوقت الحالي يبدو موضوع التراث موضوعاً لا يغري كتاب النص الجديد، فهؤلاء الكتاب يعيشون في زمن انطبع بإنسانيته الشاملة، لذا مالت النصوص المسرحية الحديثة إلى مضامين إنسانية، فما عادت تلك الموضوعات التي تتناول قضايا محلية خاصة تحفز الكتاب الشباب على ملامستها في نصوصهم، فنجد أن النصوص عابرة للمكان والزمان. وقابلة لأن تنفذ أينما كان.

نغريد الداوود (الكويت)

فحين نطالع نصوص الكاتبة الكويتية تغريد الداود، نجدها تتناول قضايا إنسانية، ولم تقتصر على المجتمع الكويتي، ففي نصها (على قيد الحلم) مثلاً، تصور لنا كيف يمكن للأحلام أن تكون تحت طائلة الرقابة، وتتخيل لو أن الأحلام تكون خاضعة للمحاسبة والمحاكمة. النص ساخر، لكنه كان عميقاً في ملامسته لهذه الموضوعة. وتطلق صرخة خوف من بطل المسرحية:

الحالم (صارخا): أيها الراقدون والراقدات.. الغارقون في سبات، هل يرضيكم أن تستيقظوا على قهر! تاركين خلفكم أحلاما مشوهة لا تشبهكم؟”. أما المسرحي إبراهيم الحارثي فيكتب نصه (المشهد الأخير لوداع المهاجرة) في قراءة درامية لقصة تاريخية ذات بعد ديني، يقرأها ويضفي عليها بعداً إنسانياً ويجردها من تاريخيتها ومن بعدها الديني، فنقرأ النص بعيداً عن ما التصق في وعينا حول حكاية المسرحية. في النص لا أسماء صريحة، الأحداث تدور بين ممثل وممثلة، فيمكن بذلك أن ينفذ على أي خشبة مسرحي، وهنا يتجرد الفعل من المكان والزمان:

تضع يدها على وجهها تتحسسه، تنتقل للطرف الأيمن ..

الممثلة: تبخل علي حتى بوداع يليق بي، وداع أستحقه، تُسرع خطواتك نحو الهناك و تتركنا في جوف الوجع، الليل يصب صوته في قلبي لأزداد وحشة يا سيدي، سيدي المكان هذا يأكله الصمت، لا صوت فيه إلا نبضي أنا و طفلي ..”

الحرب، بكل افرازاتها تبدو موضوعأ محفزاً للتناول في النص المسرحي الجديد، حتى عند الكتاب الذين لم يعاصروا حرباً قريبة، أو لم تترك الحرب أثراً على أرواحهم، فما الذي تفعله الحرب إذاً في من صارت الحروب والأحداث السياسية الضاغطة مواكبة لأعمارهم. الكتاب العراقيون من الجيل الأول وما بعده، يبدون أكثر قرباً من مفردات الحرب، ولكن هذه المفردات تسربت أيضاً لنصوص الشباب، فها هو علي العبادي الكاتب المسرحي العراقي، يتناول تأثيرات الحروب التي مرت على العراق، ومر بها العراقي، في نصوصه لا يمكنه الفكاك من رائحة الموت والقتل والتفجيرات، فحتى حين تنتهي الحرب تحضر الاحتجاجات، أثرها، وكيف تترك في النفس انكساراً لا يبرأ. ففي نصه (حمام نسوان) جدل على ما تخلفه الأحداث العراقية، ما يخلفه الدم والقتل اليومي، ما يخلفه سقوط الشهداء حتى على حكايات الحمام النسائي، فلا مكان لحكايات الأزواج والحموات، ولا حكايات الطبخ ولا الروتين اليومي، بل حكايات كل ما يحدث في الشارع، ولا اغتسال بالماء، بل اغتسال بالدم:

“الأمّ: (وهي مستمرَّةٌ بالاغتسالِ) ومن قالَ أنّ الحروبَ تمزحُ معنا؟ ومن قالَ أنّ السكاكينَ لا تثملُ بغيرِ دمِنا ؟ ومن قالَ أنّنا على قيدِ الحياةِ؟ هذا الذي ترونَه ليس دماً بل بقايا لأناسٍ، ماتُوا بطرقٍ شتىً، (تغرفُ الدمَ من الأناءِ بالطاسةِ وترفعُها عالياً ثمَّ تسكبُهُ بالإناءِ) هذهِ نياشينُهم … هذهِ نياشينُهم، حيثُ كانوا هنا، وذهبُوا … ذهبُوا … في تلكَ اللحظةِ التي أُعلِنَ عنهم بطريقةٍ رسميّةٍ أنّهم جثثٌ، فأرادوا أن يصافحونا وهم على أعتابِ الغيابِ، ولضيقِ الوقتِ تركُوا لنا هذهِ النياشينَ.

المرأةُ الثالثة: جثثٌ … جثثٌ … ماتُوا بطرقٍ شتىً … ونحنُ ننتظرُ بشتى الطرقِ بصيصَ أملٍ منَ اللاشيء”.

الحرب لا تنفك أن تكون كابوساً يقض مضجع الكاتب المسرحي، فتسحبه إلى عوالمها، وتقربه من مفرداتها وأوجاعها. فيكتب عنها، وإن لم يعشها.

أحمد أبو دياب (مصر)

في مونودراما (ثاقب النايات) للكاتب المسرحي المصري أحمد أبو دياب، ورغم ملامح الحكاية المصرية، إلا إن الشخصية لا تحمل ملامح خاصة بمكان أو زمان، فثاقب النايات يتساءل عن ما يفعله الانسان بنفسه، وعن الآلة التي بددت إنسانيتنا، وحولتنا إلى آلات، يبحث أبو دياب جدلية الإنسان والزمن، ويبث الأسئلة القلقة عبر نصه، حول مصير الإنسان في زمن الآلة، هي ذاتها تلك المخاوف التي اطلقها الفنانون والكتاب منذ النهضة الصناعية، وهل ستحل الآلة محل الإنسان، في النص يقول ثاقب النايات بعد أن انتهى من ثقب الناي:

“كأن الآلة كيد قد كاده البشري فعاد إلى نحره، كأن الطبيعة تسخر منا في هدوء وهي ترى الإنسان يدحرج نفسه نحو الهاوية عن عمد. ابتلعت الآلة يد الإنسان الذي أنشأها!، الآلة التي صنعها بنفسه هل قد لا يستطيع إيقافها يومًا ما وتلتهمه؟”.

النص المسرحي بعين مخرج

يتميز النص المسرحي الجديد، بأنه تجاوز الأدب، فلم يعد النص المسرحي جنساً أدبياً خالصاً، بل فن مستقل، وكما يقول الكاتب المسرحي المصري الراحل علي سالم “المسرح ليس أدبًا، بل هو فن. فالأدب أداته اللغة، بينما الفن أداته الفعل. بالطبع هناك بينهما مساحات من الأرض المشتركة، غير أن المسرح يظل فنًا قائمًا على الفعل وأساسه فن التمثيل” (4)، فاللغة هي الفضاء المشترك بين المسرح كفن وبين الأدب. وحين أقول أنه تجاوز الأدب، فإن النص المسرحي في البدايات وحتى في المسرح الغربي كان جنساً أدبياً يكتبه شعراء، لكن ما يميز المسرح الحديث أن كتاب النص غالباً ما يكونوا جاءوا من خلفية مسرحية، ومارسوا شكلاً مسرحياً، تمثيلاً أو إخراجاً، وهذا ما يجعل من نصوهم تتميز بأنها تكتب برؤية إخراجية، وليس برؤية أديب.

تعرف الارشادات المسرحية بأنها ملاحظات الكاتب، وهي نص مواز للحوار الدرامي في النص المسرحي، كما أنها عبارة عن فقرات سردية وصفية، تطول وتقصر، منها ما يكون فاتحة للمشهد أو خاتمة له، ومنها ما يتخلل الحوار. وتسمى الإشارات المسرحية، والإرشادات الإخراجية، والإرشادات المسرحية، والإرشادات الركحية، والتوجيهات المسرحية، والنص الثانوي، والنص الفرعي، والنص المرافق.(5)، وقد اعتنى الكاتب المسرحي حديثاً وبشكل أكبر بحضور الارشادات الاخراجية، لأنه يكتب بعين مخرج، ويكون المتخيل أيضاً حاضراً أثناء الكتابة، فالارشادات المسرحية في النص المسرحي الجديد هي مقترحات إخراجية وتوضيحية للكاتب، تعين المخرج على اجتراح رؤيته الجديدة. في نص (على قيد الحلم) تكتب تغريد الداود مقترحها الاخراجي، حيث تستهل نصها بشرح السينوغرافيا، ومقترحات الأداء التمثيلي كمدخل لتنفيذ النص، وفي نصها أيضاً لا تنفصل عن خشبة المسرح كفضاء أداء، بل يمتد مقترحها الاخراجي إلى خارج الخشبة وإلى مساحة التلقي بالتحديد:

“أفراد الجوقة يدقون دقات منتظمة بواسطة المدق، تدخل فتاة الأحلام من ناحية الجمهور، شابة جميلة تكتسي ثوبا طويلا بلون أبيض تتهادى بمشيتها كالعروس في موكب زفافها، على إيقاع دقات أفراد الجوقة على المدق، حتى تصعد إلى خشبة المسرح وتقف بجانب الحالم، ينظر إليها الحالم ويبتسم بفرح وهو يتأملها”، كما أنها لا تتعامل مع الخشبة كفضاء حدث، بل فضاء أداء مسرحي، مدركة تماماً ماهية الخشبة، ففي نصها توظف الكالوس أيضاً:

” ينتفض الحرس وهو يتوزعون على المسرح، بقصد التفتيش، تتغير الإضاءة مع انتشار الحرس لتكشف عن كامل المسرح، الحرس أثناء تفتيشهم يثيرون الفوضى من خلال بعثرتهم للأشياء فيبدأ المسرح بالتكدس شيئا فشيئا، من داخل الكالوس يتم قذف الأشياء، أولها غطاء للفراش، يتبعها مخدة كبيرة الحجم، ثم تتوالى جرائد، لوحات فنية، مجسمات وتماثيل، وكم هائل من الكتب”.

هذه الكتابة نابعة من حس إخراجي، وليس حس أديب يقتفي أثر اللغة أكثر مما يقتفي أثر الفعل المسرحي.

ابراهيم الحارثي (السعودية)

إبراهيم الحارثي أيضاً والذي ولج باب الكتابة بعد أن أبدع ممثلاً، فأبدع كاتباً، يكتب بذات الحس، فيكون كاتباً مسرحياً لا أديباً رغم قدراته اللغوية، وميله الشعري، ففي (المشهد الأخير لوداع المهاجرة) يصف ما يدور على فضاء العرض:

” حركة بطيئة على الخشبة ممثل وممثلة، يتحركان في أرجاء المسرح، صوت بكاء لطفل، تتحرك المرأة، يهدأ صوت الطفل. إضاءة زرقاء، مكان موحش، اللعبة المسرحية هنا يجب أن تشارك بها الإضاءة، لأن الإضاءة تلعب دورا مهما في تشكيل الوحشة لهذا المكان بالذات، فضاء المسرح ينبت منه نباتات عارية الأوراق، جافة و ليس بها إلا فروع فارغة، تتجه إضاءة بيضاء من الجانب الأيسر للمسرح و مثلها من الجانب الأيمن، تتقدم الممثلة للأمام و يتراجع الممثل للخلف ..”، هنا يتجلى المسرحي في نصه، ويتجلى اشتغاله المسرحي وحسه الاخراجي.

ورغم أن أحمد أبو دياب قاص، وعادة ما يتحيز القاص للحالة السردية، كما يتحيز الشاعر الذي يطرق أبواب الكتابة المسرحية لبلاغة اللغة وفخامتها، إلا أنه قي نصه (ثاقب النايات) يوازن بين أدبية النص المسرحي، وبين النص المسرحي بدراميته، ففي نصه حضور طاغي للشعر، ولكن هذا لم يمنع من أن يكتب بعين مخرج كما غيره من كتاب النص الجديد، ففي نصه:

“(يبدو المسرح أسودًا بغير إضاءة ما عدا بقعة ضوء تحدد الشاب وهو جالس في مكانه على الأرض، معه قطعة القصب والآلة الحادة، يحاول صناعة ثقب جديد خلف القصبة، بينما يقول مخاطبًا الجمهور)”.

 

الحوار والطاقة الدرامية

الحوار الدرامي وجد ليقال أي يقوم على فعل وليس الروى، لهذا كان له مواصفات معينة لابد من توافرها ليصبح دراميا وليس سرديا، وذكر الدكتور فؤاد الصالحي هذه المواصفات في كتابه (علم المسرحية وفن كتابتها)، ومن هذه المواصفات، التوالدية، والاقتصاد، والواقعية. ويغلب على النص المسرحي الجديد هذه المواصفات، ومواصفات أخرى تجعله حواراً درامياً لا حواراً أدبياً يستعرض اللغة ومفرداتها.

في نماذجنا التي نقرأ فيها ملامح النص المسرحي الجديد، نلحظ الاقتصاد في نص علي العبادي:

” الأُمُّ : (بحزنٍ عميقٍ) لا أعرف .

 المرأةُ الثالثةُ : لنستثمرِ الوقتَ .

 المرأةُ الثانيةُ : الماءُ بدأَ يبردُ .

 الأمّ : هل أصبحَ مثلَ جثَّةِ ابني ؟

 المرأةُ الثانيةُ والثالثةُ : لا نعرفُ .

 المرأةُ الثالثةُ: عشرةُ طعَناتٍ ألا تكفي ؟

 الأُمُّ : (بغضبٍ) ثلاثونَ طعنةٍ .

 المرأةُ الثانيةُ : عشرون طعنةٍ .

 الأُمُّ : (بغضبٍ شديدٍ) ثلاثون طعنةٍ .

 المرأةُ الثالثةُ : هل يؤلمُكِ هذا العددُ ؟”

هذا الاقتصاد يعطي حيوية للحوار، حيث لا يستجدي العبادي انتباه متلقيه عبر ثرثرة حوارية زائدة، فتكفيه بعض العبارات التي تفي بغرض حواره، وهذا ما يفترض بالنص الجديد أن يكونه. أن يكون رشيقاً، حيوياً، ويكفيه اقتصاد اللغة.

التوالدية، هي أن “الحوار ينتقل – بمنطقية وتسلسل – من نقطة إلى نقطة. وهذا النمو والتوالد هو السلاح الرئيسي في يد الكاتب لنمو الحكاية” (6)، وفي حوار بين الممثلة والممثل في نص إبراهيم الحارثي (المشهد الأخير لوداع المهاجرة )، تتجلى هذه التوالدية المهمة كعنصر هام من عناصر النص المسرحي:

علي العبادي (العراق)

” الممثل : الطفل ..

الممثلة : الطفل !!،هل تخاف عليه فعلا ( تتجه نحوه )

الممثل : بالطبع أخاف عليه،ما هذه الأسئلة الغريبة التي تكاثرت فجأة ؟

الممثلة : هل أخبرك بسر صغير ؟!

الممثل : الأسرار أحاديث لا هوية لها،لا تنجب الأسرار سوى الضياع غالبا

الممثلة : حسنا لن أخبرك ..

الممثل : لماذا تفهمين الكلام دائمًا بشكل مختلف عن ما نريده نحن ؟

الممثلة : نحن ؟!

الممثل : نعم،نحن،أنت لا تريدين اخباري بالسر،أنت فقط تودين أن تشعلين في داخل القلب جمرة لا ينطفئ نارها أبدًا

الممثلة : سأخبرك،لا لشيء،و لكن حتى تهدأ النار التي ستشتعل إن لم أفعل”.

أما الواقعية التي يتصف بها الحوار المسرحي في النص المسرحي الجديد، فتعني أن الحوار ” يعبر عن شخصية قائله، فلا يمكن الخلط بين حوارات الشخصيات ومستواها التعليمي والاجتماعي، فلكل اسلوبه في الكلام، كما هو الحال في حياتنا الواقعية” (7). وهذا ما وعاه كتاب النص الحديث، فلم يكتبوا نصاً بحوارات تشبه بعضها بعضاً، بل يمكن قراءة ملامح الشخصيات وابعادها من خلال الحوار، فالحوار يكون واقعياً حينما يكون نابعاً من طبيعة الشخصيات والأحداث.

هذه بعض ملامح ومميزات النص المسرحي الجديد، وهناك مميزات أخرى تثبت مدى التحولات التي طرأت على النص المسرحي منذ بداية التأسس حتى وقتنا الحالي الذي بدا كل شيء متغيراً متبدلاً، بل مختلفاً عما كان.

عباس الحايك – السعودية

(سما ورد)

المراجع:
  1. “بيت الدمية” .. مسرحية هزت اوروبا تحكي كيف خلعت المرأة عنها ثوب العبودية -دانيا يوسف – الدنيا نيوز- 2019-11-16
  2. ملامح التجديد في النص المسرحي العراقي- حواريات (فؤاد التكرلي) أنموذجاً- الدكتور محمد عبد الزهرة محمد- كلية الفنون الجميلة بجامعة البصرة-موقع https://www.iasj.net/
  3. غرفة القراءة المسرحية- على سالم- الشرق الأوسط – العدد [13461]
  4. الإرشادات المسرحية واهميتها في النص المسرحي- عباس الحايك
  5. فؤاد الصالحي، علم المسرحية وفن كتابتها، تالة للطباعة والنشر، الطبعة 2001.
  6. ماهية الحوار المسرحي- حمودي بن العربي، الحوار المتمدن-العدد: 3106 – 2010 / 8 / 26
  7. ملخص لورشة كتابة مسرحية- عباس الحايك

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح