مقالات: حواضن (الحَجّاج) وتحوّلات حواضره في مسرحيّة … (مُكاشفات)

يستندُ أي خطاب إبداعي-بمعزل عن طبيعة الإختزال التدريجي لمعنى جوهر هذه التسمية-على جملة من تماثلاتٍ نوعيّة، تَفي أو تساند أواصر مساعيه نحو هوادف مضامينه التشخيصيّة والتعليليّة، وفي بلّورة عموم مهام وجوده التفاعلي مع موجوداته الواقعيّة، وسلسة تَقابلات مقاصده، سواء أكان ذلك في متون الضد من مرايا الاختلاف، أو ال(مع) من متون وحواف الاتفاق أو التقارب من ضفاف تلك التَماثلات، والتي تُعد ميزةً تنافسيّة حيّة ونابضة في حواضنِ تأملاتٍ وفحص لقراءاتٍ وتوابع لتحليلاتٍ مُتعدّد ومتواثبة نحو ذلك الخطاب، مُثمِنةً لحوافل ما يحمله النص الواحد من تأويلات. تُباغت وعينا-أحياناً- البعض من تصايحات التجّني والغمط وتَشاحنات الشَجب بالتقليل من قيمة المُنجز الإبداعي، بإزاء تفويض نوعٍ محددٍ من مَجسات وتلامسات النقد، ومن يدانيه في (قُدسيّة) تلك الممارسة المرهونة بالوعي، والمَحكوُمة بعدة دوافع وتقصّداتِ مناوراتٍ تمهيديّة، منها ما يَحفر ويُعمّق ليؤكد من حرارةِ حرصٍ وجهدِ مساعٍ مضيئة وشاخصة في ترصين وجود مثل هذه التجارب -على اختلاف اشتغالاتها-، ومنها ما يطفو ويلهو فوق (وغف) سطوحٍ هُلاميّةٍ رخوة- بقصدٍ أو بغيره- لكي يُضادد تنويعات الواقع والنهج المتوقع بالسعي لتضليل الكثير من مآثر حقيقة ما قَدّمت بعض التجارب المسرحيّة -مثلاً-من تلك التي بَرهنت- عبر رِهانات نجاحات راسخة في قاع وبنيان معماريّة المسرح العراقي منذ عقود و وعُسر ِسنوات -على أهميّة وحتميّة وجودها- بالأخص- في نسيج وثنايا وضعنا الحالي الشائك والمُضطرب في أحسن أحواله. ربما…أكون – قصداً- قد تَباطأتُ في تناول مهابةِ عرض مسرحي، باذل الجهد ، بارع المُتعة والتأويل، وتألق المسعى لترصين متانة خطابٍ تحريضيٍ يشي بالكثير من متواليات فحص خواص حاضر -اليوم بلومس ومجسات ماضٍ ينبغي أن يكون معروفاً في خواطرِ ذائقةِ و ذواكر ممن قَرأ أو تداول سيرة وشخصية(الحجّاج بن يوسف الثقفي)المثيرة للريبة والقرف، والمعروفة في درجات (رُقيِها) وقُربِها من سوائد الظلم ومدونات تأريخ البطش وتصدير شرائس الديكتاتوريات الُمتوارثة من رحم متواليات القمع والتدامي باللهاث من أجل التشبث بكرسي السلطة وسطوة الحكم. هنا… يتناذر القصد ويترابط مع متممات سطوع غايات مسرحية(مكاشفات) التي أعدّها المعلم الكبير(قاسم محمد) في العام/1995، وجاءت تهجياّت المُخرج المُغامر(غانم حميد) نهاية العام/ 2015 بحروف ومفاتيح متداخلة لتفتح كوة الدخول والنزول إلى سلالم محاولات تنقية شوائب ما عَلق بهذه الشخصيّة التي أحاط أبعادها وتقلباتّها باحتراف وعي عالٍ وخبرةٍ أدائية فائقة (ميمون الخالدي) حين تماهى مع تحوّلات شخصيّة (الحجّاج) كما أرتيَاها (قاسم وغانم) في شروط مكاشفتِيّهما التحديثيّة والتتابعيّة مع ما حَفلت بها عروض متوالية في كل من(عَمان) و(بغداد) و(الكويت)، مُمتثلةً للمسرح العراقيٍ في مهرجان المسرح الأردني نهاية كانون أول/2015، ومهرجان المسرح العربي بدورته الثامنة/دولة الكويت منتصف كانون ثانٍ/2016، وحيال عرضيّن على خشبة المسرح الوطني وقعت ما بين فترات إقامة دورة المهرجانيّن المذكوريّن، فضلاً عن فضائل الثناء بقدرات (شذى سالم) الأدائيّة ونبوغ مرّاسها بالوصول نحو مستويات ما بلغته من عمقِ أثرٍ وبراعةِ حضورٍ تكلّل بتجسيد شخصيّة (عائشة بنت طلحة) غريمة ومحنة فضح كل كوامن تشظيّات الأدوار التي مرّ بها (حجّاج) الراحل (قاسم محمد) والمحّرض الإبداعي في استنهاض روح ذلك النص المخرج (غانم حميد)، إلى جانب تلّوينات ومهارات الفنان (فاضل عباس) وتقريظاتها المُدهشة لكل الشخصيّات التي ألزمت وجوده على حلبات صراع تحّوّلات وتوافدات دورة (الحجّاج) في طبيعة تلاقح وتوالد تنامياّت ديكتاتورياته بمثول وجوه وأقنعة تراوحت ما بين(رجل دين/شيخ عشيرة/ختّان أطفال/قارع طبول/عاشق/ شاذ) وغيرها من تمريرات وتقابلات ما جسّد (فاضل)من أدوار تكامليّة تناوبت هي الأخرى ما بين (حاجب/ سركال/ جندي/ بهلوان/ ومهندس طائرات/سمسار) وغيرها من تقديرات دلاليّة وبلاغيّة نفعيّة، حتمّتها انتحالات الشخصيّة الرئيسيّة والمحوريّة في سموات قسوتها وابتلاءات طيشها وبطشها المتواصل عبر مختلف المراحل والعصور، وشاء قبول كل هذا الضيم من قِبل هذا البهلوان المتقلّب،بما ناءَ ليرمز لكل عموميّات أغراض العرض، بالتأشير نحو طحالب الطبقات الطفيليّة والمُتملقة لجاه ومال كل أشكال تجنيّات السلطة، التي تَحكم شعوبها بالنار والحديد، ولعل الخوف هو المعادل الموضوعي الذي من شأنه أن يجعل الناس أشراراً، كما يُسهم في صُنع الطغاة عبر جميع مراحل تأثيراته، وعبر جميع تحوّلات ما جاءت وجادت به(مكاشفات) من اختزالٍ مُحنك لشخصيّة (الحجّاج)، الذي أوصل أوضاع الناس بالخروج في تظاهراتِ إحتجاجاتِ غضبٍ عارمٍ من انفكت تضرب ب (تسونامياتها) ما حدث من ثورات ما سُميّت ب(الربيع العربي) وما شاكلها من تظاهرات في العراق -تحديداً- عند نصب الحريّة. لقد تناسق كل ذلك وفق منظومات اجتراح وعي مطلق، حدا بالمخرج ابتكر غيرها من مستجدات ظروف والتياع تداعيات سعى إلى ضمّها ورصفها إلى جانب مخرجات عقائديّة-أوليّة كان المُعد الراحل (قاسم محمد) قد أستشرف- خلال فترة إعداده وكتابته للنص منذ أكثر من عقدين- باصراً لبواعث بعضها في ذلك الحين من منافذ ومسارب معطيات واقعِ حاضرٍ مُعاشٍ احتمى بلُجج التأريخ القمعي والتتابعي لأكبر وأشهر علاماته الشريرة من خلال اختزال مُحكم، طيّع وعنيد في بث شفراتٍ وتوريد علاماتٍ بالغة الوضوح والأثر، من حيث سعة المكان وتنويعاته البصريّة وتقديراته لكل هذه التحوّلات والمجاورات الحاذقة والجرئية في بناء وحدات الديكور وفرش أرضية المسرح -برمتها- بالقطن المندوف، الذي يحاول في تمهيد المشهد الأول للمسرحيّة أن يبعثره (الحجّاج) بسيفه، تخلصاً من سطوة البياض، الذي يزاوج مابين الكفن والمهد في ذات التصارع، مع وحدات أخرى أخذت دورها في تحريض مسالك العرض وتعرياته المُثمرة في الوصول إلى سلسلة من تبريرات وتحذرات وتوصيلات، أثابها المخرج بتمرير الزمن من مجرى وعي اقتراحات وتوضيحات واستعاراتٍ ذات لازماتٍ غنائية، لها خواصها الزمنيّة المعروفة مثل، أغاني (داخل حسن) و(سعدي الحديثي)، فضلاً عن حوارات وتقمّصات شعبيّة، عمقّت من ثقل ومتانة الحدث وحميميّة المشهد، في عزِ ذلك التخاطر الذي تدعيّه الطريقة وتنتمي إليه (الغروتسكيّة) كأسلوب إخراجي يتيح للمشتغل به إمكانية المزج واللعب الإبداعي مابين الأنواع المُختلفة والمُتنوعة، بغية تأجيج المواقف المتضادة داخل بنية النص ومعادلات الإخراج، وبما يجعل من الفضاء المسرحي العام فضاءاً حُراً ومتداخلاً مع مقتنيات طقوس شعبيّة وتداوليّة، تزيد من لهفة المتلقي من تحسسات الفكرة ونقيضها، وبما قد يشكّل صدمةً ومتعةً لديه في آن واحد. استثمر العرض روح السخريّة القاتمة والتقريع الذكي من جهة، من دون أدنى تفريط بهيبة وجزالة اللغة الفصحى والنصوص الشعريّة التي تمّ اختيارها في سياق النص العام من جهة ثانيّة، ليشكل هذا التلاقي حيويّةِ نبضٍ وسحر تعاملٍ حيّ وجوهري ما بين الشيء ونقيضه، كان قد تغلغل داخل بنبة العرض الذي تباهى بتثبت المنبر أو العرش على يسار الخشبة، وليبقى رابضاً، مستبداً طوال مدة المسرحيّة، التي تغيّر فيها كُل شيء سوى هذه الكتلة الصامدة، بوجه المُشاهد وبوجه كل التحديات وتغيّرات الظروف و الأزمنة التي مرّت، من أمام تلك الكتلة بتعددّ وتنوّع ترميزاتها، والتي منها ينطلق ويرتقي الديكتاتور أو الطاغية ومن يدانيه منزلةً سلالم المجد للتمتّع بجبروت السلطة وبجميع مسمياتّها وأنساق تحوّلاتها، فثمة جرأة خالصة، تستحث معنوياتها من قيمة الدلالة وتأثير العلامة التي أوصلت العرض نحو حرائق حضور نهايته واندلاع طوفانٍ هائل من تداخلات صوريّة ومناظر وأصوات عبر(الداتا-شو)، كلها زادت من وحدة وحدّة التناسق ومجريات الاحتجاج،من فِتون بلاغة التأثير ومجريات الضوء ومسوغات (السينوغرافيا) للفنان المبدع(علي محمّود السوداني)، ولم يغفل العقل التظيريّ لهذا الانجرار الطوعي في تثبيت سواند الإدانة لكل المؤهلات التي تلامس فكرة النيل من السلطات الغاشمة، وبما فيها السلطة الدينيّة، ضمن براعة التضمين لهذا المضمون من لدن المخرج الذي فرض تحليلات توضيحيّة وجدتها تقترب من مقولة للأديب الروسي (سولجنتسين) يعلن فيه؛”لا بد أن نَبعد الخطاب الديني عن أصحاب الرؤوس المجنونة … العالم بحاجة إلى دقات قلبٍ،لا إلى قرع طبول”.

أخيراً… لابد من مداخلة يبدو الاعتقاد فيها واثقاً – بعض الشيء- تتعلق في لمس الكثير من لوازم تلك المَحاذير اللاشعورية التي جاست بها هذه المسرحيّة الإشكالية أرض الترشيح في قائمة الفوز بجائزة الهيئة العربيّة للمسرح في الكويت، وليكفي مجرد ذِكر وحَمل أسم (الحجّاج) لها-ربما- مدعاةً لذلك التعلل والاحتماء بذريعة منعها من الوصول إلى تلك القائمة، ولمن يناور- متدّرعاً،متذرعاً-  بعدم قبول مثل هذا الظن، ودواعي هذا الاعتقاد بنُبل دوافعه،عليه متابعة الجلسة النقديّة التي تَلت يوم ذلك العرض المُبهر على خشبة (مسرح السالميّة)، المتوفرة على موقع ال(you Tube)، بالرابط الخاص بالهيئة العربية للمسرح.

عن: حسن عبد الحميد/ (مجلة الفرجة)

عن بشرى عمور

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.