مطارحاتٌ فلسفيةٌ في مقاماتِ المسرح قراءة في مشروع لحسن قناني “حوار المسرح والفلسفة وجدلية الفن والفكر” د. الزهرة براهيم – #المغرب

 

مطارحاتٌ فلسفيةٌ في مقاماتِ المسرح

قراءة في مشروع لحسن قناني “حوار المسرح والفلسفة وجدلية الفن والفكر”

د. الزهرة براهيم – المغرب

باحثٌ مسرحي ومشروعٌ مؤسِّس

يواصل الباحث لحسن قناني وأستاذ الفلسفة مشروعه الخاص بأم العلوم وأب الفنون. فقد أصدر كتابه الأول في هذا المخطط البحثي الهام، تحت عنوان “حوار المسرح والفلسفة وجدلية الفكر –الجزء الأول- العصر الإغريقي القديم” سنة 2017؛ وكتابه الثاني جاء موسوما بــــ “حوار المسرح والفلسفة وجدلية الفن والفكر –الجزء الثاني- اختلاف الذات وتماثل الصفات”، سنة 2018؛ أما المنجز الثالث فهو “حوار المسرح والفلسفة وجدلية الفن والفكر –الجزء الثالث- من تفلسف المسرح إلى تمسرح الفلسفة، سنة 2019؛ والثلاثية جميعها صادرة عن سلسلة الكوميديا الصادمة- مطبوعات الأندلس- وجدة- المغرب.

يمتد هذا المشروع على ألف ومائتي صفحة، حجم 14/20، وبخط 14. وهذا ليس احتسابا كميا بقدر ما هو اعتبار نوعي لقيمة العمل وقوته وسعته. إن وضع المسرح موضع مساءلة بالأداة الفلسفية معناه استدعاء تاريخ الفكر البشري حين تدبَّر قضايا الجمال بالعقل، وما أدراك ما الجمال وما العقل.

لقد بلغ الباحث نقطة نهاية مسافة الألف ميل على الطريق السيار للفكر الإنساني حيث تينع الفلسفة ويتألق المسرح، لكنه لم يبلغ بعد نهاية مشاريعه الطموحة نقدا وإبداعا. فالأستاذ لحسن قناني الذي يشتغل في صمت رصين، لن ينضب توقد فكره، ولن يجف مداد قلمه.

وبالتركيز على كتابه الثالث “حوار المسرح والفلسفة وجدلية الفن والفكر- من تفلسف المسرح إلى تمسرح الفلسفة، الممتد على 767 صفحة، يجد القارئ نفسه وجها لوجه أمام علاقة تبادلية عريقة، ظلت موصلة للطاقة التي تتجاذبها نظريات الفلسفة وشعريات المسرح، فيما بينها.

يلج الباحث دراسته عبر بابين اثنين:

الباب الأول: تفلسف المسرح

  • تذكير وتقديم: من ص 1 إلى ص 8، تناول فيه الإشارة إلى القضايا المدروسة في الكتابين الأول والثاني، كما يضيء مظانّ بحثه الواردة في الكتاب الثالث.
  • من السؤال الماهوي إلى فعل التفلسف، من ص 9 إلى ص 54.
  • تفلسف المسرح أو المسرح الذي يفكر، من ص 55 إلى ص 117.
  • الدراماتورجيا وفعل التفلسف، من ص 118 إلى ص 119.
  • النموذج الأول: جان بول سارتر: الدراماتورج المتفلسف، من ص 120 إلى ص 150.
  • النموذج الثاني: صامويل بيكيث حينما تصبح الدراماتورجيا تفلسفا في الوضع البشري، من ص 151 إلى ص 356.
  • النموذج الثالث: مسرحية السد وفلسفة الفعل، من ص 357 إلى ص 447.

الباب الثاني: تمسرح الفلسفة

  • حول مفهوم التمسرح، من ص 449 إلى ص 536.
  • عناصر التمسرح في المحاورات الأفلاطونية، من ص 537 إلى ص 616.
  • ألان باديو وتمسرح الفكر في مجموعة “أحمد الفيلسوف”، من ص 617 إلى ص 755.

تأملات في الخلفية الثقافية للكتاب الثالث

لا تحجز الكتابة العلمية، عند لحسن قناني، نفسها في دائرة تنظيرات جافة عصية على التفكيك، لأن روح المبدع كامنة طيَّ المادة الرمادية له. فسواء اشتغل على المسرح متفلسفا، أو على الفلسفة متمسرحة، فإن معينه من الإبداع المسرحي العالمي يَدْفِقُ مياهه الدافئة في مجاري التنظير الباردة.

يُؤرجحنا هذا الكتاب بين الدراسات النظرية اللصيقة بالعقل، وبين الكتابات الإبداعية المنثالة من الخيال؛ ومن تجاذب هذين القطبين تتراكب طاقة هذه الدراسة كي تختط لنفسها أسلوبا في الفهم، والتفسير، ثم التركيب.

فالباحث لا يكاد يخرج من عباءة المبدع حتى يدخل في عباءة الناقد. وحيث نحصي له النصوص المسرحية التي بدأ نشرها منذ 1984، كما الآتي:

  1. رغيف سيزيف؛
  2. وقتاش تصحا يا جحا؛
  3. تقاسيم باسمة على وتر حزين؛
  4. دونكيشوط بن قحطان؛
  5. الكابوس والرؤيا،
  6. جحا لن يبيع حماره؛
  7. حكاية الأسد والثور؛
  8. ميكروكراسي؛
  9. صهيل الذاكرة الجريحة؛
  10. واك واك آ الحق؛
  11. الجار والمجرور؛
  12. سوق لعجب؛
  13. هْنا ولْهِيهْ؛
  14. الفيلسوف سَطُّوف بَنْ مَنْتُوفْ.

فإننا نقف، بالمقابل، عند الكتابات النظرية التي أغنى بها الخزانة المسرحية العربية، ونوردها كما يلي:

  1. الكوميديا الصادمة: سخرية الإنسان المقهور؛
  2. المفاهيم الإجرائية للنقد المسرحي بالمغرب؛
  3. المسرح والمسألة الحقوقية؛
  4. في البدء كان النص؛
  5. المسرح نوافذ للتأمل؛
  6. حوار المسرح والفلسفة جدلية الفن والفكر- الجزء الأول- العصر الإغريقي القديم؛
  7. حوار المسرح والفلسفة جدلية الفن والفكر- الجزء الثاني- اختلاف الذات وتماثُل الصفات؛
  8. حوار المسرح والفلسفة جدلية الفن والفكر- الجزء الثالث- من تفلسف المسرح إلى تمسرح الفلسفة.

في الزمن العولمي، هل يَنْعي المسرح الفلسفة؟

أثبت تعاقب وتناسل شعريات المسرح، منذ عهد الإغريق إلى الآن، أنه يستحيل أن يتبلور تصورنا الفكري والجمالي، للإجراء الدرامي والمسرحي، في غياب منظور فلسفي حول العالم، والإنسان، والأشياء. هي الكتابة المُنْصِتة التي تلتقط هَسِيسَ العَرَضِيّ واللاَّمكترَث له، كما تمتص دويَّ الأبديّ والمنتبَه إليه. بهذا الجمع بين النقائض يكبر سؤال الفلسفة ويَصعُب رهان المسرح. وحين يلتقيان حول نفس الرسالة، يأخذ إجراء المناولة الفكرية والجمالية أبعاده العميقة في تحليل قضايا النفس البشرية وفق شبكة الصراع التي يفرضها النسق الاجتماعي محكوما بأوضاع تاريخية وحضارية معينة، بما يُفاقِم أسئلة وجودية مزمنة تبدأ من سؤال الهوية؟ إلى سؤال المعنى؟ إلى سؤال الغاية؟ إلى سؤال الوسيلة؟ إلى سؤال السلطة؟ إلى سؤال الأنا في علاقته بذاته ثم بالآخر…

تحيلنا متوالية الأسئلة هاته إلى التقاط أطروحة ألان باديو Alain BADIOU حول ما سماه “نهاية الفلسفة” في الزمن العولمي، وذلك بشكل يدعونا تفحُّص ممكنات التآزر بين الفلسفة والمسرح حتى يصير هذا الأخير حاضنا لها بعد أن تبنته قرونا طويلة، وأغدقت عليه رعايتها وحمايتها. فهل ما زلنا في حاجة إلى مسرح يشحننا برؤى فلسفية تشحننا لمواصلة الحياة، ولنصمد أمام الفراغ والعبث واللامعنى الذي ينضح به العالم حولنا؟

يرى ألان باديو أنه “ينبغي أن نستشرف وجها نضاليا للمسرح، انطلاقا من فكرة أنه ما دام الفعل المسرحي موجها للجميع، فمن واجبنا أن نعزز صلة الجمهور بمسرح واقعي من مهامه تنوير وجودنا ووضعنا التاريخي خلافا لما هو عليه الحال فيما ترسخ من منطوقات في بادئ الرأي.” (قناني: 617).

ولعل اشتغال الباحث على نص “أحمد الفيلسوف” لـــ ألان باديو، ضمن الباب الثاني الخاص بتمسرح الفلسفة -حيث يعتبره، على محدودية فكره وبساطة شخصيته، “معادلا موضوعيا لشخصية سقراط في المحاورات الأفلاطونية” (نفسه)- ينزع إلى وضع “أفكارنا الجاهزة ومعتقداتنا السابقة موضع شك.” (نفسه: 618). فهل حضور الشك في ذهن “أحمد” البسيط تأكيد لاستمرار الفلسفة بأسئلتها وفرضياتها ثم نقائض هذه الفرضيات؟ وكذا لضرورتها في الوجود، مهما تراءى لعدد من المفكرين أنها صارت متجاوزة في عالم فقد صلته بالعقل وبالمعنى؟

ترسيخا لثقافة العرفان…

إن هذا الكتاب الثالث يستوي ضمن مشروع مُبَنْيَن structuré على نهج الأطروحات الفلسفية، يكتمل فهمه واستثماره داخل بنية المشروع ككل. وبالنظر إلى بيبليوغرافيا هذا العمل، من حيث نوعيتها وعددها (67 مرجعا باللغة الفرنسية، و120 باللغة العربية)، يتأكد الجهد المكين الذي اقتضاه استرفاد معرفة رصينة ومتنوعة حلقت عبر مدى حقول المعرفة، استوجب، من أستاذ الفلسفة، ومبدع المسرح وناقده، إعادة التفكير فيها وبها لاستكمال تشييد مخطط علمي شاق، وقد حرص، كما هو دأبه، على ملء فراغات، أو تقويم عثرات في مشهد الدراسات المسرحية العالمية والعربية.

يستحق منا، هذا العطاء العلمي والإبداعي الجاد، وقفة هادئة للتأمل وللقراءة. وقفة علمية، ليس إلا، تكريما لمجهود فكري مؤسَّس على دعامات فلسفية راسخة، شادها أستاذ الفلسفة على امتداد ما ينيف عن خمسة وخمسين سنة من الإبحار في خضم أم العلوم، ومن الاستجمام في الجزائر البكر لأب الفنون.

مرجع القراءة:

لحسن قناني- حوار الفلسفة وجدلية الفكر والفن- الجزء الثالث- من تفلسف المسرح إلى تمسرح الفلسفة– سلسلة الكوميديا الصادمة- الطبعة الأولى 2019- مطبعة الأندلس- وجدة- المغرب.

__________________________________________________________________

د. الزهرة براهيم أستاذة باحثة في المسرح والأنثروبولوجيا والديدكتيك- المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح