أخبار عاجلة

مشكلة عرض مسرحية خدملك هل هي فتنة؟ الإضداد الجمالية في مسرح اللاتوقّع الحركي القصير – العراق

(مشكلة عرض) افتتاحية يُعلنُ عنها المخرج (د. ماهر الكتيباني ) في تقديمه لعمله الجديد (خدملك) تأليفاً وإخراجاً ، هذه الإشارة التي يقدمها المخرج في عتبة عمله الأولى ، كما جاءت في فولدر العمل الذي صممه الفنان التشكيلي (وصفي الفضلي) تمثل تأسيساً أولياً يستثير منطلقاً لفكرة (الأضداد) وهي تسجل أولى الإشارات الميتامسرحية لمشكلة تتصل بالفن ذاته وهو لا يتمكن من تقديم نفسه ، والإشكالية تدخل في إطار فلسفي عميق تتجذر امتداداته في معطيات الكينونة الملغاة ، والذات المتلاشية كما يفجرها الواقع الراهن ، ومن ثم تبرز إشكالية الفن في محاولته أن يقدم عرضاً اشكالياً يجعل من المحاولة أقصى حدود التقديم ، ومن خارطة اللاممكن ديمومة تعيد للواقع تمرده وعصيانه على التوصيف والتحديد على وفق هذا التصور تبنى المعطيات الفلسفية والفنية لمسرح اللاتوقع الحركي القصير ضمن جملة من الأضداد الجمالية التي يمكن تشخيصها بالاتي :

اولاً- الحضور بوصفه انعتاقاً والغياب بوصفه انغلاقاً

يبني المخرج ( د. ماهر الكتيباني) العلاقات البصرية في عرضه المسرحي على وفق تصورات تنهض بفكرته الرئيسة (اللا احد) وهو بهذا التصور يُعلنُ سلفاً عن مغامرة عرض يخلو من الذات .من هنا تبرز الأضداد الجمالية في محاولات الانبعاث المقموع للذات الغائبة التي تترجم انفعالاتها حركة الأفعال المحتدمة ضمن سيرورة لا تكف عن البوح بمشكلة الغياب .إن الحضور لا يتأتى إلا بوصفه مادة هلامية اشد ما يعبر عنها الديناميكية التي تسعى دون جدوى إلى بلوغ التكون الذاتي الممتنع .هذا ما يجعل كل حركة بمثابة التعبير عن حياة منتفية ، ومضاعفة للضياع ، وهيمنة للغياب ، فالحركة على وفق ذلك تسعى لكي تقدم تصوراً للأزمة التي تُعنى بموضوع الانغلاق الذاتي ، لا الإنعتاق كما تترجمه مرونتها ، وجمالها ، وخفتها ، فكل حضور واهم هو تصديرٌ لغيابٍ فعلي ، لأنه حضور خادع مشوه ، لا يفضي الا إلى مضاعفة تفتيت الذات ، وإلغاء أي اثرٍ من شأنه التدليل عليها .

ثانياً- الحركة ومضاعفة الفراغ :

تُعدُّ الحركة المرتكز الأساسي الذي يُبنى عليه قوام مسرح اللاتوقع الحركي القصير إذ يجتهد الدكتور (ماهر الكتيباني) في دفع هذه الحركة في فضاء المسرح ضمن خطوط لا تلتقي لتؤسس إلى منعطف جدلي يذر الأفكار دون مناقشتها، فيسمح بحركة لا تتوقف ولا تحسم ، وأفكار تتقاذف في اتجاهات شتى تستثير عمقاً تأويلياً يستدعي مجهوداً كبيراً في متابعة عملية التأويل السريعة المتوالدة .ترتبط اشكالية الحركة في تأسيها الجمالي بقيمتها الفلسفية ، فهي حركة فلسفة تبنى وتصاغ ضمن الإطار الفلسفي الذي يتبناه مسرح اللاتوقع الحركي القصير ، ولذلك تشكل في طابعها ما يتغاير وأنماط الحركة المعتادة على المسرح ، تلك الحركة التي تنبع من صميم الشخصية وإرادتها ورغباتها وطبيعة إبعادها البيولوجية او السيكولوجية او السوسيولوجية ، إن الشخصية في مسرح اللاتوقع لا تعمل ضمن هذه الضوابط لأنها أداة فلسفية أكثر منها شخصية ، ولذلك لا يتضح عليها مشاعر وأحاسيس ولا حتى معاناة ، إنها مرنة تكتسح وتحاور كثيراً ، وتتقافز ، وتتمايل وتتقاطع ، وتتصارع ، ولكنها لا تنفعل ، ولا تواجه ، لأنها محض أفكار ، ولأنها بحسب طرح النص ( لا احد ) لا كينونة ، لا وجود.

هنا تتبين الإشكالية في التناقض بين الحركة التي تسعى ان تكون وجوداً وامتلاءاً والتفاقم في الفراغ واتساعه ، بوصفه محصلة لها ، فينفي ذلك معطى الوجود ومعطى الامتلاء ، ويصبح الفراغ نتيجة ، فاذا ما كانت الحركة الدائبة بمثابة البحث عن الوجود ، فان ما تعمل عليه هو تضاد مع ذاتها ، في مغادرتها السريعة لكل اثر من شأنه ان يدلل عليها. من هنا فان النشاط الحركي المتواتر لا يعني ملمحاً ايجابياً يبرهن على طاقة الوصول إلى الهدف ، بل هو تسارع صوب الحسم والنهاية.

الفعل المُقتطَع وجدلية التوقع واللاتوقع :

يقدم المخرج (د. ماهر الكتيباني) إشكالية أخرى على مستوى عرض (خدملك) تُستنهضُ على مستوى إنتاج شخصياته في مستواها النصي والبصري ، اذ يتكشف عبر علاقات الشخصيات ، وتفاعلها ، بروز أفعال مقتطعة ، أو مبتورة بشكل مستمر ، وهي مسألة تُطرح برؤية جمالية تفضي إلى تأكيد (المؤلف المخرج) على فكرة (اللا احد) التي تُعلنُ عن ترسيخ الإحساس الكبير بالخواء والعدم ، إذ أن البناء يقودُ بالضرورة إلى التشخيص والتحديد وإبراز الملمح ، غير ان اللاوجود – كما يتبناه المخرج- يعمل ضمن زاوية تعمل على الضد من ذلك ، فيستثمر بذلك مقدرته الإخراجية في خلق متواليات مهشمة لا يكتمل بنائها أبداً ، فكلما همت الشخصيات في فعل جديد يتبنى خلق صورة ذات دلالة فكرية ما ، سرعان ما يقتطع هذا الفعل ويبُنى فعل اخر على الشاكلة نفسها ، ويستمر دوران الأفعال على وفق هذا المنطلق ، وهذا ما يجعل التوقع واللاتوقع في صراع دائم ، التوقع وهو يرتهن في انطلاقة الفعل التي توحي لأول وهلة بالتوجه إلى الاكتمال وتحقيق المعنى ، واللاتوقع الذي يكون نتاجاً لخرق هذا التوقع عبر اقتطاع الفعل قبل إن يفضي إلى البوح بمعناه .

 المرح المأساوي ومأساوية

المرح :

ثمة تواتر ما بين متضادين جماليين يطرحهما (د. ماهر) في تجربته الإخراجية هما المرح المأساوي ، ومأساوية المرح ، وهذا ما يمنح أسلوبه الإخراجي تميزاً وتفردا،ً إذ انه عبر حركة الممثلين المميزة ، وأدائهم المنسجم ، استطاع عبر اسلوبية الحركة أن يعلن عن روح المأساة وقتامة الموقف بجمال ، ورشاقة ، ولعب ، وبقفشات كوميدية تترجمها الشخصيات في تبادلها ضرب بعضها البعض بأداة قتل الذباب ، إنها اشارة كوميدية بامتياز تحمل دلالة مأساوية بامتياز ايضا ، انه لون كوميدي يرتسم في سلوك الشخصيات لكنه في عمقه يعبر عن عنف وعذاب مقموع لو تنصلت الشخصيات عن موقفها ، وافلتت زمام سيطرتها عليه لخرج على شكل نواح وعويل .إن سيطرة المخرج ومقدرته على تخريج المأساة بكرنفالية وفرح يترجمه مسرح اللاتوقع الحركي القصير في طبيعته الأسلوبية ، التي تُلفت النظر إلى إمكانات إعادة صيغ إنتاج الانفعالات الإنسانية ضمن تصور جديد يعتمد النقيض وينبذ المماثلة والتسطيح .هكذا كانت شخصيات الكتيباني تمرح حزناً وتحزن مرحاً ، وعلى وفق هذا التضاد الجمالي ، ارتسمت اشكالية العرض في هذه المفاصل المختلفة ، التي اختار لها المخرج هذا الواقع الإشكالي ، واستطاع أن يؤسس لثيماتها الفلسفية ، وان يمد الجسور المتلاحمة ما بين النظرية والتطبيق ، ليكون مسرح اللاتوقع الحركي القصير قادراً على تصدير ذاته فكراً واسلوباً ، ومنتجاً لممثلين كان بمستطاعهم ان ينهضوا بتلك المهمة ، فقد تميز الممثلون (مناف حسين ، ماهر منثر ، سجى ياسر) ، بمقدرتهم على ترجمة المفترقات الفلسفية لهذا المسرح ، وبقدرتهم على إشباع الطاقة الحركية الكبيرة التي تختصر في وقتها المختزل مسافات شاسعة من الأداء ، واستطاعوا أن يؤسسوا تناغماً ادائياً ، يُعلنُ عن استيعابهم للأسلوب الأدائي الجديد الذي يُبنى أدائيا بشكل كبير على قاعدة البناء والهدم ، مما يتطلب من الممثل امكانية التخلص المرن من الحالات الأدائية المختلفة التي يتوجب عليه مغادرتها بشكل سريع والانطلاق الى المغايرة البنائية بشكل مستمر.

——————————

المصدر : مجلة الفنون المسرحية – حسن النخيلة- الزمان 

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.