مسعية يستعين بالتجربة والشغف في التأريخ لـ”مسرح القطيعة” بالمغرب

 

نزار الفراوي بوازع نضالي يبتغي سد الفراغ في كتابة التاريخ الثقافي للمغرب في شقه الفني المسرحي، وبهم بحثي شغوف يروم صيانة ذاكرة تراكم إبداعي شق طريقهبصعوبة ليحفر مكانا في التربة الاجتماعية والسياسية المغربية، يواصل أحمد مسعية مشروعه في التأريخ للمسرح المغربي، تارة بصيغة توثيقية وصفية تحفظ الأسماء والأعمال والوجوه كما في “دليل المسرح المغربي”، وتارة بصيغة تحليلية نقدية كما في كتابه الجديد “مسرح القطيعة”.

في هذا الإصدار بالفرنسية، عن منشورات “الفاصلة” بطنجة (350 صفحة)، يتجاوز مسعية مستوى حفظ الذاكرة الممتدة للمسرح المغربي ليختص بمرحلة بعينها منطلقها بداية تسعينيات القرن الماضي مع تخرج الأفواج الأولى للمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي الذي تأسس عام 1986، ويتجاوز تجميع الوثائق والشهادات واستدعاء الوقائع والتطورات ليقدم قراءة نقدية لما يعتبره نقلة نوعية في رؤية وشكل صناعة الفرجة المسرحية في تفاعل مع التطورات الثقافية والمجتمعية والسياسية للبلد.

التأريخ من موقع التجربة والشغف

ينبري مسعية لهذا العمل من موقع الاهتمام البحثي والشغف الفني مقرونا بتجربة الاشتباك المباشر مع الحقل المسرحي الوطني، وتحديدا من المسؤولية البيداغوجية في تكوين المواهب المراهن عليها لحمل شعلة مستقبل المسرح في شرط مجتمعي ومؤسساتي غير مرحب على الإجمال. هي مداخل وزوايا متكاملة يتضافر فيها نهج المؤرخ وعين الناقد وتجربة المكون الذي تولى إدارة المعهد العالي للفن المسرحي من 2005 الى 2008.

يعرف عن مسعية انحيازه للشباب الذين يصنعون اليوم ربيع المسرح المغربي. فقد غادر كرسي الإدارة، لكنه ظل صديق الخريجين، بحنو الأب النصوح وحيوية الناقد المواكب أيضا. يدافع عن تجاربهم في المنتديات الفكرية والمهنية، ويجابه كل أطروحة لتمجيد الماضي على حساب التجارب الجديدة، ويقدم لهم أثمن خدمة ينتظرها الفنان المبدع من المنتسب للوسط الثقافي: يحضر العروض بانتظام، يشاهدها بشغف ويقظة، ويواكبها بقراءة عاشقة وناقدة في الوقت ذاته. إذ لا ترادف محبة الجيل وتعهد التجربة التورط في مجاملات مجانية تهدم ولا تبني.

في “مسرح القطيعة” مزيج محبوك من صرامة المنهج في التقسيم الزمني والتفريع الموضوعاتي، واستدعاء الوثائق والنصوص وشهادات الفاعلين، ومن مخزون الذاكرة الشخصية والمعايشة الحية، على مدى عقود، لتطورات المسرح المغربي.

وتشكل الهوامش الزاخرة بالمعلومات والاستطرادات نموذجا لهذه الصرامة في ضبط مصداقية المصادر بصدد كتابة تاريخ المسرح المغربي الحديث، بحيث ظل المتن متخففا من إحالات كانت لتثقل كاهله وتغرقه في كتابة بالتداعي العشوائي لحكاية متشعبة المفاصل.

وهو يكتب قصة مرحلة هامة من تاريخ المسرح المغربي، لا ينفصل مسعية عن مرجعياته النظرية الواسعة، بل يستحضرها بشكل سلس وبيداغوجي في مستهل مقارباته لمختلف محاور الكتاب، بحيث تحضر إضاءات نظرية غنية ومتعددة الآفاق، فرنكوفونية وأنجلوسكسونية، سواء في بعدها النقدي الذي ينصب على الفرجة المسرحية أو في بعدها السوسيو ثقافي والفلسفي كلما تعلق الأمر بربط الممارسة المسرحية بمحيطها التاريخي والاجتماعي.

“اليوم، بعد أزيد من ستين عاما على بدايات كانت أكثر من واعدة، فإن المسرح في المغرب ليس بخير، بالرغم من التدابير الإدارية والمالية واللوجستكية التي استفاد منها، وقدوم جيل جديد من شباب مكون في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي”. خلاصة أليمة يلقي بها مسعية في وجه القارئ منذ مقدمة الكتاب. لا يحاكم الكاتب المبدع، بل يسائل محيطا اجتماعيا وسياسيا لا يولي الفعل المسرحي المكانة اللائقة به ضمن مكونات الثقافة المغربية.

التكوين في المعهد.. بذور الحداثة المسرحية

يضع المؤلف تأسيس المعهد العالي في سياق وعي متراكم بانحسار حيوية مسرح مغربي يعيش بأجنحة منكسرة خلال عقد الثمانينيات بعد أن أصبح مختزلا في تجارب كوميدية سطحية، في وقت كانت التجارب الرائدة في طريق أن تصبح مجرد ذكرى تستعيد أسماء من قبيل الطيب الصديقي وأحمد الطيب العلج وعبد الحق الزروالي وغيرهم. كانت البنية الجديدة التي رأت النور بعد حمل عسير تلبي الحاجة إلى تكوين أكاديمي يزود الركح المغربي ليس بالممثل والمخرج فقط، بل بمختلف صناع كواليس العرض، من ملابس وديكور وإضاءة وسينوغرافيا…

يستعيد أحمد مسعية سيرة هواء غير صحي تنفسه المعهد منذ بداياته، تجلى في محدودية الإمكانيات المادية والبيداغوجية واللوجستيكية للمعهد، كما في سيادة مواقف نابذة من قبل عدد من رواد الساحة المسرحية، بدا معها المعهد كيانا دخيلا وغريبا عن محيطه الطبيعي. لكن العجلة تدور، وبتدفق الأفواج الأولى للخريجين، تمخضت مرحلة انتقال تنشد قطيعة إبداعية مع الرصيد المسرحي القائم، يصنعها خريجون توزعت تجاربهم على خريطة البلاد، مقترحين فرجة مسرحية حديثة تنطوي على بحث عميق في الأشكال وجرأة ضاربة في المواضيع، تحت راية التجريب، وما بعد الحداثة المسرحية.

بعد تحليل سياقات تأسيس المعهد والأجواء التي طبعت نشاطه، يمضي مسعية إلى وضع ثمار هذه البنية تحت مجهر النقد والتحليل، مقتفيا بصمات التكوين الأكاديمي في الشكل الفرجوي المقترح الذي يراود آفاق التجريب وما بعد الحداثة، كما في الموضوع المسرحي مواكبة لتطورات النقاش المجتمعي وانشغالات المواطن بإرادة فتية حازمة في مناكفة المحظورات.

مسارات متنوعة وخيارات جمالية متباينة

بغض النظر عن المسرح الأمازيغي والحساني الذي يفضل الكاتب مقاربتهما بشكل مستقل، يصنف مسعية التجارب المسرحية الجديدة لخريجي المعهد إلى صنفين: مسرح واقعي ينكب على طرح الواقع الاجتماعي لمغرب اليوم ولو وفق صيغة حديثة، برهان غالب على الكوميديا كشكل مفضل للتفاعل مع الجمهور، ومسرح تجريبي يحضر فيه هم البحث عن الشكل المختلف، المجدد الذي تتألق فيه الدراماتورجيات المعاصرة.

مسرح الواقع

“للمأساة دائما بسمة في الشفاه”. بهذه العبارة المضيئة يقارب مسعية خصائص المسرح الواقعي برهانه الكوميدي، سواء الكلاسيكي المعتمد على كوميديا المواقف واللعب على اللغة على غرار تجارب “مسرح الضفة الأخرى” لمحمد نظيف، “مسرح السبعة” لإدريس الروخ وغيرهما، مع بروز لافت لفرقة “تانسيفت”، التي أسسها حسن حموش ومحمد الورادي سنة 1998 بمراكش، وحققت عبر عروضها نجاحا جماهيريا مثيرا، أو كوميديا السخرية المفارقة القائمة على الغروتيسك، التي قدمتها فرق من قبيل “مسرح الأجيال” لعبد اللطيف المسناوي (1997)، ولاحقا مسرح “ستيلكوم” لأمين ناسور (2015)، و”إيسيل” لسعيد آيت باجا (2016).

ضمن هذا المسرح الواقعي، انفتحت الساحة أيضا على تجارب ذات طابع تحسيسي، حاملة لرسائل مباشرة تخص بعض القضايا الملبدة بقيم المحافظة ومقاومة التحديث، داعية الى مساءلة البديهيات والمسلمات المجتمعية. يشكل مسرح “أكواريوم” بإدارة نعيمة زيطان، الذي تأسس عام 1994، نموذجا رائدا في هذا التيار، من حيث نضاليته والتزامه من أجل المساواة، خصوصا من زاوية نظر نسائية.

ليس بعيدا عن هذا الأفق الاجتماعي، تبرز تجربة “أبينوم” (1999) من شفشاون، في اشتغالها على قضايا البيئة وتمدرس الفتاة والعنف المنزلي.

ينبغي التوقف هنا للتنبيه إلى أن التصنيف ليس خانات فاصلة. ففي إطار مسرح ذي أفق مواطن ملتزم بالسؤال المجتمعي، نجد تجارب تنتمي إلى تيار تجريبي، لكنها تنخرط بأسلوبها الخاص في مقاربة الموضوع الاجتماعي. ذلك شأن فرقة “دابا تياتر” بقيادة جواد السوناني، الذي اشترك مع الكاتب إدريس كسيكس في صياغة مفهوم “لخبار فالمسرح” الذي يستدعي وقائع سوسيو سياسية لإثارة النقاش المواطن والمفتوح.

آفاق التجريب

أما في ضفة المسرح التجريبي المنشغل بالتجديد في شكل الفرجة، وفضائها ولغتها، يجد أحمد مسعية في المشهد ورثة لمدرسة الحكي المسرحي كما جسدها كبار أمثال الطيب الصديقي مغربيا، عزالدين مدني تونسيا، عبد القادر علولة جزائريا.. تبرز في هذا السياق تجربة فرقة “القصبة”، التي أسسها عام 2001 الزوج محمد أمين بنيوب وفاطمة مقداد، حيث اشتغلا على التاريخ الحديث للمغرب من مدخل ملف الاعتقال السياسي كما في مسرحية “الكرنفال” (2005)، وهو الموضوع ذاته الذي قاربته فرقة “أفروديت” لعبد المجيد الهواس في “شجر مر” (2004).

مسرح الحكي سيغتني نوعيا بإسهامات عصام اليوسفي في مقاربته أساسا لوضعية المرأة كما في “دموع بالكحل” لفرقة “أنفاس” (2006) من إخراج أسماء هوري.

مركزية موضوع المرأة بأسئلتها الوجودية والاجتماعية حاضرة بقوة في تجربة “مسرح الشامات”، الذي تأسس عام 1997 بإدارة بوسلهام الضعيف. تألق المشروع بداية مع الممثلة فاطمة عاطف في مونودراما “راس الحانوت”، التي حققت نجاحا داخل وخارج المغرب. ولا يلغي رهان “الشامات” على الحكي حضور البعد التجريبي بقوة في الرؤية المسرحية للضعيف، كما جسدها عبر سلسلة من الأعمال الغزيرة التي اشتغلت على نصوص روائية عالمية ومحلية.

في إطار هذا المسرح، يزاول محمد الحر الحكي بالأبيض والأسود، هذا التقاطب الحاضر بقوة في أعماله، والذي يعكس احتدام الصراع القيمي والفكري داخل المجتمع المحافظ. هي تجربة مسرح شعبي دون أن يقع في الشعبوية، تجريبي وملتزم، دون أن يسقط في النخبوية، كما تقدم الفرقة نفسها. من أعماله “مومو بوضرسة” (2007) و”الباشا حمو” و”صولو” المقتبسة عن “ليلة القدر” للطاهر بنجلون، (2010) وصولا إلى “العلوة” (2019).

يرصد المؤلف مسرحا أكثر جرأة على مستوى الاختيارات الجمالية، تحت اسم المسرح البديل. يتحدث عن رائد ضمن خريجي المعهد هو عبد العاطي المباركي، الذي انضم مدة قصيرة إلى محمد بسطاوي ومحمد خيي وعبد المجيد الهواس ويوسف فاضل لتأسيس فرقة “الشمس”. على أن الامر لا يتعلق بتيار خاص، بل يحتضن طائفة واسعة من الأسماء والتجارب، بما فيها تجارب نعيمة زيطان في “أكواريوم” وبوسلهام الضعيف مع “الشامات” ولطيفة أحرار في “مسرح الأصدقاء”، واقتراحات فرقة “أبينوم” لشفشاون وجواد السوناني مع “دابا تياتر” وغيرهم.

ويتوقف المؤلف، ضمن توثيق مسارات التجريب المسرحي، عند تجارب انصب مجهودها على خلق فضاء بصري تعبيري مستقل نسبيا عن ثرثرة اللسان. ليس غريبا أن يكون فوزي بنسعيدي أحد الأسماء الرائدة في هذا المجال وهو يستدعي ذوقه السينمائي ورهانه على التعبير الصامت إلى الخشبة. كذلك انفتحت الساحة على فن الإنشاءات من خلال تجربة المخرج حفيظ بدري، مدير فرقة “تياترو. كوم”، كما في “حدائق عباد الشمس” أو “خايف البحر لا يرحل”.

وتطل المخرجة أسماء هوري على المشهد من خلال فرقة “أنفاس”، مقترحة مشاريع شديدة الاعتماد على التعبير التشكيلي، وتوظيف جماليات الجسد والموسيقى والرقص. ولا يمكن طي صفحة الحديث عن هذا التيار دون استحضار تجربة عبد المجيد الهواس، رجل الظل في عمله مع عدة فرق أو في إطار فرقته الخاصة “أفروديت”، التي أسسها سنة 1999، حيث يعمق رهانه على تقديم مسرح تتسيده الصورة.

ويكمل مسعية مسحه للمشهد المسرحي الوطني باستعراض وجوه من صناع المسرح الأمازيغي والمسرح الحساني، بالإضافة إلى مسرح الشارع، وهي تعبيرات اغتنت هي الأخرى بالطاقات التي أنتجها المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، وساهمت في تكريس التعددية الثقافية والخصوصية الجهوية على الخشبة.

غيوم في سماء المستقبل

أكثر من ثلاثة عقود من العطاء المسرحي رفقة الجيل الجديد من صناع المسرح تعكس، حسب المؤلف، تحقق مكاسب على صعيد ثلاث منظومات قيم: فنية، بتقديم مسرح يعتنق أشكالا تعبيرية جديدة، ويستند على توظيف جماليات عرض حديثة واجتماعية بتوطيد مكانة الفنان من خلال الاعتراف بوضعيته قانونيا ومؤسساتيا، وبناء مسارح جديدة واقتصادية بتنزيل نموذج للدعم العمومي للإبداع المسرحي، وهو ما شجع الشباب على الانتظام في فرق والاجتهاد في تقديم فرجة نوعية.

غير أن هذه المكاسب لا تحجب اختلالات عنيدة تجعل الأفق ملبدا بالعديد من الشكوك حول مآل هذه الدينامية. لا إبداع بلا هواء حرية تمتصه المحظورات الاجتماعية، التي يرى مسعية أنها مازالت تخنق الحركة المسرحية في بحثها عن الأشكال الجديدة، وفي مقاربتها للمواضيع التي تهم الفرد والمجتمع. ولا ضمانات لمستقبل هذه التجارب في ظل استمرار هذه التبعية الاقتصادية الكلية لآلية الدعم العمومي مع اختفاء شبه كلي لشباك التذاكر، وفي ظل هجرة مكثفة للمبدعين نحو التلفزيون والسينما.

عمل كبير يظل معلقا على الدولة في الاضطلاع بواجبها بتشجيع المسرح كشكل تعبيري حي يجسد الحق في الثقافة، مما لا يعفي هذا الجيل نفسه من جهود مضاعفة في فرض الذات وإعادة إقناع الجمهور المغربي بالذهاب الى دور العرض المهجورة.

www.hespress.com

نزار الفراوي

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح