مفهوم المكان في المسرح..-سعاد خليل

اهتم اغلب كتاب المسرح المبدعين في العصر الحديث بالاتصال بالجمهور اتصالا يستند الي اسس متينة . في الوقت نفسه ، تطورت معركة اللامركزية في فرنسا ، منذ ان جاء المخرج جان فيلان 1912-1971 واصبح مفهوم المسرح كمرفق عاممفهوما مألوفا.

 .نحن في العصر الحديث نجد ان اماكن العمل المسرحي تعددت  فأصبحت لا تقتصر علي العواصم الكبرى كما ان تكوين بعض الفرق المسرحية الدائمة سهل عملية البحث عن الجماهير العريضة . وفي العصر الحديث كمدخل لمدراس المسرح ومكانه .

كما نعلم ان شخصية المخرج المسرحي ظهرت في عام 1880 واصبح المخرج له اهميته في العرض المسرحي ،حيث قبل ظهوره كان العرض ينتظم حول نجم يسيطر علي توزيع الادوار ، حسب مزاجه وهواه.

وبعد ظهور المخرج المسرحي  اصبح مفهوم الاخراج المسرحي يتطور في كل اوروبا . وايضا كان الاهتمام المتزايد بالدقة التاريخية قد اعلن عن هذا التطور ، منذ بداية القرن التاسع عشر .واتفق ظهور المخرج مع ظهور التيارين : الواقعي والطبيعي في الادب . ولا يعني هذا ان وظيفة المخرج لم تكن موجودة من قبل ، وان كانت قد اتخذت اسما مختلفة .علي سبيل  المثال ، طالب زولا وجوجول بوحدة العرض المسرحي وتماسكه لكن ، في الواقع ، لا يمكن الحديث عن الاخراج حقا اذا اقتصرت هذه العملية علي نقل ما يتضمنه النص المسرحي. فالإخراج له طبيعة مختلفة ، وكان الناقد ب. دورت علي حق عندما تحدث عن الوساطة اللازمة بين النص والعرض المسرحي ، فالمواد المختلفة التي يتكون منها العرض تنتظم في مجموعة متماسكة يمكن ان تنتج كود (code)  وتلتزم به ، والتسليم بطبيعة  العرض المسرحي الفنية واستقلاله عن النص هو بداية النظرة الصحيحة الي الاخراج في حد ذاته ..

في دراسة للدكتورة  سامية سعد عن هذا الموضوع تقول انه عندما يميل الفن المسرحي الي العرض ، تنقلب اهمية العناصر المكونة له راسا علي عقب . عندئذ يستبدل النص كوسيلة اساسية للتعبير بتنظيم جديد تكتسب فيه العناصر المسرحية اهمية لم تكن لها من قبل . فيتخطى الديكور وظيفته   المبدئية كإطار للعرض يكاد يخلو من المعني . ويتحول اداء الممثل عن محاولة التأثير علي المشاهد او اقناعه . يختار المخرج هذه لمكونات ، بالإضافة الي الأزياء والاضاءة ، وتصبح بين يدية وسيلة للتفكير في العمل المسرحي . وعندما يفهم المخرج المسرح علي انه شكل فني مستقل ، يقوم بعملية ابداعية تمكننا من الحديث عن ( الكتابة المسرحية ) بالمفهوم الحديث لهذه العبارة .

لقد فهم المخرج الفرنسي انطوان رائد المسرح الحديث في الغرب ، خشبة المسرح علي انها عالم مغلق محسوس ، هو الواقع ذاته . ومن ثم نظر الي انفتاحها امام  الجمهور ، اثناء العرض علي انه حائط رابع شفاف ، مما يجعل عد م الالتفات الي المتفرج امر ممكنا . يشير انطوان المخرج الي الطابع المادي للاطار الذي تدور فيه الاحداث بقطع الاثاث ، والاشياء التي يختارها لأنها حقيقة ويعالجها لصفتها تلك . بعكس الاشياء المسرحية التي نادرا ما تكون قابلة للنقل او الاستعمال الحقيقي. في هذا الاطار الواقعي ، يجد جسد الممثل ثقله ، ويلعب دورا لم يعرفه من قبل . كما ان الإضاءة الكهربائية تسهم في اضفاء الطابع الواقعي علي خشبة المسرح .وانتقلت نزعات المسرح الواقعي واتجاهاته الي المسرح المسمى بالطبيعي ومسرح البوليفار حيث عاد المخرجون الي استخدام بعض الوسائل التي تبدو واقعية . وعادة ما يكون الديكور اعادة بناء لمنزل بورجوازي ثري ، والازياء حسب اخر صيحة في عالم الموضة ، باختصار يعمد هذا الاخراج  الي نقل الحياة ، او الواقع بواسطة شخصيات تنطق بنص يقصد به اضحاك المتفرج او حمله علي البكاء ، في اطار يقترب من الواقع .

لو تعمقنا قليلا في دراسات المخرجون في اسلوبهم   للإخراج وكيف ظلوا يدخلون الواقع بطرق مختلفة  الي خشبة المسرح ،  وكيف تتمثل الواقعية في الاستشهاديات ، وكذلك الاداء الطبيعي بمعالجة ملحمية ، ، وكيف اثار الاخراج  الواقعي والطبيعي ردود افعال عنيفة في السنوات الاولي من القرن العشرين ، خاصة في الاتحاد السوفيتي  والمانيا وأيا كانت المدارس او التيارات فهي متفقة علي ان الاخراج المسرحي يجب ان يؤكد الطابع المبتكر الاصيل العناصر المكونة له وان يعترف صراحة بالحيل التي يعتمد عليها .

وفي دراسة للباحث العراقي : كريم رشيد  عن المكان المسرحي علم الدلالة .يقول:

نهضت الدراسات البنيوية والسيمولوجية الحديثة لاستكشاف العلاقة بين العرض المسرحي وعلم  الدلالة فكان عدد من الدراسات قد ظهر عن مدرسة براغ للعلوم البنيوية والسمولوجية منذ عام 1930 مثل دراسة (اوتكارزيك ) جماليات فن المسرح ) ودراسة اخري بعنوان ( محاولة لتحليل بنائي لظاهرة التمثيل ) ثم تلي ذلك عدد من الدراسات المعنية بالظاهرة المسرحية من حيث كونها ظاهرة علامانية دلالية ومن بينها دراسات للمفكر الفرنسي البنيوي رولان بارت الذي يقول عن العرض المسرحي انه : فعل سيمانتيكي (علامي سيميائي ) مركز الي اقص حد يستخدم كأداة للتواصل دلالات تفضي بطريقة تكاد تكون منتظمة دائما الي بعض المضامين لذا كان المسرح فن الشفرة والاصطلاح اكثر من الفنون الأخرى واعتماده علي الشفرة هو احد معطياته الاساسية .

فالدراسات الدلالية تعتبر المسرح حقلا دلاليا كثيفا وان كل ما عليه من موجودات بما فيها المفردات المكانية هي علامات مسرحية وان كانت تنظم فيه بأشكال مختلفة فهي تبدو صورة او اشارة او رمزا ، ولذا يطلق عليها السيميائيون المصطلحات الاتية : علامة ايقونية ( صورية ) علامة اشارية ، علامة رمزية . وعلي هذه المستويات الثلاثة للدلالة المسرحية  تقع جميع عناصر العرض المسرحي المرئية والمسموعة ، وعليه فان جميع المفردات المكانية المسرحية تكتسب صفة العلامة حتي في حالة كونها مادة منقولة من الواقع الي الطبيعية وهذا يعني ان المسرح يحيل جميع الأشياء بما فيها الطبيعية عندما تكون عليه الي علامات دلالية . فحتي في حالة المفردات المكانية في المسرح علي شكلها الطبيعي الحقيقي فان الدور الوظيفي الذي تؤديه في الحياة قد يتغير او يختلف عنه في المسرح وهكذا تكف الاشياء علي المسرح عن التعبير عن ذاتها الحقيقية وتعمل علي تمثل كينونة جديدة لها يمليها عليها وجودها في السياقات العامة للعرض وهذا ما يحيلها الي علامات مسرحية محضة .ويمكن ايجاز هذا القول بان المسرح يحيل العلامات المكانية الطبيعية الي علامات اصطناعية وبذلك يكسبها وظائف ودلالات قد لا تمتلكها في وجودها الطبيعي.

 ان الوجود المادي للأشياء علي المسرح يشير الي انها مفردات طبيعية وليست دلالات اصطناعية ن الا ان وجودها في سياق غير طبيعي او تبنيها لوظيفة مغايرة لوظيفتها الطبيعية هو ما يحيلها الي علامات دلالية مسرحية ، ومن غير ذلك كون مدرج علامات طبيعية غير مثيرة للتداعي ولا تحيل الي واقع مفارق لها بل انها تشكل وانما في حد ذاتها مما يجعلنا ننظر لها كمعطي واقعي لا كمعطي جمالي وهذا يجعلنا بعيدين عن مستوي الفن الدي يحمل في جوهره فكرة تغيير عادات المتلقي الادراكية فالعلاقة المكانية المسرحية ليست مهمتها ان تنقل للمتلقي عالم الواقع بل ان تشير اليهه او ان تخلق صورة مجازية له تثير تداعياته وتحفز ذهنه وخياله .

يقدم  الباحث امثلة عن وجود الاشياء المادية  علي خشبة المسرح واستخدامها وكيف تكون اشارة لوجود بعض الاشياء بتغير مدلولها من قطعة قماش لتصبح شراع سفينة حيث تكون هذه القطعة من القماش استخدمت لا داء وظائف  غير وظائفها الحياتية المعروفة وغيرها من الاشياء التي تعطي دلالات بعيدة عن طبيعتها الي مستوي الدلالات الاصطناعية ، الرمزية . فهي تجعل المفردة المكانية لا تعبر عن ذاتها بل عن مدلول مفارق لها تضطرنا الي اعادة تشكيل المظهر الخارجي للمدى ( المفردة المكانية ) .وذلك لتقديم الفكرة المقصودة او تغيير وظيفتها او ادخالها في سياق عام يكسبها معني مغايرا لوجودها الطبيعية .

ان الدراسات البنيوية والسيمولوجية في المكان المسرحي منظومة او شبكة متناسقة من العلامات المرئية التي تحملها العلاقات التركيبية والحركية والتي يشكل كل تفصيل منها علامة مقصودة تجعله بمثابة مفردة تكوينية اولية في بناء المنظومة العلاماتية العامة .

فتتم قراءة وادراك دلالات هذه المنظومة العلاماتية من قبل المتلقي عبر خطوات ثلاث هي :

التعرف علي العناصر الدالة

القراءة لهذه العناصر أي استخلاص معانيها المتعددة بالرجوع الي الواقع الثقافي والاجتماعي .

تثبيت المدلول الحقيقي بالتعرف علي السمات المتشابهة او المتكاملة لمختلف الوحدات الدالة طوال العرض .

خاصية التحول والتوليد الدلالي في العلامة المكانية المسرحية .

ان تعرض العلامة او الدال المسرحي ، المكاني الي تغيير في السياق العام او الشكل او الاستخدام الوظيفي يشترط به القدرة علي الاستجابة ليولد عددا من الدلالات المختلف تبعا للمتغيرات التي تطرا عليها ن فكان لا بد للدال المسرحي ان يمتلك خاصية التحولي ليساير التعدد الوظيفي له في المنظومة الدلاية المكانية . وهذا فإننا نري عدد من المفردات المكانية تنتقل من موضع الي اخر لتشكل مع قريناتها تكوينا مكانيا متغيرا  ، كذلك فان عددا من المفردات المكانية  قد تتبادل خواصها اذ تتحول مفردة بصرية مكانية مثل الباب الي مفردة مكانية سمعية عندما يبدا  ذلك الباب بإصدار اصوات ذات علاقة مساهمة بالفعل المسرحي . وهكذا تتحول الدلالة البصرية الي دلالة سمعية او العكس وقد تصبح دلالة مزدوجة ، والمكان المسرحي اخصب حقل فني لمثل تلك التحولات اذا انه لا يتعين بالدلالات البصرية فقط بل بالدلالات السمعية واللفظية والشمية احيانا .

ان البعض يري ان الصورة هي خاصية الفن المسرحي لكن من السهل علينا ان نقول ان النص المسرحي يمكن أي يقرا كأي نص اخر ، روائي او شعري ، فضلا عن ان الصورة قاسم مشترك بين المسرح والفن السينمائي والتلفاز ، وادا قلنا ان المسرح مكان يتحرك فيه الممثلون، ادركنا توا ان هذا التعريف ينطبق ايضا علي فن الرقص ، اذن اول عنصر يفرض نفسه علينا عند تحليل الواقع المسرحي هو العلاقة الوثيقة بين العرض والمكان الذي يتم فيه . ان المكان المسرحي أي خشبة المسرح التي يتحرك فوقها الممثلون  ويجلس المتفرجون  فمكان العرض الذي يضم المسرح والصالة هو مكان محسوس يعرف بعلاقته المادية بالمدينة ، ولنذكر من بين هذه الاماكن المسرح الإغريقي والمسرح الروماني اوبرا باريس وسكالا الخ .. وهي اماكن تفترض وجود علاقات مادية بين الخشبة والصالة .

ان خشبة المسرح مكان له خواصه المادية وعلاقة خاصة بممارسة العرض .

يعرفنا الباحث والمخرج كريم رشيد في هذه الدراسة اكثر عن المعني الاساسي والمعني السياقي

 ما المقصود اولا بالمعني الاساسي ؟ ثم ما المعني السياقي؟ يقول : انهما فرز اصطلاحي لمستويين من مستويات المعني الناتجة عن عمليتي التحول والتوليد الدلالي للدال المكانية المسرحية

اولا: لابد ان نضع في الحسبان ان المدلولات  لا توجد بمعزل عن دوالها بل ان وجود المدلول مشروط بوجود الدال مسبقا . وان المكان المسرحي باعتباره مستودعا لعدد  من الدوال التي تنتظم في هيئات مختلفة منفصلة او متصل بعضها ببعض مشكلة انساقا عما يمنح وجودها امكانية قراءة مدلولاته المكانية ، يخضع لاعتبارين هم : احتواء المفردات المكانية بوصفها عناصر مستقلة مكتفية بذاتها تحمل معناها الاساسي الخاص ، فوجود الاشياء منفردة عادة ما يشير الي معناه الاساسي المتمثل بإدراكنا ان ذلك الشيء علي المسرح هو كرسي او سلم او منضدة او غير ذلك وهذا ما ذكرته في السطور السابقة . وكيف تتخلي الاشياء علي المسرح عن المعني الثابت الذي يعد الدال مجرد تجسيدا ماديا له ، ولم يعد للدوال المكانية معني ثابت انما معان متغيرة وفقا لتنوع استعمالاته وارتباطه بالسياق العام ذلك الارتباط الخاضع هو الاخر للاعتبارين : الاعتبار التشكيلي  ( التنظيمي ) الذي يهيئ الروابط والاتساق العالمة التي تؤلف بين الدوال المختلفة لجعلها  وحدات مكونة للسياق المكاني العام . والاعتبار الدلالي : اذا كان الاعتبار التشكيلي معني بكيفية تحديد الروابط والاتساق وتوافقها معا . فان الجانب الدلالي معني بما سينج عن هذه السياقات الفنية من مدلولات تجعل من المكان خطابا فنيا .

ان انضمام الدال علي المسرح في بناء اعم والتكوين المكاني (السياق العام ) يستحدث انماطا جديدة للعلاقة بينه وبين الدوال المحيطة به منها نمط الدلالة المركبة ، ويقصد بهذا الاصطلاح الجلالة الناتجة عن التقاء او جمع او تفاعل دلالتين او اكثر في تركيبة دلالية موحدة .

فالوحدة الدالة عموما في العرض المسرحي قد لا تكون ناشئة عن وجود مفردة تكوينية واحدة بل التقاء اكثر من مفردة تكوينية واحدة بحيث تنتج مدلولا مركبا. وهذا متصل بطبيعة العلاقات بين الدوال المتوافرة في هذا الحقل والمعني العام والمعني السياقي لها . تقول الدكتورة سامية اسعد: ومن خواص الدلالة المسرحية ايضا الميل الي التعقيد فهناك حالات يضطر المتفرج فيها ان يجمع بين دلالتين او  عد ة دلالات تنتمي الي مجموعات مختلفة لكي يكتشف المدلول المركب .

اذا تعمقنا في الدراسات السيميائية تكون طبيعة العلاقة بين الدال ومدلوله هي المعيار الاساسي في بحث الخصائص المميزة ما بين الاشارة والصورة والرمز ، كمستويات دلالية مختلفة ، فإشارة تعتمد علي علاقة التجاور والارتباط القائم بينها وبين مدلولها وهو ارتباط متعارف ومتفق عليه كذلك الحاصل حول علامات المرور ودلالات الالوان واشكال والوان اعلام الدول والاوطان فهذه جميعا اشارات تعكس مدلولا متفقا عليه.

وسأختم بان علاقة المكان المسرحي بالمتفرد والتغير الذي طرا علي هذه العلاقة احدي خواص المسرح الحديث فان كل مخرج يريد ان يبني مكانا مبتكرا خصا بكل عرض علي حدة ، ولا نعي بهذا الديكور فقط وانما المكان كما عرفناه ، أي مكان التمثيل ، وعلاقاته بالعالم ، وعلاقته بالمتفرج ، وكان امول تغير بالذات هو علاقة المكان المسرحي بالمتفرد ، ورؤياه ، والمكان الذي يشغله بالنسبة للعرض . ومهما اختلفت النظريات والممارسات الخاص بالمكان فهي متفقة حول نقطة واحدة لا بد من تغيير العلاقة بين المتفرج والمكان المسرحي .

 

مجلة المسرح العدد 85دراسة للباحث والمخرج كريم رشيد.

الدكتورة سامية اسعد : مفهوم المكان في المسرح المعاصر

 

 

home

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح