مقاربة حرّة لكتاب “الممثّل الانتحاريّ والمسرح المستحيل” لفتحي العكّاري حاتم التليلي

مقاربة حرّة لكتاب  “الممثّل الانتحاريّ والمسرح المستحيل” لفتحي العكّاري

حاتم التليلي

 

ثمّة كتب مستحيلة التفكيك، لا اللّغة في حضرتها تستأنس ولا المعنى يروّض، محفوفة بالتعقيد والغموض، مطلسمة المعاني، متشابكة في النظم، شبيهة بتعازيم القدامى أو بنذور غدت محض صدى غابرا في سديم الأساطير والتواريخ، تطردك من تخومها منذ أوّل سطر، ولكنّها قد تفصح عن غياهبها وأغوارها في لحظة أنت تتقمّص فيها ثوب كاهن ما، ولكن ليس ككلّ الكهنة، فقد يحدث أن تكون ملعونا، منفيّا من الكنائس والمساجد، مطاردا ومتّهما بالجنون، لأنّك ببساطة كاهن نبيّ، ونبيّ بهلوان، وبهلوان يلعب، في ملعب لا يخضع إلى معادلة العالم ونواميسه، ولا يهدأ إلا إذا ضجّ به فعل الحرام، ومارس الانتهاك، والخرق، نتيجة شعلة الوجد، والشوق، والحبّ.

أن تكون في نهاية المطاف روحا مخبولة وجسدا مخمورا، وأن تكون أيضا القربان الأخير في معبد غير معبد الكهنة: إنّه الخشبة، خشبة ذلك العظيم المدعوّ بالمسرح، وأن تسأل عن كتاب بدافع حالة هوجاء تحرّضك، فعليك الآن أن تعود إلى “الممثل الانتحاري والمسرح المستحيل” لصاحبه فتحي العكاري، نشر عن مطبعة قوس قزح، إلا أنّه ظل عصيّا وكأنّ به كهربة قاتلة تفني وتطرد من يقتربه.

منذ أوّل  الفصل، “المسرح وأولياء الحياة” يبدأ النشيد، بما هو أغنية تركل الغيب بلغة غير اللغة التي أمر بها وشرّع، وتدحض الوساطة، بشطح أحرف المتصوفة، فتقول عن المسرح نبوّته، وألوهيته، وكتابه، وكينونته التي هي غير كينونة بيارق الموت، أو حرّاس السماء، ونقابات الله، وهو أغنيّة الذّات، الذّات في طريقها نحو التألّه بعد أفول الاله، إذ “جاء الكتاب طرفا من الذات/بياض أوراقه عتمة الرّكح وسواده”، فإذا به  يتقطّر دما ليكتب عن “المسرح المستحيل”، ليكون الامتنان موجّه إلى “الأسماء الحسنى”، أسماء أولياء الحياة الذين استرشد بهم المؤلّف في مسار نحته مسار “الممثّل الانتحاري”. ومنذ أوّل “الفاتحة”، غير فاتحة كتاب أولياء الله، بقدر ما هي فاتحة “تبر الحياة”، يدعونا المؤلّف كما يحرّضنا على اتباع حركة الموت “في صراطها الغير مستقيم”، لينمو مسرح جديد، ريبي، ماجن، ينهل من الرواقيين والمتصوفة مسارهم، ويدعونا كممثّلين أن “نعربد ونعابث”، خارج وهم الأبدية، وأحجيات المطلق والمسلّمات، فقد مات الاله، ولتكن ثمّة “حياة بفهم”.

بغير قليل من لغة المقدّس وقد تمّ تشغيلها في المدنّس، هو في حقيقة الأمر يطفو قداسة في سجّلات الفعل المسرحيّ، تتجوهر الذّات في اللّغة وتتوهّج، توحي بسيرة المؤلّف المسرحيّة، فيتعاظم التجويف، وتنشأ المرآوية، ليكون ثمّة انعكاس ذاتيّ داخل المجموعة وضدّها، ومنها خارج معادلاتها ورؤاها ومنظورها الفنّي، هكذا يتمّ تشغيل أجساد مصطلحيّة في غير مدلولاتها السائدة، بما هي تعيد اكتشاف المهمّش وتهدم الرّاهن، نحو مسلك يفيد بحالة المسرح وراهنه، بعد أن سادت السوق وسيّرها “بائع محتلّ/استهواه رأس المال”، فلم تعد ثمّة أبجديّة تهدّم ذلك وتفصح عن سياقاته غير “حديث الاستبطان”، ومنه إلى “حديث البعث”، بما هو سرد خالص الشعريّة مضمونه “معامل التصبير والتكرير” التي حاصرت الفنانين خارج الحياة التي تسكن “قطبا مواجها”، ثمّ منهما إلى “حديث البراءة”، حيث يتخذ مسرح المستحيل مفهومه، بما هو يصبو إلى “تغيير الذات/والعزم على تحقيقها اللامتناهي”، فيحلّ  اللامعقول، اللاملموس، واللامرئي، عنوان جذبة تضع النفس “داخل اللذّة”، لكن أفسدها “حديث الرداءة” فشوّه البراءة، بعد أن تمّت إعاقة الذّات: “سخّرنا ذاتنا خدمة للاعاقة/ لخدمته/ أو/ لخدمة من خدموا الثقافة”، فهمّش ما هو أنطولوجيّ، بينما علت بيارق المهنة، والوظيفة، وصار المسرح مؤسسة قمعيّة، وحرب الساعة من راهنه “حرب مومسات”.

أمّا عن “حديث الظرف وسمر التاريخ”، فقد تساءل العكّاري عن هويّة هذا المسرح، عن جينته القادمة، عن بذرته الأولى في جغرافيا تونسية، وكيف كان آلة تعليمية، مقاوميّة، ثمّ عن كيفياته الجمالية، وبعدُ عن أفول صنّاعه وضرورة “التحوّل والتغيّر”، في ما يدحض قديم السرديات، ويمجّد “المسرح الوهميّ المستحيل”، مسرح العوالم، مسرح التعدد، مسرح ضدّ التوحيد، وجبت عملية العبور إليه منذ “حديث العبور”، حتى تتسنى عملية الاقامة في مسطّحاته في “حديث المقام”، فللأوّل طقس المعاناة، الشهوات، الغرائز، لعبة البهلوان، نبأ عظيم، خصوبة لا يدركها عقم، وللثاني سحر  “الحيّ على الخشبة”، وما هو بمقام النفّري في المواقف والمخاطبات، وإنّما هو مسلك أشبه بمسلك الصوفيّ كما رتّلت أناشيد الشطح بما تضمّنت، فثمّة الفراغ، الفراغ الفارغ من الفراغ، غياب “السوى”، فتتحقّق كينونة الأنا في الأنت، والأنت بما هي الأنا: إنّه انصهار  في مقام الانتحار.

بعد “حديث المقام”، آن الأوان لتحديد كينونة المنتحر، فإذا به “خالق الخلق”، وما هو أثر إله، بل جسد يقطف المستحيل، جسد الممثل الانتحاريّ، جسد يقول الفضاء وزمانه، ويرمي بأحواله ضدّ السلطوية، فيهتك الشرائع، ويخرّب القيم، ويزرع الرعب، ويتهكم ضدّ الخوف، وينحاز للضحك، والجنون، ويخاتل، ويراوغ، ويقيم في الشيء ونقيضه، ويتوراى، ويخفي، ويموّه، ثم عن منهجه في “حديث المنهج” يقول ولا يقول، يفصح عن مساراته بالسؤال عن ماهية الأنا (أنا الكاتب/أنا الممثل: فتحي العكاري) أمام “الممثّل/ الذي فيّ وبي حيا”،  فتولد نرجسةٌ، وخطبٌ من الغرور، وشبق لا صوفيّ بل وثنيّ نحو التماهي، لتكون الأنا أمام مراياها جسد الممثّل، ثم تفصح بلغة الضاد عن لفظة “الأَنأَنتَ”، فكان المنهج لا علميّ، ولا عرفانيّ، بل إقامة زئبقيّة بينهما، ولا يخضع لمعادلة هذه أو تلك، بقدر ما هو يمتلك معادلة ثالثة للعصيان واستقلال الذّات، متلبّس بالانسان، والألم، باحثا عن جغرافيته في “حديث الخارطة وهي الطريقة”، كأن يفنى كلّ عمل فنّي وتتمّ عملية شطبه إن كان وطنه غير الانسان، وكذا في آخر الكتاب لاح رسم بيانيّ يهيكل لخارطة مسرح المستحيل، حركته وجوهره، بنياته وابدالاته، مكمّلاته وطرقه، لينتهي المؤلّف في آخر ورقة  إلى “حديث الاختلاج وفيه السكينة”، سكينة الأنأنت” في مقام الحبّ.

كيف نقرأ تجربة “فتحي العكّاري” من خلال كتابه هذا؟ ألا تبدو محفوفة بغير قليل من الذّاتيّة؟ وإذا كانت بوصفها كذلك، ألا تبدو لنا أشبه بالاقامة في تخوم الغنوصيين، بما هي حالة مرضيّة كما يصفها “العقل العاهر”؟ هل نحن معنيون بإدانتها  أم كنس هذا العقل الذي وصفها بمثل هذا الوصف؟ ألا يمكن اعتبارها مسكونة بعوالم موازيّة غير معادلات عالمنا؟ وألا يمكن اعتبارها “جينة” غضبيّة ضدّ أنساق المسرح التونسي والمسرح برمّته؟

وحدها شرارة السديم تحت رماد كتابه كفيلة بإجابة على مختلف هذه الأسئلة، وحده العكّاري يدرك سرّ اضطرابه، أسباب ذهابه إلى “تشويش الحواسّ”، غيبته في الرّفض الاصطلاميّ، وسيضحك ساخرا لو ادعى أحد فهمه: فمن طبيعة إقامته في مداراتنا أنّه كثير الانفلات، كما لو أن حركته أشبه بحركة الالكترون.

 

 

 

 

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.