أخبار عاجلة
Actors perform in "Richard III: An Arab Tragedy" in the Gulf emirate of Abu Dhabi on March 29, 2009. The Abu Dhabi Authority for Culture and Heritage (ADACH) is hosting three performances of the play, an adaptation of William Shakespeare's drama featuring Kuwait's Suleiman al-Bassam. The play, originally commissioned by the Royal Shakespeare Company for its festival in Stratford-on-Avon in England, was first announced under the more explicit title "The Baghdad Richard" and Bassam acknowledges that late Iraqi president Saddam Hussain was its initial inspiration. AFP PHOTO/STR (Photo credit should read -/AFP/Getty Images)

“مسرح ما بعد الربيع العربي … بين ثقافة التغيير، وفعل التثوير …” دراسة إيساغوجية في النموذج المسرحي الكويتي

“مسرح ما بعد الربيع العربي … بين ثقافة التغيير، وفعل التثوير …”
دراسة إيساغوجية في النموذج المسرحي الكويتي
 
د. نادر القنّة
أستاذ الدراما وعلوم المسرح
دولة الكويت
 
 
     قبل ما يزيد عن ثلاثة عقود من هذا التاريخ، قدم قيس الزبيدي للثقافة المسرحية العربية – وقتذاك- خدمة ابيستمولوجية لا تقدر بثمن. حينما قام باختيار ومراجعة عدة ابحاث مسرحية، تتعلق بفلسفة وتكنيك المسرح الملحمي، ونشرها في كتاب يحمل عنوان: (مسرح التغيير)/ مقالات في منهج بريشت الفني … 
     يبدو للناظر العابر، انه كتاب صغير في حجمه، غير انه عند الباحث المتأمل يبدو عكس ذلك تماما، فهو شديد الثراء في طروحاته، وافكاره، وتجلياته الثقافية الابيستمولوجية … يقع في 212 صفحة من القطع الصغير، وقد صدر عن منشورات دار ابن رشد في بيروت، في العام 1978م. واهم ما فيه انه وضعنا – مباشرة – وجها لوجه أمام الوظيفة السسيوثقافية للمسرح. وهي ثقافة التغيير، وميكانيزمات التعامل معها وفق رؤية ازدواجية التكوين الاستيطاطيقي AESTHETICS   سواء عبر مسوغات التلقي، أو الأساليب التكنيكية للارسال. 
     لهذا السبب صدر قيس الزبيدي هذا الكتاب بعبارة بريختية موجزة شارحة جامعة، لافتة للنظر، تقول: ((أردت أن أستعمل على المسرح الجملة القائلة بأن المهم ليس تفسير العالم بل تغييره)) 1 
     هذه المقولة كان بريخت قد أطلقها في العام 1953م. اي قبل ان يشرع في البحث عن مشروعه المسرحي الجديد مسرح الديالكتيك Lob der Dialektik ، وقبل رحيله بثلاث سنوات (14/أغسطس/1956م). 
     لتظل – اي هذه العبارة- العنوان الفلسفي العريض لمسرح بريخت، الباحث عن تكريس ثقافة التغيير في العالم عبر انتاجه المسرحي المؤدلج غير المنتجي حزبيا.
المسرح أداة ثورية: 

     لذا، فإن المسرح عند بريخت أداة ثورية نضالية نحو التغيير الاجتماعي، والارتقاء الإنساني، والتواصل البشري، لا مظهرا من مظاهر التطهير/ الهارماتي، وذلك عبر استفزاز عقلية المتلقي والنهوض بها باتجاه الوعي والمشاركة الجمعية … وهو ما أكده ماكس شريدر Max Schroeder في قوله: ((كان بريشت يشدد دائما بأنه لا ينبغي هدهدة، المتفرج بالايهامات وأنه لا ينبغي للمستمع ان يعتقد أنه فهم شيئا ما، في الوقت الذي لم يكن قد فهم فيه شيئا في واقع الامر – وهذا هو جوهر المسرح الرومانسي المتدهور، وأيضا مسرح اللهو الحديث- فبريشت يرغم الجمهور على تعلم حل رموز فنه تماما، كما يعلم المجتمع التقدمي الاميين. فهو يعلن حربا شعواء ضد التصوف والخرافة اللذين سادا فهم الفنون بتشجيع من الايدلوجية البورجوازية المنحلة. وليس ثمة تناقض بهذا الصدد بين المسرح البريشتي والمسرح القديم أو مسارح شكسبير وجوته. فلقد تولى بريشت مهمة المحافظة على المسرح كعامل اجتماعي محرك في ظل الظروف التاريخية الجديدة … ويأخذ بريشت المسرح على انه فن، وربما يأخذ هذا الفن بجدية تامة ليس لها مثيل من قبل. فهو يأخذ المسرح على انه مهمة اجتماعية ينبغي أن تؤخذ بكل جدية. ففي العصر القديم، في البعث الشكسبيري وفي عصر جوته، كان المسرح يؤخذ بجدية تامة طبقا لاعلى مستوى لوجهة النظر العالمية التي تحققت أنذاك، والتي كانت في نفس الوقت متأثرة بالحدود المثالية والفلسفية التي سادت كل عصر. وبريشت يحاول ان يضع المسرح على اعلى مستوى لوجهة نظر الواقع الاجتماعي الشاملة في عصرنا ومن ثم يستخدم المسرح في النضال الذي يخوضه))2
 
 
كانت ثقافة التغيير عند بريخت كمرحلة اولى تقود نحو فعل التثوير، ترتكز اول ما ترتكز على جماليات البحث والسؤال والاستفزاز والاثارة، والتوعية، والعقلنة … لا إلى جر المتلقي إلى حيز الانغماس والاندماج، والتقييد والاغلال .. 
المسرح أسئلة جدلية: 
لقد كانت إثارة الأسئلة في مسرحه جزء  من بحث اجتماعي هاجسه التغيير، أسئلة ديناميكية مفتوحة على فضاء المعرفة، والتنبه إلى إشكاليات العالم الرأسمالي والبرجوازي المسلط على رقاب البسطاء من الناس، من طبقة البروليتاريا …
هذه الأسئلة المثيرة للجدل والبحث تسعى – بشكل مباشر- إلى تحديد وتحقيق المتطلبات الاجتماعية، وفي مقدمتها التغيير، ولكنه ليس أي تغيير، انه التغيير نحو واقع اجتماعي أفضل.
من هنا، كانت الأسئلة البريختية مفتاحا للمناقشة في الأوساط الاجتماعية في برلين. ونا يستحضر لنا التاريخ كيف لعبت مسرحية (الأم كوراج) دورا مهما في فتح باب المناقشة أمام الجمهور الألماني، ودفعته إلى التفكير في تغيير قناعاته الفكرية في أشياء ماضوية، أو في ثوابت اجتماعية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وتربوية أخرى … لدرجة أنها – إي المسرحية – هزت لديه بعنف هذه القناعات، وهذه الثوابت .. دفعا للتغيير. وهو ما يؤكده ماكس شريدر في قوله: ((والحق انه بعد تقديم مسرحية بريشت – الأم كوراج – خرج كل متفرج باقتناع تام بأن عينيه تفتحت على شيء جديد، إي بنفس الشعور الذي ينتاب الإنسان وهو يحل رموز الأبجدية للمرة الأولى، أو كأنه يتعلم تجربة فن جديد … بالنسبة لبريشت فلقد  كانت كل مسرحية من أعماله بمثابة مشروع جاد لا يختلف عن الطقوس الدينية، ولست أقصد بالطقس هنا الشعائر المغلقة باللاعقلانية أو الميتافيزيقية، بل بنشر الثقافة والتنوير الضروريين لدفع التقدم الإنساني قدما … والحق أن مسرح بريشت قد وصل إلى تفوقه الفني واستطاع أن يخرج الحقائق السياسية إلى النور، كما انه يكرس كل ذكائه لإزالة الأنقاض ولبناء مجتمع رجال سياسة الكوارث))3 
وفق ذلك، فإن معرفة الحقائق في ظل ثقافة تنويرية عالية القيمة السسيوبوليتيكية، حتما ستؤدي إلى تعزيز ثقافة التغيير في الأوساط الاجتماعية المختلفة … التغيير بدلالاته الدالة على الوعي والتقدم، وهذه هي المهمة النضالية للمسرح البريختي الذي عبلا عنه فيرنر ميتنشفاي بالقول: ((قد رغب بريشت من خلال أعماله بالانضمام إلى صفوف أولئك الذين يهدفون إلى مساعدة الإنسانية والتخفيف عنها. وقد اعتبر أن الهدف من أعماله هو توضيح الأدوات التي يمكن بواسطتها السيطرة على المصير البشري. لقد حازت أعماله على قيمة خالدة وذلك لان جهوده هدفت إلى إعطاء أناس زمانه كتبا مفيدة ومسرحا مسليا. لقد أصبح بريشت كاتبا من الطراز الأول لا تهدف أعماله إلى جعل ما هو مكتشف أمرا نهائيا. لقد كان هدفه أن يحوز على ما هو خالد في التغيير .. وهكذا أصبح بريشت كاتبا من الطراز الأول لأدب يهدف إلى صنع تغييرات عظيمة في المجتمع من خلال معنى الاشتراكية)). 4
الرهان على وظيفة المسرح
     كان بريخت يراهن على دور الفن، وعلى وظيفته السسيوثقافية، في إحداث تغييرات في البنية الاجتماعية .. وكان يسعى في كتاباته، وفي أسلوبه الإخراجي – المعتمد على تقنية التغريب – إلى نشر ثقافة التغيير. بوصفها سلطة عقلانية جديدة، لا تستكين عند ثابت معين. بل تغيير ديناميكي مستدام ومتداول من مرحلة إلى أخرى. فقد ((ادخل بريشت العلم إلى المسرح ليس ليجعله علميا، ولكن كي يقدم متعا مسرحية جديدة للإنسان، وهو الذي يستعمل العلم لتغيير المجتمع … إذا أراد المسرح ان يكون تقدميا فعليه أن يدعم المتع القديمة بمتع جديدة. إن واحدا من أهم مهام مسرح بريشت هو أن يجعل الجمهور مستعدا لتلقي متع جديدة وتسلية أفضل. ليس على المسرح أن يقف في مكانه عندما يواجه العمليات المعقدة للتطورات الاجتماعية الجديدة. إن المسرح لقادر – لو استعمل وسائله الخاصة به – على أن يظهر العمليات المعقدة في واقعنا الجديد. لم يرغب بريشت بمسرح فلسفي، ولكن بمسرح يستطيع فيه فيلسوف مجتمعنا المتقدم ان يمتع نفسه)).5 
لذلك رأى بريخت ان الفن الذي لا يضيف شيئا إلى تجربة الجمهور وال1ي يغادره كما وجده، والذي لا يريد أكثر من ان يتملق غرائزه البدائية  ويؤكد أراء فجة ومهترئة، ان فنا كهذا لا يساوي شيئا.
والإضافة عند بريخت هي عامل التغيير برمته … التغيير نحو الأفضل، وفق معتقدات ومكتسبات ومهارات ابيستمولوجية جديدة. ليس هذا فحسب، بل يؤكد بريخت على دور النقاش والديالكتيك في المنجز الإبداعي في إرساء ثقافة التغيير .. بل والدعوة إلى فعل التثوير. فها هو يكتب في الاورجانون الصغير: ((فعن طريق ما يجري بين الناس، يأتينا كل ما هو قابل للنقاش وللنقد وللتغيير)).6 
ثورة يوليو … ومسرح النهضة:
لم تكن وظيفة المسرح هذه بغائبة عن ذهنية وإبداعات ومنجزات المسرحيين العرب في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى وجه التحديد في مرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952م … ومرحلة الحركات الثورية والنضالية المطالبة بالاستقلال … والاستفادة من الثقافة ومنها المسرح في إحداث تغييرات بنيوية في القوى الاجتماعية والسياسية. فظهرت موجة من الكتاب والمخرجين والممثلين، من الذين ساهموا في تجاربهم المسرحية على نشر ثقافة التغيير، ضمن مشروع النهضة والتنوير في خمسينات وستينات القرن الماضي، نذكر منهم: نعمان عاشور، سعد الدين وهبة، الدكتور كمال عيد، حمدي غيث، عبد الله غيث، سعد اروش، كرم مطاوع، احمد عبد الحليم، جلال الشرقاوي، الفريد فرج، محمود دياب، ميخائيل رومان، يوسف ادريس، عبد الرحيم الزرقاني، نجيب سرور، يوسف العاني، سامي عبد الحميد، إبراهيم جلال، سعد الله ونوس، غسان كنفاني، معين بسيسو، فرحان بلبل، د. هيثم الخواجة، على عقلة عرسان، اسعد فضة، ممدوح عدوان، عصام محفوظ، روجيه عساف، محمد بن قطاف، محمد أذر، كاتب ياسين، مصطفى الحلاج، مصطفى كاتب، عبد القادر علولة، رويشد، صقر الرشود، عبد الرحمن الضويحي، حسين الحداد، محمد النشمي، عبد الرحمن الشرقاوي، كمال ياسين، وسميح القاسم، احمد الطيب العليم، حقي الشبلي، نبيل الألفي، شوقي خميس، وغيرهم.
لقد ساهمت هذه الموجة من المبدعين في بلورة مسرح النهضة والتنوير والاستقلال والتغيير في الوطن العربي، وواكبت في تجاربها ومنجزاتها المرحلة الثورية والبنائية والتنويرية الجديدة، والتي وصلت ذروتها في النصف الثاني من ستينات القرن العشرين … فصارت سمة مسرح الستينات العنوان اللصيق بإفرازات هذه الكوكبة، وهذه المرحلة … بوصفها تعبيرا حقيقيا عن مسرح نوعي ناضج من الناحية الفنية والجمالية والفكرية، وتعبيرا رصينا عن ثقافة مسرحية محملة بأعباء الرسالة الوطنية والقومية التوعوية، التي تعمل على نشر ثقافة التغيير ضمن سياقات مجتمعية تنموية متكاملة فكان من ابرز تجلياتها قدرتها على فتح حوارات ثقافوية ممتدة ومتشعبة في مختلف شؤون الحياة، في السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية والتربية والأخلاق والفكر والفن والإبداع والتعليم… بل والاهم من ذلك قدرتها على خلق حراك نقدي هادف طال كل شيء حتى نظام الدولة ذاته: فأعمال يوسف ادريس، ومحمود دياب، وسعد الله ونوس، والفريد فرج، وسعد الدين وهبة ليست ببعيدة عنا … حيث اكتسبت بعض أعمالهم المسرحية، ومعهم الكثير من أعمال أبناء جيلهم خاصية النمذجة المسرحية للمرحلة pattern  التي تعكس بوضوح دوافعهم الفكرية والاجتماعية والسياسية نحو التغيير، وإعادة صياغة الواقع، وفق رؤاهم.   
تشكيل الوعي الإخراجي: 
في نهاية السبعينات، ومرحلة الثمانينات، لعب كتاب (مسرح التغيير) دورا بارزا في تشكيل الوعي الإخراجي، لكثير من المخرجين المسرحيين الشباب، المفتونين بالمسرح السياسي، ومسرح الثقافة السسيوبولينيكية، ومن الذين وجدوا في المسرح البريختي وتقنيات المسرح الملحمي ضالتهم في مناقشة أوضاعهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية … حيث شحذوا أسلحتهم الفكرية والإبداعية في نقد واقعهم، متطلعين إلى إنتاج واقع أفضل عبر قاطرة مفهوم (ثقافة التغيير)، مستلهمين في ذلك تعاليم بريخت وشروحاته في المسرح التعبيري، المسرح التعليمي، والمسرح الملحمي … مضافا إلى ذلك ما أرساه كلا من: اروين بيسكاتور، وبيتر فايس في تقنيات ومفاهيم المسرح السياسي. وعلى وجه التحديد ما أفرزته جماليات المسرح الوثائقي / التسجيلي من اكسيولوجيات Axiology  ابيستمولوجية، وأيدلوجية استطاطيقية.
القبض على الجمر: 
كان هاجس التغيير في هذه المرحلة منصبا على الواقعين الاجتماعي والسياسي، وبنسبة اقل على الواقعين الاقتصادي والثقافي … وذلك بفعل مؤثرات الفكر اليساري الذي انطلق في الخمسينات في أعقاب ثورة يوليو 1952م، ووصل ذروته في الستينات، وتبلورت مفاهيمه في إعقاب نكسة يونيو/ حزيران 1967م. حيث خاض هذا الفكر معركة غير متكافئة مع الأنظمة السياسية القائمة في كثير من الأقطار العربية …
وكان المسرح أهم أداة ثقافية بيد أهل الثقافة من النخبويين، حيث وجدوا فيه – أي المسرح – سندا حقيقيا للتغيير، ومنبرا ناجحا لتعرية السلطة، ورفض أساليبها الرقابية والقمعية .. ووسيلة ناجحة من وسائل نشر الثقافة الديمقراطية التي تقوم على مبدأ فتح فضاءات من الحوار والممارسة النقدية الموضوعية … 
كان الفكر اليساري في المسرح ، في هذه المرحلة يزداد غضبا ، وعنفا ، وحنقا على السلطة … نتيجة ما تعرض له المسرح والمسرحيون من قمع ، ونفي ، ومصادرة ، وتكميم للأفواه ، وشراء للذمم … ونتيجة لما تعرضت له المراكز الثقافية من انتكاسات وانكسارات .. وهزيمة . حيث قامت السلطة بتشجيع إنتاج المسرح الاستهلاكي المبتذل ، المفزع من مضامينه الأكسيولوجية والأيديولوجية . والجمالية .. فصمت من صمت ، وهاجر من هاجر ، ومات كمدا من مات .. وبقيت نخبة مسرحية قابضة على الجمر ، مؤمنة بدورها الطلائعي في معركة التغيير ، ونشر ثقافة التغيير … سلاحها في ذلك المسرح والإبداع والجمال ، والنقد ولا شيء غير ذلك . وإن كانت فكرة فعل التثوير لم تعد تشغلها كثيرا . بقدر ما شغلتها فكرة التغيير . وكان من أبرز هؤلاء : محفوظ عبد الرحمن ،، نبيل بدران ، مراد منير ، فؤاد الشطي ، صقر الرشود ، سعد أردش ، أحمد عبد الحليم ، كرم مطاوع ، المنصف السويسي ، عز الدين المدني ، أحمد مساعد ، قاسم محمد ، روجيه عساف ، عبد الكريم برشيد ، عبد الرحمن المناعي ، حمد الرميحي ، عوني كرومي ، فاضل خليل ، سعد الله ونوس ، ممدوح عدوان ، وليد اخلاصي ، د. هيثم الخواجة ، محمد مرشد شحادة ، عزمي سعيد ، علي فريج ، يسري الجندي ، عبد القادر فرح ، عادل كاظم ، خليل شوقي ، جعفر السعدي ، محيي الدين زنكنة ، صلاح القصب ، مصطفى التومي ، فواز الساجر … وغيرهم من المخرجين وكتاب المسرح والممثلين والتقنيين . 
لم يكن الدفاع عن فمرة التغيير وثقافة التغيير في هذه المرحلة بالأمر السهل … خاصة أمام حمى انتشار ثقافة الاستهلاك ، التي عمدت على تسطيح كل شيء في الثقافة والفن والإبداع ، ومنها المسرح والتي أخذت في كل مظاهرها ونتاجاتها الفنية صيغ المسرح التجاري ، الذي اقتات في موضوعاته وطروحاته على إثارة الغرائز ، واللعب على كوميديا الكلمة ، والكوميديا الكاريكتيرية بشكل مبالغ فيه … كانت نتائجه سيئة على المتلقي العربي ، بل وسيئة على بنية الظاهرة المسرحية ذاتها ، ولن يعجز ناقد أو باحث في علوم المسرح من الإشارة إلى أكثر من عرض مسرحي تم تقديمها في هذا الاتجاه ، في تلك المرحلة … 
ويكفي هنا أن نشير إلى بعض جوانب هذا التسطيح في الثقافة المسرحية ، وإلى عرقلة مشروع التغيير نحو الأفضل ، والوقوف ضد المسرح النوعي ، والهادف الذي يساهم في نشر ثقافة التغيير … فيما كتبه الناقد جلال العشري في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي ، حيال تلك الظاهرة : 
تحت عنوان نقدي مشبع بسؤال استنكاري ، ومثير للإستغراب والفضول في الوقت نفسه : ( إنهم يقتلون المسرح … أليس كذلك ) كتب يقول : (( إطلالة بانورامية على خريطة مسرحنا الحاضر ، نخرج منها بتلك الحقيقة المؤسفة ، حقيقة أن مسرحنا في محنة … محنة الشكل المتآكل، والمضمون المفرغ ، محنة البيروقراطية المتسلطة في القطاع العام ، والكسب التجاري الرخيص في القطاع الخاص، محنة الوقوف في وجه الطاقات المبدعة كي تفكر ، وتعبر … كي تضيف وتضيء… كي تساهم في حركة التنوير الفكري، والفني … الوجداني والإجتماعي … التي كادت أن تجهض في كواليس مسرحنا المعاصر، أقول هذا كله في مطلع كلامي عن العرض المسرحي الجديد ( إنهم يقتلون الحمير) الذي جاء الإعلان عنه أنه أول كوميديا بوليسية تقدم على المسرح. وليست القضية في أن يكون كوميديا بوليسية أو غير بوليسية ، وإنما في أن يكون كوميديا أصلا : فهنا عمل ينقصه الكثير والكثير جدا من عناصر البناء الكوميدي، حتى يوصف بعد ذلك بأنه بوليسي أو غير بوليسي))7 . 
     وبعد مناقشته النقدية للعرض المسرحي يخرج جلال العشري بالنتيجة التالية ، وهو ما يعنينا في نهاية الأمر بوصفه تشخيصا نقديا للظاهر المسرحية الإستهلاكية ، التي تقوض التغيير ، وثقافة التغيير . يقول جلال العشري في نتيجته : (( عموما لم تكن مسرحية إنهم يقتلون الحمير بالعمل الذي يحسب لفرقة عمر الخيام المسرحية ، بمقدار ما يحسب عليها ، لأننا نرجو لهذه الفرقة ألا تقتل المسرح في أثناء قتلها للحمير ، وإلا فإنهم لا يقتلون الحمير ، وإنما يقتلون المسرح .. أليس كذلك؟!))8 . 
وتحت عنوان نقدي تهكمي آخر ( الكوسة لا تزرع في المسرح ) ، يناقش جلال العشري عرض مسرحية ( نحن لا نحب الكوسا ) وفق رؤيته النقدية ، ويصل في نهاية الأمر إلى نتيجة مماثلة لما سبق ، ليعزز من خلالها هيمنة الظاهرة الإستهلاكية على الثقافة والمسرح ، ويقول : (( إن رائحة الدعاية والتجارة تفوح من هذا العمل ، فإذا كان القائمون عليه حقا لا يحبون الكوسة … فهم يعلمون أن الكوسة لا تزرع في المسرح ))9 . 
وفي موقف نقدي ثالث مشابه ، ولكنه أكثر غيرة ما وصلت إليه الثقافة المسرحية من تدن في طروحاتها ، وسعة في هيمنتها الإستهلاكية والسطحية والتجارية والابتذال . يسجل جلال العشري موقفه النقدي الأخلاقي من تلك الظاهرة ، لإنقاذ المسرح الجاد الهادف والملتزم بقضايا الجماهير ، والمؤسس على رسالته الثقافية الداعية إلى التغيير ، وسيادة ثقافة التغيير الإجتماعي ، والسياسي والإقتصادي والأخلاقي والتربوي … 
أقول في موقفه النقدي والثقافي المعلن يناقش العشري عرض مسرحية ( عيب يا آنسة ) تحت عنوان: ( عيب يا مسرح ) . حيث يستهل مناقشته النقدية باستحضار عبارة شهيرة سبق وأن أطلقها المخرج الفرنسي الشهير لوسيان جيتري، ضد النفر من الذين يعمدون إلى هدم الثقافة المسرحية الرصينة بعروضهم المسرحية الفاسدة والاستهلاكية والسطحية … والتي يقول فيها ((اذا كنتم لا تحبون المسرح أكثر من اي شئ اخر، بل واكثر من النجاح … فارحلوا … قوموا بعمل اخر، ا1ا لم تكونوا فنانين في اعماق انفسكم … وفنانين فقط … دعكم من هذا الجنون العبقري … وكونوا عاقلين كسائر البشر))10 
كراهية المسرح
يؤسس جلال العشري قراءته النقدية على وقع صدى هذه العبارة الموجزة، والشارحة والوافية ويقول: ((هذه العبارة التي قالها المخرج الفرنسي الشهير لوسيان جيتري الذي ضحى بكل شئ حتى بحياته نفسها من اجل المسرح، لا تكاد تنطبق على مسرح من المسارح في فترة من الفترات، قدر انطباقها على مسرحنا الحاضر في هذه الفترة بالذات، فقد يهون كل شئ في المسرح … قد يهون الهبوط بمستوى العروض المسرحية .. وقد يهون تحكم البيروقراطية الدرامية … وقد يهون الضحك التجاري على عقل الجمهور … وقد يهون الاستهتار بكل مقدسات هذا الفن الرفيع .. قد يهون هذا كله وكثير غيره .. اما ان يصل الهوان إلى درجة كراهية المسرح … والعمل ماديا وبشريا في اتجاه الا مسرح، أو في الاتجاه المضاد للمسرح، فهذا هو الخطر الذي سيؤدي في النهاية إلى اقتلاع هذا النبت الطالع فوق ضفاف حياتنا الثقافية، بعد ان خلا تراثنا من كل سابقة لهذا الفن المجيد … راودتني هذه الخواطر بعد مشاهدتي للعرض اللامسرحي المسمى (عيب يا أنسة)الملقى على شاطئ الثغر السكندري ليشكل تحديا سافرا لكل قيم الفن المسرحي))11  
وبعد مناقشة نقدية فنية للعرض، يصل جلال العشري إلى نتيجة تتطابق وعبارة المخرج الفرنسي لوسيان جيتري، ويقول ومرارة الغضب والحسرة على المسرح تأكل قلبه: ((الا تدفعنا مثل هذه المسرحية ((عيب يا أنسة)) لأن نصرخ من الاعماق: (عيب يا مسرح) أجل (عيب يا مسرح) ويا من تتمسكون بهذا الجنون العبقري … لم لا ترحلون … وتتركون هذا الفن وتكونون عاقلين كسائر البشر؟))12 
النكسة السياسية … والنكسة المسرحية
كانت الثقافة الاستهلاكية في هذه المرحلة، والتي اعقبت نكسة يونيو/حزيران 1967 تنشر فسادها الاجتماعي في كل مكان في السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والتربية، والتعليم، والفنون، والعلاقات الاجتماعية … ففي السينما ظهرت موجة افلام المقاولات، وفي الشعر ظهرت القصيدة المفككة التي تحتفي بالغريب من التعابير والكلمات على حساب المعنى والمبنى، وفي الاغنية سادت ظاهرة المجون والسطحية، وفقدت الموسيقا بريقها وسحر ألحانها، واتجهت الرواية والقصة نحو الثرثرة كثيرا … فوضى تعكس غيبوبة ثقافية. 
ظهرت أسماء واختفت أسماء، كان لها قدر عال من المكانة والإبداع … ثمة شعور لا يطاق من الاحباط والقلق والخيبة من جراء هزيمة حزيران … وصيحات في الاتجاه الموازي تلهث وراء الانفتاح وأحلام وراء الثراء السريع الفاحش .. وعقول تنتقل سريعا بلا مقدمات من المعسكر الاشتراكي إلى المعسكر الرأسمالي، أو قل: من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين طمعا بمكاسب وامتيازات ذاتية، تحت حجة مسايرة العصر … واستثمار الظروف، وركوب الموجة، والخروج الجعجعة بأكبر كمية من الطحين … وان كان ذلك كله على حساب القضايا الاكسيولوجية. 
نعم … مسرحنا إلى اين؟
في جانب مهم من رصده لطبيعة إنتاج المرحلة، وما فرضته من إنتاج مسرحي، وروحت له من فكر مغاير … وما بلورته من اتجاهات مسرحية قال الناقد جلال العشري ببصيرته النقدية واسئلته المشاكسة، عبر سؤال نقدي مباشر: (مسرحنا المعاصر … إلى اين؟): 
((الحقيقة التي تفرض نفسها على كل متتبع لمسيرتنا الاعلامية فيما بعد الثورة، هي اننا خطونا خطوات فسيحة وسريعة للحاق بهذا العصر، والدخول تحت مظلته الكبيرة، وربما كان دخول التلفزيون إلى حياتنا العامة من افسح هذه الخطوات واسرعها، لا لانه كان نقلة حضارية واطلالة على العصر وكفى، ولكن لانه بالاضافة إلى هذا استطاع ان يحرث ارض حياتنا الفنية، وأن يستزرع فيها ثمارا جديدة، وان يعرض لضوء الشمس الكثير من البذور التي كانت ملقاة على طول ارض الوادي، ولم تلبث ان اينعت وازدهرت لتنثر على الناس طرحها الجديد.
واذا كان تأثير التلفزيون واضحا في حياتنا الفنية بوجه خاص فإن تأثيره أوضح في حياتنا المسرحية بوجه اخص، ولن نستطيع التعرف على عمق هذا التأثير الا اذا عدنا بذاكرتنا إلى الوراء .. إلى ما قبل انشاء فرق التلفزيون المسرحية، لنرى كيف كانت خريطة الحركة المسرحية تشير إلى صغر المساحة من ناحية الفن، وقلة العدد من ناحية الجمهور، فضلا عن التأزم الشديد الذي كان قد بلغ الذروة بين المسرح الرسمي والاتجاهات الجديدة في الخلق والتعبير، أو بين مسرح الخاصة بكلاسيكيته العتيقة ورواده المتأنقين، ومسرح العامة بكل ما فيه من تطوير لفنون الشعب المرتجلة ومخاطبته لوجدان الكثرة من الجماهير. 
كان ((المسرح القومي)) هو المسرح اليتيم للدولة، بعد ان ادمجت فيه ((فرقة المسرح المصري الحديث)) وكانت المسرحيات التي يقدمها بعيدة كل البعد عن الوجدان العام سواء للغتها العربية الفصحى أو لاطارها الكلاسيكي العتيق أو لتزمتها الاخلاقي الشديد، الذي يجعل الكوميديا مستحيلة الا في حدود العموميات وكان ((المسرح الشعبي)) يلفظ انفاسه الاخيرة، بعد ان ارهقته رحلات الشتاء إلى الوجه القبلى، ورحلات الصيف إلى الوجه البحري، وتنحى عنه المع نجومه لارتباطهم بالعمل في العاصمة، واقتصرت عروضه على احياء المناسبات الوطنية في المحافظات. 
وكانت ((دار الاوبرا)) مجرد رمز للفن الرفيع، لا ترتادها سوى الجاليات الاجنبية، وحلقات صغيرة من مثقفي البرجوازية، ممن يعبرون عن انفصال صورة الفن عن مادته، أو شكل المسرح عن مضمون الحياة.
أما الفرق الخاصة فكانت تنحصر في ((فرقة الريحاني)) التي تولاها الفنان ((عادل خيري))، والتي كانت تستهلك تراث الكوميديا الريحانية على مستوى التقليد، دون اي قدرة على التجديد، ثم ((فرقة اسماعيل يس) الكوميدية التي غرقت في مسرحيات ((الفودفيل)) الرخيصة التي تستهدف الامتاع الحسي الساذج، والفكاهة السطحية العابرة، تحت شعار (الضحك للضحك)) الذي اساء إلى حياتنا المسرحية، ثم فرقة ((تحية كاريوكا)) التي كانت لا تزال في دور التكوين تحاول جاهدة ان تقدم الوانا هادفة من الكوميديا التي تبتعد عن التهريج الفكاهي لتقترب من النقد الاجتماعي، واخيرا ((فرقة المسرح الحر)) التي كانت وليدا ينمو في حضن الثورة، ويحاول ان يعبر عن النبض الجديد في جسد مجتمعنا المصري، مستعينا بالمواهب الفنية الشابة في حقول التأليف والتمثيل والاخراج، ولك خطواته تعثرت بعد أن انهى رسالته بتقديم ((ثلاثية)) نجيب محفوظ فوق المسرح!
في تلك الفترة المتعثرة شكلا ومضمونا، المتخبطة كما وكيفا، والتي رغم تخبطها وتعثرها الا انها كانت فترة المخاض الحقيقي في حياتنا المسرحية، ظهرت فرق التلفزيون المسرحية، فكان ظهورها ايدانا بخروج الجديد من أحشاء القديم، أو طلوع الولادات الجديدة إلى الحياة بعد ان طال بها المخاض.
صحيح ان عام 1956 يمكن ان يعد علامة فارقة في تاريخ مسرحنا المصري الحديث، لانه العام الذي وقع فيه العدوان الثلاثي على مصر، والتحم الشعب التحاما حقيقيا مع الثورة، واكتسبت الثورة شرعيتها الثورية بوقوف الشعب معها وقودا حيا في معركة التحرير وكان ان خاض المسرح هذه المعركة مع الشعب والثورة جميعا، وخرج منها وقد بعث منها بعثا جديدا، تغيرت اهدافه واساليبه، واختلف كتابه وجمهوره، وتفرع نشاطه على اسس جديدة، وأولته الدولة اعظم عناية واروع اهتمام، واعتبرته جزءا اساسيا من واجبها التثقيفي نحوالجمهور، والتزم الكتاب بمبادئ الثورة فكتبوا ادبا مسرحيا جديدا يعبر عن أمال وطنهم في الحرية والاشتراكية والوحدة، وظهر جيل بأسره من الكتاب في طليعتهم نعمان عاشور، وعبد الرحمن الشرقاوي، ولطفي الخولي، والفريد فرج، ورشاد رشدي، ويوسف ادريس، وسعد الدين وهبة، وميخائيل رومان، وصلاح عبد الصبور، ونجيب سرور. 
صحيح هذا كله ولكن الصحيح بالاضافة إلى هذا كله، ان هذه المرحلة الابداعية في مسيرة مسرحنا المصري الحديث، التي كانت تعبر عن ارادة التحرر الوطني اساسا، اخذ يطل منها ويحتدم فيها الحوار الفكري، والصراع الاجتماعي، بين قيم حياتنا التي فجرتها الثورة التي كانت لا تزال تلفظ انفاسها الاخيرة، وهنا ظهرت فرق التلفزيون المسرحية كالطوفان الفني الذي يلتهم في طريقه كل شئ، عشرات الفرق المسرحية في القاهرة والمحافظات ومئات الفنانين والفنيين الذين يقومون بعمليات التمثيل والاخراج والاضاءة والموسيقى والادارة)) 13
شواهد ثقافية  
في هذه المرحلة كان المسرحبون الطليعيون ، ومعهم النخبة الثقافية القابضة على جمر المعرفة، وبجانبهم الغيارى من أهل الفن ، وعشاق الجمال ، وكذلك البقية الباقية من كوادر مسرح الخمسينات والستينات من المؤمنين بدور المسرح ورسالته السسيوثقافية ، وبدوره على التغيير والتعليم وكشف الحقائق . 
كانوا جميعا يتذمرون من الواقع المؤلم الذي وصل إليه المسرح ، ومن هذا السقوط التراجيدي للواقع الثقافي … وهو ما عبر عنه كثير من المسرحيين العرب ، وما أفصحت عنه النخب الثقافية العربية في عدد من المنتديات والملتقيات والمؤتمرات المسرحية والثقافية العربية . وما أنتجته المطابع من دراسات وأبحاث وإصدارات تعكس بوضوح ، وبصراحة ، وعلنية طبيعة الأزمة الثقافية والمسرحبة العربية وقتذاك . فمن باب الإشارة سريعا فقط – وليس من باب الحصر- إلى بعض عناوين الإصدارات في الثقافة المسحرية والعربية ، التي وضعت يدها مباشرة ، ومن غير مواربة على موطن العلة والداء في أزمة المسرح العربي وانتكاساته في تلك المرحلة ، مثل : 
1- سقوط الأقنعة ، للناقد جلال العشري ، القاهرة ، 1997م . 
2- ازدهار وسقوط المسرح المصري ، للناقد فاروق عبد القادر ، القاهرة ، 1979م . 
3- تخريب المسرح المصري في السبعينيات والثمانينيات ، للناقد فؤاد دوارة ، القاهرة 1989م.
أزمة المسرح والنخب النقدية : 
هذه العناوين وبصيغتها المباشرة كشفت عن جوانب من الأزمة الخانقة لمسرح السبعينات والثمانينات في مصر ، إبّان ما يعرف بهيمنة الثقافة الإستهلاكية ، الإنفتاحية الباحثة عن الثراء الفاحش ، تحت مظلة السطحية . 
والحق يقال : إن النخبة النقدية في مصر ، كانت أكثر شجاعة من غيرها في الأقطار العربية في مواجهة هذه الأزمة ، وكشف حقيقتها ، وتبيان أبعادها .. حيث كتبت بضمير نقدي مرتاح عن اخفاقات وانكسارات المسرح المصري ، رافضة ركوب موجة الإستهلاك ومسيارة التيار ، ومبدأ البرجماتية والإنتهازية الثقافية .. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الساحات النقدية العربية الأخرى لم تكن تعدم وجود اسم أو اسمين هنا أو هناك .. ولكن دون أن تشكل تيارا نقديا مواجها كمان كان الحال في مصر . 
وهنا نستحضر جزءا من هذه المكاشفة النقدية الموضوعية في مصر ، كما وضحها الناقد فؤاد دوارة في كتابه تخريب المسرح المصري ، حيث قال في مقدمة كتابه : (( لم أجد وصفا لما حدث للمسرح المصري خلال السبعينات والثمانينات أصدق من التخريب ، وهو – لسوء الحظ – ليس وصفا مجازيا كما قد يتصور البعض ، ولكنه وصف مادي واقعي . فخلال تلك السنوات أحرقت مسارح ، وخربت أخرى ، وبيعت مخلفاتها السليمة إلى القطاع الخاص بأبخس الأثمان ، ورممت رابعة وزخرفت بأبهظ التكاليف .. وفي الوقت الذي لا تجد فيه فرق الدولة مسارح تمثل عليها أجرت بعض مسارحها لفرق القطاع الخاص مددا طويلة بأجور رمزية .. مما فاحت رائحته حتى زكمت الأنوف ما عدا أنوف المسئولين المصابة عادة بزكام مزمن لا شفاء منه . وكان ذلك من أهم العوامل التي ساعدت على انكماش حجم ما تقدمه فرق الدولة ، تاركة الساحة شبه خالية أمام فرق القطاع الخاص لتتكاثر وتحول فن المسرح الرفيع إلى مجرد تلهية رخيصة تضر ولا تنفع . 
والقليل الذي قدمته مسارح الدولة لم ينتج من التخريب والإستغلال وسوء الإختيار والتنفيذ ، الأمر الذي يؤكد أن المحنة التي عاشها المسرح المصري خلال تلك السنوات ، لم تكن من صنع مجموعة من الإداريين الفاسدين العاجزين وحدهم ، بل شارك فيها كثير من الفنانين ، من مديري الفرق والمؤلفين والمخرجين والممثلين والنقاد ، إن لم يكن بالتخريب الفعلي ، فبالامتناع عن العمل ، أو بالصمت عما يحدث أمام أعينهم.
في مثل هذه الظروف القاسية كان على الناقد أن يتحول من مقاتل محايد إلى مقاتل شرس يدافع عن وجود المسرح ذاته ومفهومه السليم الذي كادت الجماهير تنساه . فكانت هذه المجموعة من الدراسات والمقالات والتعليقات التي يضمها هذا الكتاب . وإذا كانت كل منها تمثل طلقة ضد الفساد والتخريب المادي والمعنوي لأذواق الجماهير واحساسها ، فإني أرجو أن يحولها إجتماعيا معا إلى قذيفة قوية تحقق ما عجزت عنه الطلقات المنفردة … 
إنه وثيقة اتهام وجهتها إلى الإداريين والفنانين الذين أساءوا إلى المسرح المصري بأسمائهم، فلم تحاول غالبيتهم العظمى مجرد الدفاع عن نفسها ، الأمر الذي يولي بأننا ننفخ في قربة مقطوعة، أو نؤذن في مالطة ، أو نخاطب جثثا لا بشرا ، بصورة جعلتني أن أفكر في أن أضع رأس مقالاتي هذا البيت المشهور : 
                    قــــد اسمــــــعت لــــــــو نــــاديـــت حـــــــــــيا 
                                                ولـــــــــكــــن لا حــــــــياة لــــــــمــن تـــــنـــــــــــادي14 
 
 
صوت مسرحي تونسي 
بجانب هذا الصوت النقدي الغيور على واقع المسرح العربي وتهميش رسالته الثقافية الوطنية والقومية تحتفظ الذاكرة بأصوات مسرحية أخرى مشابهة ، لها موقفها الإحتجاجي الرافض لهيمنة الثقافة التجارية الإستهلاكية التي تجنح نحو الفساد وتدمير الذائقة الجمالية للمتلقي . معطلة دور المسرح أن يكون أداة فعل حقيقية في ديناميكيات التغيير السسيوثقافي ، والسسيوبولتيكي … فهذا المخرج المسرحي التونسي المنصف السويسي يسجل في العام 1980م موقفة من ظاهرة النكوص المسرحي العربي تحت مظلة الثقافة التجارية ، عبر ندوة ( المسرح في الوطن العربي .. الواقع والمصير ) التي نظمتها فرقة المسرح العربي في دولة الكويت ، إبان إحتفاليتها بيوم المسرح العربي.. حيث قال : (( المسارح والمؤسسات الرسمية في تونس أفلست ، فكل رجال المسرح الذين أنشأوا هذه المؤسسات تركوها ، وأصبحت مؤسسات خامدة غير قادرة على الحركة … ولا تملك سوى اللافتة وهذا يصدق على كل الفرق القومية العربية في مصر والعراق وسوريا وغيرها … وسبب ذلك أن الخطأ بدأ في الأساس وانتشر الخطأ ليصبح أزمة تعرف باسم المؤسسات المسرحية… إن المسرح التجاري القائم الآن كالسرطان في بعض البلاد العربية يمثل خطرا كبيرا على حركتنا المسرحية ، والمسرح دائما يتكون من ثلاثة عناصر : الفنان المنتج والجمهور والسلطة ، فإذا كانت السلطة تتدخل في دعم سعر الخبز والحليب . فهل هي مستعدة أن تنظر إلى الفن بنفس الطريقة وتعتبره شفاء للنفوس … والواقع أن السلطة تنظر إلى الثقافة بسطحية ، فتشجع أشكال الثقافة التي ترضي عنها ، وتحارب أو تهمل بقية الأشكال . وينبغي عليها أن تكون الوسيط وليس المتسلط ، وأن تلتقي السلطة والفنان المنتج في قناة واحدة لخدمة الناس والجماهير ()15. 
 
صوت من سوريا
وفي ذات الحلقة النقاشية أوجز الكاتب المسرحي التونسي عز الدين المدني واقع المسرح في تلك المرحلة بالقول : (( كانت الستينيات هي الفترة النضج والرخاء في المسرح التونسي أعقبها الإنهيار))16 . 
ولم يكن المسرح في سوريا في تلك المرحلة في معزل عن أزمة التهميش والإنهيار . فهذا المخرج فواز الساجر يوجز في تلخيص الإشكالية بالقول : (( إن المسرح في سوريا يتبع وزارة الثقافة ، وهو الآن في حالة تراجع عما حققه من إنجازات في الستينيات ، والفرق السورية كلها تجتاز أزمة حقيقية … هل نحن الفنانين سلطة جديدة على الجماهير ؟ أليس ما نقدمه هو فرض على الناس وعلى أرائهم ومذاقهم وقدراتهم ؟ أن كل فنان يدعي أنه مع الخير والشرف والحرية ، فهل نحن حقا كذلك ؟ … المطلوب من كل فرد أن يتفهم حقيقة موقفه من المؤسسات القائمة مع ملاحظة أننا نتعامل مع جماهير اعتادت أساليب المسرح التجاري الذي يمارس نوهعا من القمع مع الفنان المخلص ومع الجماهير ويسهم في تعميق جهلها ))17 . 
المسرح والأزمة الخانقة  
يصعب علينا في دراسة كهذه أن نحيط بمختلف الرؤى النقدية المسرحية العربية التي شخصت واقع انهيار المسرح العربي في هذا القطر أو ذاك في سبعينات وثمانينات القرن الماضي .. غير أن الغيارى على هذا المسرح من نقاد ومؤلفين ومخرجين وممثلين قد أجمعول على انهيار منظومة الأكسيولوجية في تلك المرحلة وعن عجزه في أداء رسالته السسيوثقافية . 
والحال هذه ، كيف لمسرح عاجز عن إنقاذ نفسه من براثن الثورة الثقافية الإستهلاكية المضادة أن يمتلك ديناميكية وحرية ثقافة التغيير ، وفعل التثوير ، ونبض التنوير … إنه ، بلا شك شكل من أشكال العبث ، وضرب الودع في الحصى والرمل ؟ 
فالمسرح العربي بدءا من هذه المرحلة ، وفي ظل أنظمة سياسية لا تؤمن بدور الثقافة ورسالتها ، وقوى اقتصادية واجتماعية ليس لديها أدنى الإستعداد لتوفير الرساميل اللازمة لإنقاذ الثقافة والمسرح… راح – أي المسرح العربي – في غيبوبة فكرية وانتاجية وفنية ، ولم يعد بوسعه لا تغيير واقعه ، ولا تغيير واقع ما يجاوره .. في الوقت الذي بدأ فيه مسرح الثقافة الإستهلاكية / التجاري في تغيير ثقافة الذائقة الجمالية نحو الأسوأ .. وضرب القوى الإجتماعية في خاصرتها البيداغوجية ومنظومتها الأخلاقية .
من هنا صار المسرح رهن إرادة القوى السياسية والإجتماعية الرجعية ، التي لم تعد ترى فيه غير وسيلة من الوسائل التسلوية ، شأنه في ذلك شأن كل ما يسلي ، ويقصي الهقل عن معرفة الحقيقة ، والاستكانة إلى إملاءات السلطة السياسية والثقافية ، وإلى ههيمنات الفكر الميتافيزيقي … فعزف المسرح في غالب ما قدمه في تلك المرحلة عن طرح الأسئلة .. بلى ، لم يجد في الأصل اسئلة وطنية وقومية وكونية كبرى ينشغل بها ، إلى من عروض تتسلل إلى النخب الثقافية على استحياء بين فترة وأخرى … دون أن يكون لهذا العروض أيضا مقدرة فعلية على ممارسة فعل المنافقة ، وإمكانية التغيير ، والدفع نحو التثوير ، دون الركون فقط إلى مفاصل التأثير .. وهو ما يقرره رائد المسرح التسجيلي المخرج الألماني أروين بيسكاتور بالقول : (( لا يمكن أن يكتفي المسرح بالتأثير في المتفرج تأثيرا فنةيا بحتا ، رسالة المسرح هي التدخل في مجرى الأحداث ، فالمسرح ليس فقط مرآة العصر ، ولكنه أيضا وسيلة لتغيير اتجاهه وتحويل مجراه ))18 .
المسرح وحلم التغيير  
تدريحيا ، ومن عام إلى عام .. بدأت تقافة الرفض والإحتجاج والتنوير والتغيير والتثوير تفقد مواقعها ، ويتقلص دورها الهامشي في الأصل تحت ضغط مباشر من السلطات الثقافية المركزية التي تشجع على نشر الثقافة الإستهلاكية التسلوية المقاومة لكل أنماط الثقافة الأبيستمولوجية وتنويعاتها . 
ففي تسعينات القرن الماضي ، ورغم ما حدث من أزمة سياسية عربية خانقة على خلفية الثاني من أغسطس 1990م من انهيار وانقسام في المنظومة السياسية العربية ، وما تركته حرب الخليج الثانية من تداعيات ، واصرار دولي على رفض سياسات الإحتلال والعدوان على الشعوب ، والمطالبة بتحرير دولة الكويت وفق إجماع دولي .. فإن الثقافة العربية ومنها المسرح عجزت أن تنتقل من موقع ( رد الفعل ) إلى الموقع (الفعل ) ، ومن الهامش إلى المركز ، ومن حكم الطاعة إلى حكم المقاومة ، ومن دور الملتقي إلى دور المرسل .. ليستمر الوضع هكذا في مجملة الاستاتيكي حتى مطلع الألفية الجديدة .. وأكثر استاتيكية فأكثر حتى نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة ، ليشهد العالم العربي في بعض عواصمه تحولا جذريا ، وانقلابا في السلطة ، والايدلوجية تحت رياح تغيرية غير عادية حملت مسمى الربيع العربي .. لتدب الروح من جديد في الثقافة المسرحية العربية ، التي بدأت تبحث عن دور لها في صناعة الواقع الجديد ، والمساهمة في إعادة اكتشافه .. على ضوء المتغيرات السسيوبوليتيكية ، والسسيوثقافية ، والايدلوجية التي افرزتها مرحلة الربيع .. فصارت ثقافة الرفض تحلق بأجنحتها في فضاء مسرح الشارع ، ومسرح المصارحة والمكاشفة ، والنقد والتبرم والمباشرة ..
ذلك وضع لا يزال يتشكل ، ولم يأخذ صيغته النهائية بعد ، فالتصورات فيه كثيرة ومتعددة في أفكارها ومستوياتها .. كون المسرح ذاته لا يزال يحمل في أحشائه وعلى كاهله ثقل أربعة عقود من الإقصاء والتهميش .. والذائقة الجمالية لم تبرهن بعد ، عما إذا كانت بحاجة إلى مسرح ثقافوي من نوع جديد ، ديدنهثقافة الرفض ، والسؤال ، والاحتجاج ، والتغيير، والتنوير ، وصولا إلى امكانات فعلية لها علاقة بالتنوير . 
ربما يكون ذلك هو حلم مسرح ما بعد الربيع العربي .. بما يحمل في داخله من ميكنزمات تعين على لعب دور جديد في حياة عربية جديدة . رغم أن الناقد والباحث العربي فؤاد دواره له موقف مختلف عن ذلك سبق وأن أعلنه في ثمانينات القرت الماضي . حين اصطدم المسرح كقوى ثقافية مع الأنظمة كقوى سياسية فاعلة في المجتمعات العربية ، حينما قال : (( لم يحدث أن استطاع المسرح ، في أي عصر ، أن يؤلب شعبا على حكومته مهما كانت فاسدة ، لأن العرض المسرحي عمل جماهيري علمي على طبيعته ، ولم توجد السلطة التي بلغ بها الغباء إلى الدرجة التي تسمح بقيام منبر فعال كالمسرح بتأليب الناس ضدها … أقصى ما يستطيعه الفنان المسرحي الثوري ، وكل فنان مسرحي هو ثوري بالضرورة ، هو أن يسهم بتوعية الجماهير بحقوقها وتعريفها بأعدائها ومستغليها، ونضج فسادهم ، مع تثقيف المشاهدين والإرتقاء بمستوى تذوقهم الفني ، وهو في أثناء ذلك يدخل في حوار مع السلطة ، يراجيها حينا ويخادعها حينا آخر ، ويخضع لبطشها أحيانا .. وأقصى ما يستطيعه فنان المسرح في ظل النظم الشمولية التي تسيطر على وطننا العربي هو نفس ما حدده تروتسكي في سنوات الثورة السوفيتية الأولى وهو ما يطالب كتاب المسرح بكتابة كوميديا سوفيتية تهجو الأعراف والأخلاق السوفيتية والطبقة الجديدة ، والرذائل الجديدة ، والبلاهة الجديدة ، هجاء ، يثير الضحك ، والسخط . ثم أضاف : ( لا تتذرعوا بالرقابة المسرحية ، فهذه ذريعة كاذبة صحيح ، إنه إذا حاولت تمثيليتكم الهزلية أن تقول : أنظروا إلى أين اوصلتمونا ، خير أن نعود إلى عش الطبقة النبيلة القديم الوثير . فإن الرقابة ستمنع مثل هذه الكوميديا وستتصرف كما ينبغي لها أن تتصرف ، ولكن إذا قالت: تمثيليتكم الهزلية نحن في سبيلنا الآن إلى بناء حياة جديدة ، وهذه هي المخازي والمباذبل والدناءات القديمة والجديدة التي ينبغي تكنيسها ، فإن الرقابة لن تتدخل في هذه الحال ، وإذا تدخلت ، فسيكون ذلك باوة من قبلها سنتصدى لها جميعا … 
بل ليت فنينيا المسرحيين يفوزون بهذا القدر من الحرية الذي سمح به تروتسكي ، والدين يطالبون بإلغاء الرقابة يفوتهم ، أن هذا المطلب على استحالة تنفيذه ، من الممكن أن يتسبب في مزيد من الحرية للمسارح التجارية المسفة ، لتزيد من إسفافها ، وتغالي في استغلالها لغرائز الجماهير ، ودغدغة أصابع الشباب والمراهقين ))19 . 
التحول الثقافي … التحول المسرحي 
ضمن حركة التاريخ ، يلاحظ أنه في عصر الثورات والهزات السياسية والمواجهات العسكرية ، والتحولات الإجتماعية ، والتقلبات الإقتصادية ، والتناقضات الثقافية … تنشط الفنون ، ومن بينها المسرح في استيعاب وامتصاص الوقائع الكائنة ، وهضمها وفق معالجات دراماتيكية مختلفة ، وأساليب متنوعة . والعمل على إعادة إنتاجها ابيستمولوجيا وفق ثقافة غيرية تجنح للتجديد والتغيير ، خاصة وأن الوعي بالذات الفردية والجمعية لم يعد في حاضره كما كان في ماضيه ، لذلك فإن ثقافة التغيير هنا ، على ضوء الوعي الذاتي تفتح الباب واسعا أمام استقبال اية مفاهيم جديدة … كما أن ثقافة التغيير ، تعلن عن نفسها : ثورة نقيضة للأيديولوجيات العتيقة ، وللطرز المفاهيمية البائدة التي تصبح في يوم وليلة من الكلاسيكيات ، ومن إرث الزمن الماضي الغير مرغوب فيه … مع الأخذ بعين الإعتبار – والحديث لا يزال في إطار حركة التاريخ – أن التغيير هنا ، لا يعمل على إالغاء المفاهيم كليا ، ولا يدمرها من جذورها .. انما يصبح الهامشي مركزي ، والمركزي هامشي ضمن انتقالات تحددها معايير وعناصر وظروف تاريخية واجتماعية متعددة ، وهذا ما يؤكد عليه فريدريك جيمسون في دراسته المهمة : ( جماليات مجتمع المستهلك ) وذلك في كتابه : ( التحول الثقافي ) كتابات مختارة في ما بعد الحداثة ( 1983-1998 ) ، حيث يقول : (( … كيف يضع مؤرخ أدبي وغيره فاصلا بين فترتين مختلفتين ، لذا يجب أن نحدد أنفسنا هنا باقتراح أن الفواصل بين الفترات لا تعني تغيرات كاملة في المحتوى ، ولكن إعادة بنية وهيكلة عدد من العناصر الموجودة بالفعل : عناصر كانت ثانوية أو هامشية في الفترة السابقة أو النظام السابق ، وأصبحت الآن هي الرئيسية والمسيطرة ، بينما أصبحت العناصر التي كانت مسيطرة هامشية ))20 . 
تبعا لهذا التصور فإن فريدريك جيمسون ، لا يؤكد على مسألة التغيير المطلق / والنهائي ، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار أو بالعكس ، بمعنى رفضه الكلي لمسالة التغيير القطبي وتفرده في المشهد الثقافي ، كون المركزي يتجاور مع الهامشي ، والهامشي يدور في فلك المركزي على ضوء سلسلة من التناقضات الاكسيولوجية الرامية إلى تغيير واقع الحال … وهكذا دواليك . أليست القضية برمتها محكومة إلى ديناميكيات تاريخية ؟      
وبالتالي فإن فريدريك جيمسون يرى (( أن كل ما سبق وصفه هنا يمكن تواجده في فترات سابقة، وأبرزها الحداثة العليا ، وما نود التأكيد عليه أن تلك الأشياء كانت حتى الحاضر ملامح ثانوية أو هامشية لفن الحداثة وليست مركزية ، وأن الجديد اليوم تحولها إلى الملامح والسمات المركزية للإنتاج الثقافي ))21 . 
 
المسرح وفواعل التغيير 
ضمن إطار هذه الفلسفة التي تضع التجربة الثقافية المسرحية في إطار ديناميكياتها التاريخية… تبدو أمامنا اول ملحوظة عملية في مسوغات ثقافية التغيير ، التي بعث بها مسرح ما بعد ثورة الربيع العربي … هي الروح الإنفعالية العالية في التعامل مع الوقائع والأحداث والمستدات السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية … سعيا إلى ردم الفجوة بين ( حرمان السنوات الماضية) و ( أحلام السنوات المقبلة ) … ما بين حالتي الجوع والشبع دون ناظم ثقافي ممنهج تكمن الإشكالية … إشكالية التغيير ، والتعاطي مع ثقافة التغيير. 
عودة  إلى فواعل التغيير ، وماهية المغير فإنه بوسعنا القول : عندما أشعل البوعزيزي في نفسه النار في تونس … تعبيرا ذاتيا عن غضبه وسخطه من التعدي على أبسط حقوقه الإجتماعية والمواطنية والإنسانية .. أضاءت النيران المشتعلة في قلبه وكرامته وجسده النحيل إضائتين على قدر كبير من الأهمية .. أولهما : ثورة الياسمين الغاضبة في تونس .. والتي استلهمت حالة الغضب الذاتي ( الفعل البوعزيزي ) إلى فعل ثوري جماعي / شعبي تعبيرا عن غياب الديموقراطية والعدالة الإجتماعية ، وتعبيرا عن القهر الذي يتعرض له المواطن هناك … وكان من أبرز هذا الحراك الثوري الشعبي خلع النظام ( التجمع الدستوري الديموقراطي ) عن السلطة . وثانيهما : ثمة قبس من هذه الشعلة النيرانية حطت رحالها في المسرح التونسي ، لتتوهج الخشبة بمشاعل فكرية جديدة تنشد التغيير ، عبر قاطرة ثقافية ساقتها مضامين ثورة الياسمين . فسريعا تم التعاطي مع موضوعات ساخنة لها علاقة بالحرية والديموقراطية والعدالة الإجتماعية … كانت في ثقافة الزمن الماضي من الموضوعات المغيبة ، وإن حضرت ، فإنما تحضر على إستحياء ، في ظلال الترميز والفانتازية ، والإستعارة الدرامية ، واللعب على المادة التاريخية وفق مفهوم الإسقاط .. 
نيران البوعزيزي لم تتوقف عند حدود إطارها المفاهيمي المجلي ، أو الوطني … بل امتدت وشملت عواصم عربية مجاورة وبعيدة في القارة الإفريقية ، والقارة الآسيوية .. لتأخذ هنا إطارا مفايهيما جديدا ، أحدهما إقليمي وثانيهما قومي ..
كانت شعلة البوعزيزي أشبه ما تكون بالشعلة الأولمبية التي تنتقل من عاصمة إلى أخرى وصولا إلى مركز اللقاء الرياضي الكوني ، لنشر ثقافة الحب والتعارف والتقارب … غير أنها هنا انتقلت من أثينا العرب / تونس .. لتطير إلى عواصم عربية أخرى حاملة معها فعل الثورة ، وإرادة التغيير ، ومنطق ثقافة التغيير .. 
كان من أبرز العواصم التي وصلتها هذه الشعلة القاهرة ، حيث جعل فيها شباب الثورة والتغيير من الباحثين عن الديموقراطية ، والعدالة الإجتماعية ، ميدان التحرير إلى سلطة إجتماعية ثورية جديدة ، فرضت إرادتها على جبروت السلطة السياسية .. 
في هذا الميدان ، الذي اكتسب اهمية تاريخية واخرى سياسية ، وثالثة شعبية ، وصار جزءا رئيسا من مكونات ثقافة الوعي السياسي عند الإنسان المصري في تاريخه المعاصر … تمكنت الإرادة المصرية أن تؤسس عبر فضائه سلطة سياسية جديدة وسلطة ثقافية مغايرة وسلطة اجتماعية شعبية ثورية قادرة على ممارسة النقد ، وبناء فعل الرفض . 
هنا في الساحة ، ظهر على عجل – وبشكل أقرب إلى العفوية ، والإرتجالية ، وبإمكانات اقتصادية جد متواضعة – فن جديد من فنون الفرجة الشعبية الإرتجالية المتقاطع في كثير من جوانبه مع نكنيك مسرح الشارع … 
كما يعد الخامس والعشرون من يناير فاصلا سياسيا في التاريخ السياسي المصري الحديث ، فهو أيضا فاصل ثقافي في تاريخ الحركة الثقافية المصرية الحديثة … ففي الإتجاه الأول سقط نظام حكم الفرد ، كما سقط نظام الحزب الواحد … وذهب الحزب الوطني إلى غير رجعة ، وفي الإتجاه الثاني انتقل فعل الثقافة الوطنية من حيز التهميش إلى المركز … فمع صدام القوى الشعبية والإجتماعية والسياسية مع السلطة هناك … تمرد المسرح على واقعه ، وبدأ الفنانون الشبيبة من الهواة في انتاج عروض مسرحية تدفع شعار التغيير ، بعد تعاطيها لمقولات سياسية وثورية تعزز من مطالب القوى الشعبية للديموقراطية ، والعدالة الإجتماعية ، والتعدد الحزبي ، وتوسيع رقعة الحرية … وذلك بتكاليف انتاجية منخفضة ، وبجهود ذاتية خالصة . 
من الناحية الفكرية نجح هذا المسرح في اسقاط هيمنة سلطة الفرد في كل مناحي الحياة ، وأعلى من شأن السلطة الشعبية بوصفها القادرة على صناعة التغيير … ونشر ثقافة التغيير . كما عزز من موضوع قهر الخوف في الذات البشرية التواقة إلى المشاركة في بناء التمية الوطنية . علاوة على مطالبته بتذويب الطبقية ، ضمن نسيج وطني واحد لا يعترف بالفوارق العرقية والإجتماعية .. ومن الناحية الشكلية اختلف نمط العلاقة مع المتلقي ، حيث صعد هذا المسرح من غايته في فتح حوار مباشر مع الذائقة الجمالية ، وذلك ضمن تطوير أشكال فرجوية وفلكلورية وتراثية ، عمادها الثراء البصري وكسر المسافة بين العرض المسرحي والمتلقي ، رغبة بتحقيق المسافة الجمالية ، وإنشاء حوار ارتجالي مجاور لحوار العرض المسرحي ، ومن ابرز هذه الاشكال: مسرح البرجولا ، مسرح الشارع ، المسرح الإرتجالي ، المسرح الإحتفالي ، مسرح البانتوميم ، مسرح التعبير الحركي … بجانب الإحتفاء بتظاهرات مسرحية أخرى مثل : مسرح المونودراما ، مسرح الديودراما ، مسرح العرائس ، المسرح النسوي ، وغيرها من الاشكال ، والأنماط المسرحية التقليدية والمتأوربة والتجريبية . فرضتها طبيعة المرحلة ، والإمكانات الإنتاجية واقتصاديات العمل، وخبرة الفنانين المشاركين ، في هذه التجارب والعروض . 
في هذه المساحة نشير إلى بعض العروض المسرحية التي حملت في جوانبها الفنية ملامح تجديد الرؤية البصرية لمسرح ما بعد ثورة الربيع العربي ، دعما لثقافة التغيير الايديولوجي ، والسسيوثقافي ، والإستاطيقي ، والأهم من ذلك كله الأكسيولوجي : مسرحية البرجولا العرائيسية ( فتح عينك تاكل ملبن ) التي تناقش موضوع الثورة في قالب فني غير معقد ، للفنانة رآنيا رفعت ، مسرحية ( أبو العريف ) لجماعة المحروسة للمسرح المصري ، حيث عالجت فيها موضوع عندما يكون الحاكم وبالا على البلاد ، ويضيق الشعب به ، ويسعى إلى تغييره ، وهي من تأليف عبد المنعم عبد القادر وإخراج حسن الوزير . مسرحية شمس المحروسة لفرقة المسرح القومي للأطفال ، والتي استلهمت الثقافة الايجدتولوجية لمناقشة قضية الديكتاتور الذي يكره الحوار مع الآخر ، وهي من تأليف بيومي قنديل وإخراج د. محمد عبد المعطي … مسرحية عودة الفلاح الفصيح ، لفرقة مسرح الشارع بالسويس ، وهي تستند أيضا إلى مرجعية فرعونية ، وقد جمعت بين فن الأداء والغناء الجماعي والإشتغال على الإستعراض وتوظيف الألعاب الأكروباتية ، وقد ناقشت قضية الحرية والدعوة إلى عدم عسكرة نظام الدولة ، وضرورة تحقيق أهداف الثورة ، وهي من تأليف أحمد أبو سمرة إخراج محمد الجنايني . 
وفي ذات الإطار عالجت فرقة فرسان الشرق الأوسط مسرحية بهية من تأليف نجيب سرور وإخراج كريمة بدير ، حيث تناولت قضية الظلم برؤية بصرية متجددة عمادها التعبير الحركي . 
     بوسعنا أن نشير هنا إلى واحدة من أهم التظاهرات المسرحية التي أفرزها مسرح ما بعد الربيع العربي وهو مهرجان ( ربيع المسرح السكندري ) الذي ولد من رحم الثورة المصرية ، حيث غلبت على فروجه الفرجة البصرية الجديدة ، والدعوة إلى بناء مجتمع ما بعد الثورة ، ففي دورته الأولى التي عقدت في ابريل 2012 ، شارك سبع عشرة عرضا في المهرجان من أبرزها : تحت التهديد من إخراج محمد مكي ، بانوراما مصرية من إخراج محمد مجدي ، محاكمة رئيس لأحمد جابر ، قنابل مسيلة للحرية لأحمد سمير . 
ومن الظواهر المصرية الجديدة التي افرزتها المرحلة . ظاهرة مسرح ( الحكي ) السرد … فضمن برنامج مهرجان الربيع الذي نظمته مؤسسة المورد الثقافي خلال الفترة من 20 ابريل وحتى 14 مايو 2012م في القاهرة والمينا والإسكندرية تم تقديم ثلاث امسيات حكي بعنوان : ( سمر مع الثورة ) أقيمت بالمركز المصري للثقافة والفنون ( مكان ) وشارك فيها تسعة أفراد من بلدان مختلفة: مصر ، ليبيا ، تونس ، اليمن حكوا قصصهم عن الثورة . 
ورغم تواضع الإنتاج المسرحي في اليمن فإن المسرحيين هناك سجلوا موقفهم من مرحلة ما بعد الثورة بانجازهم لعرض مسرحية ( سارية عبرة الأزمان ) من تأليف جعبل علي وإخراج انصاف علوي . تم تقديمها في مارس 2012م على خشبة مسرح المركز الثقافي في صنعاء . أما قضيتها فهي المحافظة على الوحدة اليمنية كجزء من مكتسبات الثورة ، وخارج عواصم ثورات الربيع العربي يكتب عبد الكريم الهاجري من الكويت نص ( رياح التغيير ) في مارس 2011م . موجهل نقده للتدخلات الأجنبية في العالم العربي … وفي الإمارات يكتب جمال سالم نصا عن هذه الثورات .            
 
 
إيساغوجيه الثورة :
يبدو أنّ المسرحي التكنوقراطي الكويتي الشاب عبدالكريم الهاجري يمتلك – بجانب ثقافته الليبرالية وخبرته المهنية والإدارية في حقل المسرح والثقافة المسرحية – إصراراً عنيداً ودافعية علمية مؤسسة على التخطيط والبرمجة، في مزاحمة الصف الأول من كتّاب الدراما المسرحية في الكويت، وتبوأ مكانة موازية لهم في بنيتها الهرمية … فبعد أن دفع إلى المكتبة الكويتية منذ أربع سنوات/ 2007 م نصه المسرحي الأول (الدور 11) ذو الطابع السسيوبوليتيكي ، والمنطلق فيه وبأحداثه ومضامينه من روح أكولوجيته الثقافية والسسيولوجية المعاصرة . صادماً فيه مجتمعه بجرأة انتقاداته اللاذعة للسلطة الاجتماعية الطبقية ، وانتقاداته الصريحة تارة والترميزية تارة أخرى للمنظومة الرأسمالية المتحكّمة في قوانين العمل واقتصاديات السوق حتى تصل انتقاداته الساخرة أولئك البرجماتيين الذين يتحولون في لحظة ما – تتماشى مع مصالحهم – إلى كائنات اجتماعية غاية في الانتهازية والمحسوبية وصناعة الفساد، على حساب القيم الاجتماعية والوطنية والأخلاقية والثقافية للبنية الإرثية للمجتمع. حيث يضعون المجتمع في مركّب تصنيفي طبقي تحدده لعبة المصالح السسيوبوليتيكية، والسسيوثقافية .
أعود وأقول : إنّ الهاجري المؤطر أكاديمياً ومعرفياً وخبروياً ، بما يمتلك من عنفوان للشباب ، ووعي اجتماعي وسياسي نابض بإحساس المسئولية الوطنية والأخلاقية والثوابت الإرثية ضد سياسات الإعوجاج والإنحراف والفساد ، لم تتوقف جهوده الأدبية والإبداعية عند حدود (الدور 11). بل سمح لقلمه ، وأُفقه الانتقادي أن يذهب إلى أبعد من هذا الدور بكثير .وذلك عبر انجازه لنصه المسرحي الثاني ) رياح التغيير ( مارس 2011 م . والذي تشابك فيه مع وقائع الحركات الثورية الشعبية في بعض الأقطار العربية، وعلى وجه التحديد ثورة الياسمين في تونس ، وثورة الحلم في مصر . وما نتج عنهما من امتدادات وتوابع زلزالية في عدد من العواصم العربية المجاورة والبعيدة .
فالأولى تمكنت عبر سكة البوعزيزي من إجبار رئيس الدولة على الخروج ليس من السلطة فحسب ، بل من الدولة والقارة برمتها ، ليعيش بقية حياته طريداً في المنفى . مخلفاً وراءه ذكريات سيئة عن حزبه الحاكم) التجمع الدستوري الديمقراطي)، وعبارات فضفاضة تعكس شيخوخة حاكم يتهاوى، سرعان ما تحولت في الصحافة وعلى السنة العامة إلى حالة من التندر … عبارات لها علاقة بسوء الفهم ، وسوء العلاقة بين الحاكم والمحكوم … أمّا الثانية ، فإنها تمكنت عبر نسيج مليونيتها المضاعفة من جُمعة إلى جُمعة في المدن الرئيسية من خلع زعيم البلاد والدفع برموز نظامه وحزبه ) الوطني ( إلى السجون تمهيداً لمساءلتهم عن سنوات الفساد والقتل وانهيار الحياة الاجتماعية .
وسواء هذه الثورة أو تلك . فالمنطق يقول : إن عصراً قد ولىّ بكل خيباته وتناقضاته وفساده وقهره وانكساراته وأن الستار أسدل على سياسة الحزب الشمولي الواحد. مقابل ميلاد بصيص من الأمل في طريق الديمقراطية، وإمكانية تحقق منظومة العدالة الاجتماعية ، ليشعر الفرد بروح انتمائه إلى الوطن ، وأنه معني في بنائه ونهضته .
إذن، هي لحظة حاسمة، وهي مفترق طُرق، وهي مفصل بين زمانين وتاريخين ( قبل، وبعد) في الحياة العربية. ذلك التاريخ الذي قال عنه الفيلسوف جان جاك روسو : أنه سيغترب عن نفسه أيضاً فيما لو خلا من الحروب ، ومن الكيد ، ومن الطغاة .
المسرح الثوري .. ودولة العدالة :
شكّلت حمّالة هذا التاريخ الملئ بالتناقضات الأيديولوجية والرؤيوية والمشبّع بالأحلام الثورية الشعبية الشبابية، والمثقل بالمتطلبات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإنسانية في الحياة العربية المعاصرة الأرضية والخلفية التي انطلق منها عبدالكريم الهاجري في بناء وصياغة، ومعالجة نصه الدرامي الثاني ) رياح التغيير). دون أن يسقط من حساباته الدراماتيكية والفكرية حقه الكامل في التنبؤ لما سيكون عليه واقع الحال، ولما ستؤول إليه الثورة في أعقاب ما بعد اللحظة الفاصلة أي ما بعد صرخة اليوم، تبعاً لزاوية رؤيته الفكرية والفنية والجمالية للأحداث. وهو بذلك يجعل بصورة أو بأخرى من هذا الكايروس Kairos وفق ماهيته الثيرمونولوجية بمعناه الإغريقي دالته الإستبصارية على القراءة والتأويل للحظة الحاسمة التي تقترب من لحظة الإنقلاب والتحول .
لذلك ، نراه بذكاء شديد يستحضر مجموع هذه الثورات الشعبية الشبابية من أرض الواقع ، ويدفع بها بصياغة دراماتيكية جمالية مُحمّلة بكثير من المفاهيم والقيم الفكرية والاجتماعية إلى المسرح ، من غير انفعال بمجريات الأحداث اليومية ، أو غرق في طروحات ومقولات الأقطاب الحزبية، أو انحياز إلى هذا التيار أو ذاك ، أو استسلام لنشوة الإنقلاب على الأوضاع العربية الفاسدة ، التي ألغت دور الفرد في المجتمع قاصدة سلبه مواطنيته، وتعميق الفجوة بينه وبين النُخب والطبقات الحاكمة .
لم يعمد الهاجري في نصه إلى هذا الانفعال الرخوي السريع، بل ترك لنفسه وقلمه فرصة ديناميكيه للتفاعل مع الأحداث ، تارة من الداخل بوصفه ابن المرحلة ، ويشكل مع غيره امتداداً ثقافياً قومياً للثوار العرب من المتطلعين إلى هدم النظم السياسية الاستبدادية وبناء مجتمعات عربية ديمقراطية عبر شراكات ثقافوية شعبية، لا تعترف بالحدود الجغرافية والتصنيفات الطبقية والفواصل العرقية والطوائفية … ولعل كتابته لهذا النص من موقع مهنيته التكنوقراطية في المسرح لخير دليل على هذه المشاركة الايجابية، بغض النظر عن موقفه الفكري والنقدي من بعض هذه الثورات والحركات. واعتقد أن هذه النص ، هو أول مشاركة مسرحية خليجية في التعاطي درامياً مع موضوع الثورات العربية .
وتارة أخرى يأتي تفاعله مع الأحداث ديناميكياً أيضاً ، ولكن من الخارج أي عن بعد، وذلك بمقدار ما تمنحه المسافة السياسية الكائنة بينه وبين الأحداث من حرية لقراءتها قراءة تأويلية من موقع المبدع الفاحص للأمور .وبالتالي نقدها ، ونقد افرازاتها ومعطياتها وتوجهاتها نقداً موضوعياً هادفاً..  وهذا بالضبط ما سعى إلى تحقيقه قدر عزيمة أهل العزم من الشبيبة المسرحيين المثقفين الغيورين على أوضاع العالم العربي والإنسان العربي .
حتى لا يخيل للبعض أن نص ) رياح التغيير ( للهاجري هو نص توثيقي البناء والرؤية للثورات العربية المعاصرة، وأن شاغله تدوين وتسجيل الوقائع من زاوية معلوماتية محايدة. فإننا نقول لهذا البعض : إن التوثيق كان أبعد ما يكون عن ذهنه ومعالجته ورؤيته – حتى وان شكلت الوقائع أرضية للأحداث الدراماتيكية – فهو في الواقع نص مسرحي سسيوبولوتيكي بامتياز. كتبه الهاجري بتكنيك يزاوج فيه بين التعبيرية والتعليمية. وذلك على طريقة الكتاب الثوريين التعبيريين المهمومين بثقل القضية الاجتماعية والسياسية والباحثين عن مصير الإنسان في ظل أوضاع كونية سوداوية غير متوازنة، يغلفها الضباب من كل جانب .
العالم قابل للتغيير :
بالطبع ، فإن هذا الشكل من الكتابة المسرحية ، لا يمكنه – بأي حال من الأحوال – إقصاء تنظيرات برتولد بريخت ، سواء على مستوى صياغة الكلمة، أو الموقف، أو المعالجة، أو الرؤية، أو الإرشادات الفنية المتعلقة بالإخراج والتمثيل، والمناظر، وباقي العناصر المتصلة بالبنية الجمالية للعرض المسرحي خاصة وأن المقولة السياسية الناقدة للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي الكائن في المجتمع ، تأتي في نهاية كل مسرحية  صريحة واضحة من غير لبس، أو ضبابية، أو ترميز، ومن غيرمراوغة أو مواربة على لسان شخصية من الشخصيات، تمثل رأي بريخت، أو كأننا أمام ضمير بريخت نستمع إليه ، وهو يصرخ في وجوهنا بكل قسوة، حتى نتغير، أو نغير المجتمع من حولنا، عبر بحثنا عن الحقيقة . كونه يرى تبعاً لما أورده فالترهينك )) أن المسرح يستطيع أن يعكس العالم الراهن وذلك بالقدر الذي يصوره كعالم قابل للتغيير )).
ففي نهاية مسرحية ) طبول في الليل ( على سبيل المثال يتوجه كراجلرإلى الجمهور بغضب صارخا : ” لاتحملقوا برومانتيكيه ! أيها المرابون ! ياقاطعي الرقاب  !”.
وفي نهاية مسرحية ) سقوط الأناني يوهان فاتزر ( التي أراد أن يجعل منها بريخت معادلاً لمسرحية ) طبول في الليل ( ، يصرخ الأناني فاتزر على طريقة كراجلر: ” أليس الهواء والشوارع ملكاً لكل الناس ؟ إنكم عاجزون عن منعي عن الإصغاء لأصوات الناس، ورؤية وجوههم، والغوص بحرية في نهر الكائنات البشرية “
وتتبعه أغنية كوراليه مؤثرة تخاطب الجمهور بشكل مباشر :
” لا يفلت المهزوم من الحكمة “
تمسك جيداً و غص
عليك بالخوف ! غص !
ففي القاع ينتظرك الدرس
أنت يامن سئلت كثيراً
خذ حصتك من درس الجماهير الذي لا يقدّر بثمن
اشغل مكانك الجديد
لقد انتهيت يا رجل الدولة
إذا لم تكن الدولة قد انتهت
اسمح لنا بتغييرها لنكيفها مع شروط حياتنا
اسمح لنا يا رجل الدولة بأن نكون رجال الدولة
الدولة لم تعد تحتاجك
فهات أعطنا إياها
……………………
الظلم أمر إنساني
لكن النضال ضد الظلم أكثر إنسانية  “.
وفي نهاية مسرحية ) صعود وسقوط مدينة ماهاجوني ( يواجه أكرمان الجمهور قائلاً : ” عندما دخلت هذه المدينة من أجل أن أشترى المتعة بالمال، كانت نهايتي محتومة. والآن أجلس هنا ولم احصل على شيء … فالمتعة التي اشتريتها لم تكن متعة والحرية التي تشترى بالمال ليست حرية”.
في التجربة المسرحية الجديدة للهاجري ) رياح التغيير ( والتي ينشد فيها استنهاض العزائم الشبابية والعلمية في الوطن العربي من أجل تأسيس واقع جديد ، جوهره وغايته : نشر الحرية ، وتوسيع قاعدة الديمقراطية، وهدم معابد وأنظمة الديكتاتورية، وسيادة القانون، وقيام دولة العدالة الاجتماعية، والإنسلاخ من تبعية وسلطوية القوى الغربية . والتأكيد على دور الفرد في بناء المجتمع ، ودور المجتمع في بناء الدولة ، واحترام أدمية وحقوق المواطن، وإرساء مفهوم المواطنة .
 
أقول : في هذه التجربة – الداعية للتغيير –  ثمة مقاربة شديدة مع المسرح الثوري البريختي، ومقاربة أخرى مع المسرح الثوري التعبيري الذي ألقى على كاهل الفن والأدب  – ومنه المسرح –  رسالة جديدة: ” فبدلاً من استسلام الفنان لأهوائه الذاتية الرومانسية ، فان غرض الأدب هو رفع الإنسان إلى مواطن عالمي “.
ليس هذا فحسب ، بل مضت التعبيرية إلى ما هو أبعد من ذلك تبعاً لرأي ) ه . ف . جارتن ( كونها كانت في منبعها وغرضها حركة ثورية ، حيث يقول ” مثلها مثل كل ثورة ، كانت معرفتها بما تعارضه أكثر وضوحاً من معرفتها لما تهدف إليه . وكان المثل الأعلى الايجابي .. الذي شيدته هو كرامة الإنسان “.
المسرح الكويتي … وأفق تجديد الدراما الكويتية
هذه المقاربة ، وهذا التلامس بين تجربة الهاجري والتعبيرية الثورية جدُّ مهمة ، حيث تجعلنا نراهن بضمير مرتاح على المستقبل الواعد الذي ينتظر هذا الكاتب المسرحي الشاب إذا ما استمر في الكتابة المسرحية على هذا النحو التكنيكي والفكري المثير للإعجاب والأسئلة في آن واحد ، مع ضرورة ملحة على تطوير أدواته الكتابية من مسرحية إلى أخرى ، ومن فترة إلى فترة تبعاً لمستجدات الدراما ، عبر الإطلاع الواعي والعلمي المكثف على التجربة المسرحية العالمية ، وبخاصة التجارب الدرامية الحداثاوية الرامية إلى تجديد روح الدراما الإنسانية ، وطبيعة الكتابة ، وأساليب التكنيك عند مختلف التيارات المسرحية العالمية .
في اعتقادي الشخصي أن ما يكسب نص ) رياح التغيير ( أهمية خاصة في خريطة الحركة المسرحية الكويتية إضافة إلى ما تقدم –  ليس لكونه فقط أنه أول تجربة كتابية درامية كويتية )وخليجية حسب مبلغ علمي / مارس 2011 م ( تتصدى لموضوع الثورات العربية المعاصرة ، وليس فقط لعمق مضامينه الفكرية التي تنحاز للطبقة المتعلمة من الشبيبة ، وللبسطاء من الناس ، وللكادحين من أبناء الطبقة الوسطى وللمقهورين والمظلومين والمحبطين من الشعب العربي ، وليس فقط لأنه يقدم للمتلقي خطاباً سياسياً عقلانياً ، يدعو إلى استقلالية الفعل والإرادة العربية ، وليس فقط لكونه من النصوص المسرحية الشبابية الكويتية القليلة المهمومة بالقضايا العربية … ولكن فوق هذا وذاك لكونه يبعث أملاً جديداً في تجديد مسارات الكتابة المسرحية الدرامية في الكويت ، على نحو يعزز من قيمة النصوص المسرحية التعبيرية ذات الرؤى والمضامين السياسية ، والتي تحمل في خطابها قيماً ثورية ، كثيراً ما تفتقدها الساحة المسرحية الكويتية ، وكذلك المكتبة الثقافية في الكويت .
هذا الأمل يعني بالنسبة للباحثين في الشأن المسرحي الكويتي ، الدعوة الصريحة إلى هدم البني التقليدية للنص المسرحي الكويتي الموغل بالواقعية وتبني اتجاهات جديدة في أساليب الكتابة الدراماتيكية ، كما فعل بالضبط بدر محارب في ثلاثيته الفانتازية التغريبية  (جمهورية الموز ( ، ) تاتانيا ( ، ) دراما الشحاذين ( ، وكما فعلت الكاتبة المسرحية كاملة العياد في مونودرامياتها : ) قرص عقيلي ( ، ) الصفعة ( . وكما فعل الكاتب المسرحي الشاب ناصر صفر في تجريبياته القصيرة: ( حياة أخرى على الطريق ( ، ) خائن رغماً عنه ).
لذلك أرى أن هذا الرباعي الذي بدأ يتبلور في نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة : بدر محارب ، كاملة العياد ، عبدالكريم الهاجري ، ناصر صفر … يشكل النواة الطلائعية للموجة الجديدة في حركة التأليف المسرحي الكويتي . فهم سعوا جميعا من غير سابق اتفاق – فيما بينهم –  على كسرسيادة النص المسرحي الواقعي في الكويت ، ذلك النص الذي ينهض في بناء شبكة أحداثه الدراماتيكية على الكثير من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الكويتي . والذي انشغل أيضاً – عن طيب خاطر –  بهموم الأسرة الكويتية وبتطلعاتها وأحلامها ، وكذلك بتناقضات العلاقات الطبقية ، وبصراع الأفراد فيما بينهم داخل نطاق الأسرة الواحدة ، في إطار ما فرضه الواقع الاقتصادي الجديد من مستجدات على البلاد ، وفي ضوء توزيع الثروات ، وإعادة هيكلة العلاقات الاجتماعية .. فصار النص الدرامي  – هنا –  مثقلاً بالهم الأسرى اليومي ، فلم يعد قادراً على تجاوز محيطه الاجتماعي والاقتصادي الذي ينتمي إليه إلاّ في أضيق الأحوال ، وهذا ما كان نادراً.
ربما لهذا السبب-  المباشر – ولغيره من الأسباب الموضوعية الأخرى التي لها علاقة : بالحرفية الكتابية ، والخبرة الفنية ، وعمق الثقافة ، ومستويات القناعة ، وطبيعة التوجه ، ونوعية متطلبات الساحة ، ورغبات الذائقة الجمالية … غابت القضايا القومية الرئيسية عن معالجات الدراما المسرحية الكويتية لسنوات طويلة ، اللهم إلاّ من بعض إشارات متفرقة جاءت في سياق نصوص مسرحية سياسية ، غير معدة من الناحية الفكرية لتناول القضايا القومية ، نظراً لارتباطها المباشر بالشأن المحلي .
الدراما الكويتية … والمقاربات القومية :
الحق يقال : إن العرض المسرحي الكويتي ، وفق الرؤى الإخراجية ، كان في هذا الجانب أفضل حالاً من الرؤى الأدبية للنص المسرحي . كون العرض تلامس نوعياً مع بعض القضايا القومية الرئيسية عبر لعبة الإسقاطات السياسية والإيحاءات الترميزية سواء من خلال إشارة هنا ، أو إشارة هناك وسواء من خلال التعليق على موقف ما ، أو من خلال مقاربة فكرية أو حدثية.
وقد برزت أهم تجليات حضور القضايا القومية في المسرح على الصعيد التطبيقي حين يضع النقد المسرحي في الكويت أصابعه على أهم النصوص والعروض التي برزت فيها تجليات حضور القضايا القومية الرئيسية من غير إيهام أو مواربة أو ترميز على النحو التالي :
1- عرض ) الحق الضائع ( لفرقة المسرح الشعبي وهو من تأليف محمد دخيل البحيري ، وإخراج خالد الصقعبي ، ومحمد الراشد تم تقديمه في الذكرى السنوية الأولى لنكسة الخامس من حزيران للعام 1967 م . ويناقش فيه المؤلف والمخرج قضية ضياع فلسطين ، حيث يجعل من هزيمة الخامس من حزيران منطلقه لمناقشة أبعاد ضياع الحق العربي .. العرض تم تقديمه خلال الفترة من 16/6/ 1968 م وحتى 10/7/1968 م على مسرح كيفان.
2- بجانب عرض الحق الضائع كتب حسين الصالح الحداد نصين لهما علاقة مباشرة بالواقع العربي وقضاياه … الأول يتعلق بالقضية الفلسطينية ، وقد كتبه على خلفية نكسة الخامس من حزيران للعام 1967 م .. مؤكداً على مشروعية النضال القومي من أجل استرجاع الوطن المغتصب ، والثاني كتب في العام 1970 م . يستعرض فيه حياة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ، وهو أقرب في شكله إلى المسرح الوثائقي غير أنه لايخلو من تراكيب درامية ، يعبر فيها الحداد عن موقفه ورأيه بالزعيم الراحل ، الذي كان من أشد المعجبين بشخصيته السياسية . وقد جاءت كتابته على خلفية رحيل عبدالناصر وكم كان الحداد يتمنى أن يُخرج بنفسه النص الأول والثاني لصالح فرقة المسرح الكويتي غير أن ظروفاً إنتاجية أحالت دون ذلك . ومع الأسف الشديد رحل الحداد ، وفقدنا هذين النصين ، فلا أحد يعرف أين ذهبا ؟ أو أين وضعهما الحداد ؟
3- عرض ) حلم السمك العربي) .. وهو من تأليف وإخراج حسين المسلم .وفيه مناقشة رمزية شفافة لبعض قضايا الوطن العربي من خلال حكايات رجال المقهى الذين يجسدون أنماطاً سياسية عربية فيها درجة عالية من التباين … وعبر هذا العرض أطلق حسين المسلم مشروعه المسرحي الجديد ) نحو مسرح عربي حيّ ( حيث صاغ بيانه المسرحي الأول . وقام بتطبيقه فيما بعد على عدد من العروض المسرحية .
4- ) إعدام أحلام عبدالسلام ) .. من تأليف فطامي العطار وإخراج حسين المسلم ، قدمته فرقة المسرح الشعبي في قاعة الندوات بمسرح الدسمة. وهو يذهب بأحداثه وقضيته مباشرة إلى القضية الفلسطينية . وفيه عهد المسلم إلى تطبيق طروحاته التي جاءت في بيانه : ( المسرح العربي الحيّ ( وقد شاركت فرقة المسرح الشعبي في هذا العرض في فعاليات الدورة السابعة لمهرجان الكويت المسرحي.
5- عرض ) بوخريطة ( .. وهو من تأليف وإخراج حسين المسلم قدمته فرقة الجيل الواعي . ويتشابك هذا العرض على أرضية تاريخية مع القضية الفلسطينية من رؤية خاصة للمسلم .. وفيه أيضا محاولة إضافية لتطبيق طروحاته في مشروع : ) المسرح العربي الحيّ (
6- عرض ) روز والأراجوز ( .. من تأليف عواطف البدر… تم تقديم العرض على خشبة سينما السالمية في العام 1993 م وهو موجه للأطفال . ما يجعله يتلامس مع واقع القضية الفلسطينية أنه يستند إلى قصة قصيرة بعنوان : ( القنديل الصغير ( كتبها بأسلوب رمزي شفاف الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني ، يعالج من خلالها قضية الوعي بالحرية والديمقراطية ، كما أن القيم التربوية تغلب على الكتابة النصية  – الأصل – حيث ترى أن بناء الأوطان واستقرارها تبدأ بتلاحم أجهزة السلطة مع قوى الجماهير الشعبية في وحدة اندماجية واحدة . وقد أكدت المعالجة الدرامية عند عواطف البدرعلى مسألة بناء الأجيال في المجتمع كخطوة أولى لبناء الأوطان ، وتحريرها من بؤر الفساد والتآمر والخيانة .
سسيوبوليتيكية رياح التغيير .
ما يهمني في هذا الجانب تبيان كيفية مسار حضور القضايا العربية في النص المسرحي الكويتي . ما الذي تحقق وما الذي تمت مناقشته ، وما القضايا التي تم استعراضها تصريحاً أو ترميزاً ، لنتبين في النهاية موقع نص ) رياح التغيير ( لعبد الكريم الهاجري من بين هذه النصوص .
إذن ، استناداً إلى هذه النماذج-   وذلك حسب مبلغ علمي –  يبدو واضحاً أنّ النص المسرحي الكويتي – أعني لمؤلفين مسرحيين كويتيين – كان تفاعله مع أوضاع القضية الفلسطينية أكثر من تفاعله مع القضايا العربية الأخرى، فكانت الأوفر حظاً في الحضور والمناقشة ، سواء في النص الأدبي أو النص الجمالي فوق خشبة المسرح . حيث أفرد لها الكتاب مساحات النص كله ، كما بيّنا في النماذج السابقة . غير أن هذا لا يعني أنه تم تغييب القضايا العربية الأخرى ، فهناك نصوص وعروض مسرحية كويتية أشارت في سياق أحداثها إلى بعض منها مثل : القضية الجزائرية ، الحرب الأهلية اللبنانية ، صمود المقاومة اللبنانية . قضية الديمقراطية والحريات السياسية ، وغيرها .إلاّ أنها كانت إشارات سريعة ومقتضبة .
وبالتالي ، فان هذا ما يعطي نص ) رياح التغيير(  قيمة فكرية وفنية إضافية ، كونه ركز في طروحاته ومعالجته على عموم الثورات العربية المعاصرة ، دون أن يتوقف عند قضية قطرية بعينها . فجعل شاغله الدراماتيكي الهم القومي برمته … بصورة أو بأخرى لم يحصر نفسه ضمن نطاق مفهوم الرؤية الكويتية للقضايا العربية القطرية ، بل تجاوزه إلى مفهوم سسيوبوليتيكي أوسع وأشمل وأعم . واضعاً الرؤية الكويتية مقابل الشأن القومي Nationalism ، ليجعل من حضور الوطن العربي القيمة الاجتماعية السياسية الأعلى ، وليعكس من خلال هذا الحضور قضية الولاء والانتماء لهذا الوطن حيث )) تنطوي القومية على الشعور بالمصير والأهداف والمسئوليات المشتركة لجميع المواطنين (( حسب تعبير الدكتور برهان غليون ، والدكتور سمير أمين.
مسرحي كويتي تكنوقراطي
إنّ الوعي الفكري والثقافي المحمود للهاجري بالقضايا القومية المعاصرة ، كذلك الوعي بالمستقبل السياسي والاجتماعي للإنسان العربي .
أرى أنّ من شأنه أن يعزز كثيراً من مكانه الموجة الطلائعية الجديدة في حركة التأليف المسرحي الكويتي – راهناً ومستقبلاً – سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو القومي.
أضف إلى ذلك : أنه على ضوء طروحاته الفكرية التقدمية ، وعلى هدىٍّ من آرائها الإستبصارية وأسئلتها الباحثة الملحة واستثماراً لما يمكن أن تصنعه هذه الموجة من تأثيرات ايجابية في أوساط الحركة الأدبية والمسرحية الشبابية ، أرى – هنا – أنه من المحتمل ، بل من المتوقع ، أن تتسع قاعدة هذه الموجة – في الحركة المسرحية الكويتية – في المستقبل ، لتشمل أسماء تأليفية جديدة ، تحمل نفس التطلعات والأفكار والرؤى . خاصة بعد أن تنبهت الدولة عبر بوابة مؤسستها الثقافية الرسمية – المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – إلى أهمية تنظيم الورش التدريبية المتخصصة في حرفية الكتابة المسرحية للشبيبة والهواة والمبتدئين الراغبين في تعلم هذه الحرفية وفق أصولها العلمية والقواعدية حيث كانت البداية الأولى لإنطلاقة هذه الورشة في العام 2010 م تحت إشراف وتدريب الدكتور نادر القنّة، وبمساعدة فنية من قبل الباحث الإعلامي الكويتي وليد الشرف والمدرس المساعد بقسم النقد والأدب المسرحي بالمعهد العالي للفنون المسرحية جمال الشايجي . وكذلك بمساعدة إدارية من قبل عبدالكريم الهاجري . وقد لاقت هذه الورشة تشجيعاً ورعاية واهتماماً غير مسبوق من لدن الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وقتذاك الأستاذ بدر الرفاعي والقيادة الثقافية بالمجلس وفي مقدمتهم الأستاذة الفاضلة كاملة العياد مدير إدارة المسرح بالمجلس . التي تعد واحدة من أهم أركان الرباعي الطلائعي في الموجة الجديدة .
هذه الرعاية ، وهذا الاهتمام مكن الورشة من انجاز أربع وعشرين نصاً مسرحياً ، خلال فترة التدريب ، وفي فترة زمنية قياسية تحسب لصالح الفريق الفني والإداري والرعوي للورشة . كما كان من أهم افرازاتها اكتشاف وتقديم أسماء تأليفية واعدة . وفي مقدمتهم المؤلف المسرحي الشاب ناصر صفر الذي اظهر موهبة غنية استثنائية في الكتابة المسرحية .. سمحت له محاولاته التجريبية الأولى ذات الفصل الواحد بأن يكون من بين أعضاء ا لم و جة الطلائعية الجديدة في الحركة التأليفية الناشئة في الكويت .
وفق هذه الصورة ، إنّ جُلّ ما يعنينا هنا في هذا المقام ، أنّ الكاتب المسرحي عبدالكريم الهاجري ، استطاع عبر جهوده أن يجد لنفسه موقعاً جيداً في سلم هذه الموجة ، وأن يكون أحد بناتها الطليعيين المؤسسين لها فكتاباته الدراماتيكية ، وأسلوب معالجته للقضايا المثارة يعكس مقدار ما يحمل من مشاريع فكرية تستحق المناقشة ، وإمكانات فنية وجمالية واعدة .. للحد الذي يمكننا من القول : أنه بحق مسرحي تكنوقراطي ، يجمع بين التأليف ، والإخراج ، والإدارة والتدريب الورشي ، كما أنه باحث مجد ومثابرعن الجديد والتجديد في اشتغالاته الدرامية .
رياح التغيير … بين الأ سئلة المشروعة والمخبوءة
والآن ، يأتي السؤال الأكثر أهمية في رياح التغيير : ترى كيف عالج الهاجري – درامياً وفكرياً وجمالياً – موضوع الثورات العربية في تجربته هذه ؟ وكيف شكل موقفه الفكري من هذه الثورات وهو على بعد مسافة منها ؟ ولماذا عمد في جانب من معالجته الدراماتيكية إلى التنبؤ – كشكل من أشكال القراءة – وبعض الثورات لم تكن قد تبلورت أو تحددت اتجاهاتها وقت كتابة النص ؟ وما حدود الراهن وما حدود المستقبل وما مساحة الحلم في نظر عبدالكريم الهاجري ؟ ما الذي يريده والذي لا يريده من هذه الثورات ؟ بداية اتفق مع البرفيسور لاسل ابركرومبي  Lascelles Abercrombie أستاذ الأدب الانجليزي بجامعة لندن لسنوات عدة بأن التعبيرعن فكرة ما في الأدب والفن ، ليس شرطاً أن يكون من أجل الفكرة نفسها ، بل من أجل إيصال التجارب منظمة مفصلة ، وبالتالي فإن الأمر في هذا ليس قاصراً على الفكرة بحد ذاتها . بل هناك التعاطف والأثر النفسي ، والرؤى الخاصة . وجميع تلك المعاني المتعددة الأشكال والصور والدلالات والإيحاءات التي تصحب ميكانيزمات الفكرة ، بما تعكسه من تجارب ذاتية يجب توصيلها إلى المتلقي عبر استثارة خياله لتوليد سلسلة من الأسئلة المتلاحقة ، سواء كان هذا المتلقي قارئاً للنص ، أو مشاهداً للعرض المسرحي .
وفق تعبير البروفيسور لاسل ابركرومبي فإنه )) يكون لدينا تجارب لا حد لصورها وأشكالها تدل عليها إشارات هي بطبعها محدودة المدى والكفاية ولهذا لابد لفن الأدب أن يصبح إلى درجة كبيرة مجرد إيحاء Suggestionوان اسمي ما يصل إليه فن الأدب هو إن يجعل الإيحاء اللفظي من القوة والسيطرة وبعد المدى والحيوية والدقة بمكان عظيم . وقوة الإيحاء هذه هي التي تضيف شيئاً آخر إلى المدلول العادي للألفاظ … كان سقراط يعزو قوة الابتكار الأدبي إلى ما سماه طبيعة خاصة وهي التي وصفها بأنها قادرة على أن تتحمس. وهذا صحيح . لكن هذه الحماسة لا غناء فيها إذا لم تكن هنالك قوة تعبر عنها تعبيراً لفظياً مفهوماً ، والذي يمتاز به الفنان الأديب على غيره هو الإحساس . وهذا الإحساس هو ، كذلك، الذي يميز القارئ الذي يتذوق الأدب .
وعلى أية حال ، وفق رأي البرفيسور لاسل فان )) أصل كل تأليف أدبي هو تجربة مارسها المؤلف ، وهذه التجربة قد تكون من أي نوع كان ، قد تكون مما يصادف المؤلف في حياته ، وقد تكون قصة سمعها ، أو خيالاً أو وهماً خطر في فكره ، ولكنها على كل حال يجب أن تكون تجربة قد ملكت عليه حسه وحملته على الكلام . نعم قد لا يكون هنالك أمر غير مألوف في تجربة تضطر صاحبها لأن يتكلم ، ولكن يجب أن يكون في التجربة أمر غير مألوف إذا أضطر صاحبها لأن يتكلم بإتقان وبراعة ، وان ينقل تجربته إلى فكر الآخرين ، أو بعبارة أخرى يوصل هذه التجربة إلى النفوس ، فلابد لهذه التجربة أن تكون من الشدة بحيث تبعث في المؤلف القوّة والنظام اللازمين لمجهود أدبي ، يستطيع أن يخرج بواسطة الألفاظ – رمزاً عن تجربته ، وهذا الرمز يجب أن يكون صادقاً دقيقاً بحيث يُرضى المؤلف به شعوره الفني تمام الرضا … وما هو هذا الشعور الفني الذي لابد من إرضائه ؟. هو بكل بساطة تلك التجربة نفسها .. ولكي يكون – لهذه التجربة – النفوذ ، يجب أن تكون حادة شديدة. ولكن التجربة التي تتطلب ذلك النوع الخاص من التعبير ، الذي يتخذ صورة التوصيل الفني ، تلك التجربة لابد أن تكون ذات قوّة خاصة ، وشدّة خاصة ..بحيث تُبعث مرة أخرى في نفوس الناس . فالتجربة إذا كبرت وسمت فلابد لها من مقدرة على التعبير ، أسمى وأكبر لكي تحيلها إلى عمل أدبي يمثلها تمثيلاً صادقاً  )).
لاشك أنّ هذه التجربة الثورية العربية تملكت إحساس الهاجري ، وتشابكت مع افكارة ورؤاه ، شأنه في ذلك شأن كل أبناء جيله من الشبيبة العرب ، الباحثين عن فضاء جديد للحرية والديمقراطية وسيادة العدالة الاجتماعية . والباحثين عن التغيير ، وعن دور جديد لطلائع الشباب ، وبخاصة من المثقفين والمتعلمين والتكنوقراط . لقد تملكته إلى الحد الذي فرضت عليه أن يفرزها نصاً مسرحياً تحمل هموم جيله وهواجسه وأمانيه وتطلعاته .
إذن هي تجربة تلاقحت جدلاً وامتصاصاً مع الفكر والإحساس والأمل .فأنطلق في التعبير عنها دراماتيكياً من موقف نقدي فاعل ومتفاعل وناشط . لذلك تزاحم ذهنه بعشرات الأسئلة المتوالدة حيال واقع الثورات العربية ومصير الإنسان العربي ، ومستقبل شبيبة الثورة ، الذين جعلوا من أرواحهم وذواتهم وإمكاناتهم وقوداً وشعلة لها . كما حملوا على أكتافهم مهمة أطلاق شرارتها الأولى .
مباشرة ، وبلا مقدمات استهلالية ، كما جرت التقاليد في بعض أنواع الدراما ، يذهب عبدالكريم الهاجري إلى الطبقة الوسطى في المجتمع العربي وبالتحديد الشريحة التي تقف على حافة البروليتاريا ، والمؤهلة للسقوط في أتونها نتيجة أوضاعها المعيشية المأساوية ، في ظل تعسف الأنظمة والقوانين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتشغيلية القائمة . التي تعطي للسادة والخاصة وأصحاب النفوذ والطبقات العليا كل شيء ، وتنزع من الطبقات الدنيا كل ما من شأنه أن يوفر لها حياة كريمة ، تاركة هذه الطبقات  الدنيا  تعاني شظف الحياة وقساوتها ، يطارد أبناؤها لقمة العيش ، بلا أمل ، ولا مستقبل . أو بمعنى أدق : إنهم يحلمون بالمستقبل الذي لن يأتي ، ومن المتعذر أن يأتي ، فيصيرون بقوة هذه القوانين وجبروتها وبيروقراطيتها غرباء في أوطانهم . يتقاذفهم المصير المجهول ، والرياح العاصفة ، والأمل المفقود .
الواقع الاجتماعي … وفتيل الثورة
في المشهد الأول يقتحم واحداً من منازل هذه الطبقة ، ويأتي اختياره دقيقاً مدروساً ومقصوداً ، لتجسيد مرحلة ما قبل الثورة ، أو ما نطلق عليه إرهاصات ما قبل الثورة …  حيث يكون كل شيء معداً سلفاً – ومنطقياً – لانفجار الثورة ضد القوانين والأنظمة الاستبدادية الفاسدة .
هنا ، يكشف المنظر المسرحي عن الواقع المعيشي لهذه الطبقة : ” صالة ذات أثاث شديد التواضع ، وفي الخلف نافذة ، نرى امرأتين بملابس بسيطة أحداهما في أواخر الأربعينات وجارتها في منتصف الثلاثينات ، تجلسان بالمنتصف على طاولة طعام تقطعان خضار “
في هذا المنظر ، يدير الهاجري بين الجارتين حواراً غنياً ، يلخص الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي لهذه الطبقة ، بل قل : أنه يجسد عذابات أفراد هذه الطبقة .
حوار نسوي ، يخرج فيه عن طابع الثرثرة المعتاد بين امرأتين شرقيتين ، ويتجاوز فيه مفهوم الديالوج الاجتماعي التقليدي الذي يصب في إطار القيل والقال والنميمة ، وكشف عيوب عباد الله . كما اعتادت على تقديمه المسرحيات شديدة الواقعية ذات الطابع الاجتماعي.
هذه المرة يضعنا الهاجري أمام حوار نسوي غير تقليدي ، سريع ومقتضب ، يدور حول قضايا العمل والبطالة ، والتعليم ، وشظف العيش ، ومأساة المتعلمين ، وكفاح البسطاء من الناس من أجل تحقيق الحد الأدنى من الحياة الكريمة … انه باختصار ديالوج مشبع بالمعلومات الراسمة لصورة الطبقات الوسطى والدنيا ، والمحفزة في الوقت نفسه على اندلاع الثورات الشعبية.  في برهان منه أن اندلاعها قام على خلفية اجتماعية بحتة ، أولها غياب العدالة الاجتماعية ، وغياب التوازنات الاقتصادية .
تشتكي المرأة صاحبة المنزل لجارتها من الأوضاع المعيشية القائمة ، وتشتكي الجارة للمرأة صاحبة المنزل من ذات الأوضاع .
فالأولى حصلت على دبلوم متوسط منذ سنوات عديدة ، واضطرت للعمل في وظيفة ذات دخل متواضع . غير أنها وجدت نفسها غير قادرة على مواصلة العمل بعد الزواج ، فالراتب يذهب لنفقات المواصلات دون أن تستفيد منه ، لذلك فضلت التفرغ لتربية الأبناء ، على أن يقوم الزوج بالعمل صباحاً مساءً لتدبير شؤون الحياة .
الجارة: ولماذا تركتي عملك ؟ أعتقد أن الحياة الزوجية تحتاج إلى مصاريف كثيرة ، وكان يجب أن تستمري في العمل لمساعدة زوجك .
المرأة : صحيح ياجارتي .. الحياة الزوجية تحتاج إلى مصاريف كثيرة …ولكن راتبي كان يذهب كله للمواصلات أثناء ذهابي وعودتي من العمل ، لذا فقد اتفقت مع زوجي على الجلوس في البيت والتفرغ لتربية الأبناء .. وأصبح زوجي يشتغل في وظيفتين صباحية ومسائية ومع ذلك فنحن بالكاد ندبر  أمرنا .
 
أما الجارة فأنه ا تخرجت في الجامعة منذ عشر سنوات ، حاصلة على شهادة المحاسبة ، ومنذ ذلك التاريخ لم تحصل على عمل عن طريق المؤسسة الرسمية للتوظيف فكلما سألت عن طلب وظيفتها ، أفادوها بأن عليها الانتظار ولاشيء غير الانتظار … حكايتها هذه تتشابه مع خطيبها الذي عجز عن الحصول على وظيفة داخل وطنه ، فأضطر إلى صرف النظر عن موضوع الزواج بعد أن فشل في تدبير مستلزماته . مفضلاً السفر إلى الخارج لتنقطع صلته بخطيبته وبوطنه … ما دفع الجارة ذاتها إلى صرف نظرها عن الزواج .
صورة أخرى مكررة تنقلها إلينا المرأة صاحبة المنزل عن ابنة شقيقتها الجامعية التي فشلت بالحصول على وظيفة عبر المؤسسة الرسمية ، فوجدت نفسها مندفعة لاستكمال دراستها العليا .. حيث حصلت بعد خمس سنوات على درجة الدكتوراه ، ومع ذلك بقيت بلا وظيفة ، ولا تزال تنتظر دورها في سلم التوظيف .
المرأة : عندما أنهت الجامعة لم تتوقف عن الدراسة ، وقد حصلت على الدكتوراه منذ خمس سنوات.
الجارة : وماذا فعلت بعد ذلك ؟ 
المرأة : قدمت طلب توظيف منذ ذلك الوقت ومازالت تنتظر .
الجارة : هي تنتظر الآن كما أنتظر أنا .
فكرة عبثية الانتظار هذه ، التي تذهب بالعمر سدى ، وبشكل مجاني دفعت ابن المرأة إلى أن يتخذ موقفاً من السلطة التشغيلية في وطنه بعدم التقدم لها بطلب للحصول على وظيفة . فصار يقضي معظم وقته في المقهى مع أبناء جيله من العاطلين عن العمل ولا أحد يعرف ماذا يفعلون في جلساتهم ، ولا بماذا يفكرون أو يخططون .
المرأة : جيل هذا الوقت لا تعرفين كيف يفكر .. فما في رأسه هو في رأسه .. ويصعب إقناعهم بأي شيء .
الجارة : يجب أن تكلمي والده ليقنعه بترك هذا العبث ، والبحث عن مصلحته .
 
حالة اليأس هذه انتقلت إلى الابنة أيضا ) ابنة المرأة ( التي على وشك التخرج في الجامعة حيث بدأت تهمل تحصيلها العلمي ، وراحت تقضي معظم وقتها مع زميلتها في استخدام شبكة الانترنت . دون معرفة ما يدور ولا بماذا تفكران ، ومالذي يدور برأسهما .
الجارة : الانترنت .. أرجو ألا تكونا تعبثان من خلال الانترنت هذا .
المرأة : أتعتقدين ذلك ؟
الجارة : ساعات طوال .. إهمال الدروس … بماذا تفسرين ذلك ؟
في لمحة ذكية سريعة ، ودون تفاصيل حواريه مجانية أو فضفاضة ينجح الكاتب في توصيف حالة الرتابة والإخفاق والمعاناة والمأساوية التي تعيشها الطبقة الوسطى في المجتمع العربي … فما بالنا إذا بالبروليتاريا – والسؤال لا يزال قائماً – كيف تعيش هذه الطبقة ؟ وكيف توفر قوت يومها ؟
أمام محدودية الدخل ، وأمام العجز عن الحصول على مداخيل إضافية أو مناسبة ، فإن طعام اليوم هو ذاته طعام الأمس ، وهو كذلك طعام الغد ، وهكذا دواليك يتكرر الطعام في المنزل دون تغيير … وعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذه الأسرة صغيرة العدد :
* الأب يكدح صباحاً مساءً لتوفير لقمة العيش .
* ابن تخرج في الجامعة ولم يتمكن من الحصول على وظيفة .
* ابنة على وشك التخرج في الجامعة .
* أم ربة منزل ، نذرت نفسها لتربية الأبناء وتدبير شؤون المنزل .
الجارة : ماذا طبختي اليوم للغداء ؟
المرأة : مرقة خضار
الجارة : وأمس ماذا طبختي ؟
المرأة : مرقة خضار
الجارة : واليوم الذي قبله
المرأة : مرقة خضار
الجارة : ماهذا ، دائما تطبخين مرقه خضار ؟ أريد أن أعرف ماذا طبختي قبل أربعة أيام ؟ لا تقولي لي مرقة خضار .
المرأة : أعتقد بأني طبخت مرقة خضار … وأنتم في البيت ماذا كان غداؤكم ؟
الجارة : في الواقع كان مرقة خضار ) تضحكان ( .
بالطبع ، لا داعي للمقارنة بين واقع حال هذه الطبقة والطبقات العليا فالمقارنة هنا في غير محلها . فالبؤس والشقاء الاجتماعي والاقتصادي يحيط بالطبقة الوسطى من كل جانب، ضاغطاً عليها ، لتعيش وضعاً حياتياً تغيب عنه شمس العدالة الاجتماعية . بل وضعاً قاسياً ، يصبح جاهزاً للانفجار حينما تحين له الفرصة المناسبة .. وكيف لا وهذه هي الحال :
1- طبقة حاكمة عليا ، تقتات على عظام البسطاء من الناس .. فالذين ينهبون خيرات الوطن يزدادون تخمة وانفصالاً عن الوطن … والذين يعانون ضنك العيش يزدادون اختناقاً وتمسكاً بالوطن وانتماءً إليه .
2- تفشي البطالة في أوساط المتعلمين وحملة الشهادات الجامعية والعليا ، وانعدام فرص العمل .
3- تدني المداخيل يقابله ارتفاع في أسعار السلع .
4- سيادة البيروقراطية في النظام الاجتماعي والوظائفي .
5- الركون إلى تكريس سياسة الواقع دون البحث عن حلول جذرية للأزمات الخانقة في المجتمع .
6- وعود وآمال سرمدية من قبل السلطة وأجهزة الحكم بغرض التخدير، ليبقى الواقع على ما هو عليه . فهي وعود غير قابلة للتنفيذ ولا يمكن تحقيقها .
7- رتابة اجتماعية وسياسية واقتصادية ممجوجة .
8- فشل في السياسات التعليمية … فالمخرجات التعليمية لا تتناسب واحتياجات المجتمع، ولا تصب في الحياة الواقعية … وهو مؤشر على انهيار أنظمة التعليم .
9- اتساع الفجوة بين الطبقات ، ما يجعل التركيبة الاجتماعية هشة، قابلة للانكسار .
10- تفشي الفساد الإداري .
11- غياب الإنتاج .
12- غياب مشاريع التنمية .
13- عدم استثمار الطاقات الشبابية الفاعلة في المجتمع .
14- ارتفاع معدلات العنوسة .. وعدم قدرة الشباب على تدبيرمستلزمات الحياة الزوجية .
15- نجاح الأنظمة الحاكمة الفاسدة في صناعة مجتمعات طاردة لأبنائها ومحفزة على الهجرة .
ما أن نأتي إلى نهاية المشهد الأول حتى تعبّر المرأة لجارتها عن قلقها النفسي وعن خوفها من تأخر أفراد أسرتها عن المنزل . فليس من عادتهم ذلك .. وما يضاعف من قلقها وخوفها تلك الأصوات التي بدأت تسمعها في الخارج وهي ضجة غير مفهومة .
تزداد الأصوات قوة .. فتتجه الجارة إلى النافذة لاحقة بها المرأة بغرض استيضاح الأمر … وهنا ، يكون الوضع الاجتماعي الخانق قد انفجر في الشارع ناتجاً عنه مظاهرة احتجاجية غاضبة من قبل الجماهير . فيما تؤكد الجارة مشاركة زوج المرأة وولديها في هذه المظاهرة الشعبية العاصفة .
في هذا المشهد يكون الهاجري قد استحضر مستلزمات الثورة الشعبية من ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية وتعليمية وحياتية كافة ، صانعاً منها أرضية أو خلفية لتحديد منطلقاتها .. فما أن يصل بنا إلى نهاية المشهد حتى يكون الفعل الدرامي قادراً على الارتقاء بالحدث الرئيسي وجاهزاً لتغيير اتجاهه نحو شكل آخر من أشكال التعقيد والتأزيم.
أرى من الضرورة الإشارة إلى المهارات الفنية والجمالية الواعية التي يتمتع بها الهاجري في توظيف السينوغرافيا ، بما يخدم فكرته الرئيسية ، التي تقوم عليها الدراما … فالنافذة في الخلفية تقوم مقام الستارة التقليدية فتصبح في هذا الجزئية من المشهد كأنها في المقدمة لا في الخلف . حيث تكشف عن طبيعة الأحداث التي من المفترض أن تجري أمام النظارة على الخشبة ..
غير أنّ الهاجري يمنحها بعداً ثانياً وثالثاً حينما يجعلها تكشف عن الوقائع التي تجري خلف أحداث الخشبة ، كما يجعل من دلالتها المادية المزدوجة وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي ، ) خارج منزل الطبقة الوسطى الذي وقع عليه الإختيار لمنطلق كتابته لمسرحية رياح التغيير)…  وعلى الجانب الآخر تأخذ دلالة سيميائية أعمق بكثير – من جسر للتواصل مع الأحداث الخارجية كونها تشير إلى معنى فكري ، له علاقة مباشرة بالحرية والديمقراطية ، والتغيير . فهي نافذة خلاص وانعتاق الطبقة الوسطى والبروليتاريا للإنتقال من مرارة القهر والإحباط والمعاناة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى وضع العدالة الاجتماعية … فمن خلالها تصل شعارات وهتافات المتظاهرين المحتجين ضد النظام . ومن خلالها يتم بناء الخطوة العملية الأولى نحو الثورة والتقدم وإطلاق عاصفة رياح التغيير الاجتماعي بقيادة ودعم شبيبة الطبقة الوسطى والبروليتاريا .
كسر نمطية الكتابة
في المشهد الثاني يؤكد الهاجري رغبته بالخروج عن نمط الكتابة الدرامية التقليدية ، فيجد في التكنيك التعبيري ضالته لصياغة نص مسرحي كويتيّ متطورا فنياً وجمالياً . ما يسمح له بتعميق فكرته حول موضوع الثورة الشعبية ، وقراءة أبعادها ومعطياتها من زوايا عدة .
انتهى المشهد الأول بإشعال فتيل الثورة ، وانتفاضة الشارع . وفي المشهد الثاني ، وعلى الطرف الآخر يضعنا الكاتب مباشرة أمام ست شخصيات غير معروفة الهوية والانتماء … غير أننا نفهم من حوارها أنها تشكل محور قوي خارجية ضاغطة من تجار الحرب ، وقناصي الفرص ومستثمري الأزمات .
تجتمع هذه الشخصيات في أجواء مشحونة بالريبة والقلق والتآمر لدراسة مدي إمكانية الاستفادة من الوضع الجديد الذي أفرزته الثورة الشعبية . وما المطلوب عمله مع القوى الثورية الجديدة ، وكيف يمكن استثمار المتغيرات بما يخدم مصالح هذه القوى …
نفهم من سياقات الحوار الدرامي أنّ القوى الخارجية هذه بدأت تصرف نظرها عن دعم أنظمة الاستبداد والكتل السياسية الحاكمة بعد أن شاخت ووهنت ولم تعد قادرة على حماية نفسها وحماية مصالح القوى .
الثاني : المستجدات الحاصلة الآن لا يمكن السكوت عنها ، ويجب علينا على الفور تحديد أهدافنا للمرحلة القادمة .
السادس : لقد بدأت الكتل التي استحدثناها قبل عدة عقود تنهار الآن ، وزعماء هذه الكتل لم يعودوا قادرين على السيطرة عليها . لذا يجب أن نتأمل الأمر جيداً ومعرفة ماذا ستؤول إليه الأحداث لكي نسخرها لصالحنا .
وفي هذا المشهد أيضاً يظهر الكاتب مهارته الفنية في توظيف السينوغرافيا بما يخدم فكرته الرئيسية في المسرحية ، وكذلك فكرته الثانوية في المشهد فالإطار المنظري ، ودرجة الإضاءة المستخدمة يشيران إلى الجو التآمري لهذه القوى: ( غرفة معتمة ، نشاهد ستة أشخاص ، بالكاد نتبين ملامحهم ، يجلسون على طاولة مستديرة ( .
فالسينوغرافيا هنا تلقى بظلالها الشاحبة للكشف عن الحالة النفسية المضطربة التي تعيشها قوى التآمر على خلفية نجاح الثورة الشعبية … كونها لا تستطيع أن تعمل إلاّ في الظلام / الأماكن المعتمة ، أو تحت الأرض في الخفاء .. وقد أذهلها نجاح الإنسان البسيط بما يمتلك من قوى روحية ونضالية عالية في هز الأنظمة الاستبدادية .
يستفيد الهاجري كثيراً من الفلسفة التعبيرية في رسم صورة مشهده ، وبناء شخصياته ، وتكثيف حواره . فهاهو هذا التكنيك يمنحه فرصة مناسبة للإعلان عن أفكاره كون التعبيرية )) تؤكد سيادة الروح على المادة ، وترى أن الإنسان ليس نتاجاً لبيئته ، تحركه قوى تخرج عن مجال سيطرته ،بل أصبح هو نفسه العامل المحرك القادر على تغيير العالم حسب رؤيته ، ولم يعد العالم هو الذي يشكل الإنسان ، بل أصبح الإنسان هو الذي يشكل العالم (( .
 خليط بين الفانتازيا والسيركزم والتعبيرية
عبر خليط من أجواء الفانتازيا والسيركزم والتعبيرية وكوميديا الشخصية يبني الهاجري مشهده الثالث ، والذى أن صح التعبير فانه يصلح أن نطلق عليه : ( ليلة هروب الزعيم ( أو ) الساعات الأخيرة للزعيم في كرسي السلطة ).
مشهد في غاية البساطة ، شاء الكاتب من وراء نسيج قصته أن تصل الرسالة إلى الجميع دون استثناء . فلا إرادة غير إرادة الشعب . ولاكلمة غير كلمة الشعب .. فها هو الزعيم قابع في مكتبه ، غير قادر على مواجهة المد الثوري للشعب ، المناهض لسياسته ووجوده في كرسي السلطة … فحينما يخفق مسئول الأمن في مواجهة الثائرين الغاضبين ، يعتقله ويتهمه بالفشل ، ويلقي باللائمة عليه ، ويدفع به إلى السجن كونه المسئول عما حدث. ثم يأتي بوجه جديد من السلطة الأمنية علّه ينقذ الزعيم والنظام من الغضبه الجماهيرية ، فإذا به يكرر سلوك سلفه أمام اتساع الثورة الشعبية دون أن يعي أن القوة الحقيقية صارت بيد الشعب لا السُلطة .
المسؤول الجديد :لقد أمرت باستخدام القوّة يا سيدي لتفريق المحتجين …بعد لحظات ستعود الأمور إلى طبيعتها ، وينتهي كل شيء.
الزعيم : أرجو ذلك … فالرجل الذي كان قبلك استخدم جميع التكتيكات المعتمدة عند الأجهزة الأمنية لدينا دون نتيجة .
وأخيراً ، أمام طوفان الثورة الشعبية ، وارتفاع أصوات المحتجين يتنبه الزعيم إلى مسألة الإصلاحات القانونية فيرى فيها طوق النجاة الذي ينقذه وينقذ نظامه من السقوط … لكن هيهات ، هيهات .. فقد طفح الكيل عند الثائرين الغاضبين ، ولم تعد تفلح معهم مثل هذه المهدئات .. فالوقت قد مضى .
الزعيم : (يلقي خطاباً) : أيها الأخوة … سوف أجري إصلاحات .. ( ترتفع أصوات الاستهجان والاحتجاج في الخارج ) … حسناً سوف أحقق مطالبكم ، لكن بعد دراستها من خلال لجنة أشكلها لهذه الغرض. ( ترتفع أصوات الاحتجاجات  ).
حيال الموقف الصِدامي بين الجماهير الثائرة والزعيم ونظامه … لا تجد زوجة الزعيم بُداً من إقناع زوجها بالهروب من دائرة الأحداث ، بعد أن تمكنت من تجهيز حقائب الذهب والمال والمجوهرات  حيث لم يعد هناك حل غير الهروب .. بداية يقاوم الزعيم هذه الفكرة ، رافضاً فكرة الاستسلام ، ولكن مع فشل قمع الثورة الشعبية ، يجد أنها الفكرة الملائمة ، التي تُتيح له التمتع بحياته هارباً خارج وطنه ، بعيداً عن السُلطة ، مستفيداً مما أخذه من أموال الشعب .
الزوجة : لقد جهزت الحقائب وملأتها بالذهب والمجوهرات وجميع الأموال التي لدينا هنا .
الزعيم : ماذا تقولين ؟ لماذا نفعل كل ذلك ؟
الزوجة : كيف تريدنا أن نعيش بعد …
الزعيم : بعد ماذا ؟
الزوجة : بعد إن يضربك الشاب على رأسك بالحجر ، وبعد أن ترميك الفتاة بالحذاء على أنفك .
الزعيم : كلا لن أستسلم .. لن أستسلم … ( يرفع السماعة ويتحدث (استخدموا القمع .. استخدموا القمع .. اقمعوا .. اقمعوا أكثر .. وأكثر .
في نهاية المشهد ، يسقط النظام ، وينهار الزعيم ، ويتنحى عن السُلطة : “أيها الأخوة .. دبروا حالكم .. فأنا متنح ، مع السلامة ” . لقد حاول الهاجري في هذا المشهد أن يعالج عدداً من القضايا التي أفرزتها الثورات الشعبية العربية مثل :
1- قضية فساد الأجهزة الإعلامية السُلطوية.
2- قضية تزوير وتشويه الحقائق .
3- قضية إخفاء الحقيقة عن رأس السُلطة والنظام.
4- فساد الأجهزة الرقابية والتنفيذية .
5- فشل السُلطة في إقامة حوار مبكر مع القوى الشعبية .
6- تخلي السُلطة عن مسؤوليتها الأخلاقية تجاه الشعب وتحميل أخطائها لصغار رجالها.
7- الإصلاح لايتوقف عند تغيير الوجوه في السُلطة بل في تغيير الاستراتيجيات واستبدال السياسات القائمة بأخرى .
8- الاستهانة بالمطالب الشعبية .. بداية انهيار النظام وسقوط الزعامات.
9- القمع ليس وسيلة ناجعة لإجبار القوى الشعبية على الصمت ، والتنازل عن مطالبها المشروعة .
10- حشد أعداداً من المتظاهرين لتأييد النظام ، كرد فعل مباشر للمظاهرات المناهضة له .. لا يعكس استقرار هذا النظام . ولا يعني أنه يستمد شرعيته من القواعد الشعبية .
بناء الحدوتة .. مهارات تكنيكية
مع انتهاء اللوحة الثالثة بفرار الزعيم وزوجته ، وتنحيه مُجبراً عن السلطة . يُظهر الهاجري قدرته التكنيكية في بناء حدوتة المسرحية ، واهتمامه في تركيب نسيجها حدثاً حدثاً، وموقفاً موقفاً على نحو يحقق له منطقية إقناع المتلقي بمجريات الدراما .
وبالتالي فتح حوار نقاشي معه حول الأبعاد الفكرية للنص المسرحي وهو ما أشار إليه بريخت في الفقرة 65 من الأورجانون الصغير بقوله : )) كل شيء يتوقف على الحدوتة / القصة ، فهي قلب العرض المسرحي ، لأن ما يحدث بين الناس هو ما يمدهم بمادة يناقشونها وينتقدونها ويعدلونها ، وحتى إذا كان على الشخص الذي يمثله الممثل أن يتسق مع أكثر من ذلك الموقف الواحد – فان هذا يرجع إلى أنّ الموقف نفسه سوف يحقق تأثيراً أكبر إذا تحقق له التكامل مع شخص واحد بعينه .إنّ القصة هي أهم ما في العملية المسرحية، بل انها هي العملية المسرحية نفسها : هي ذلك المركّب من الحوادث ، مع كل إيماءة مختلفة متضمنة التوصيل والدوافع التي يجب أن تصنع الترفيه للجمهور . ((
وفي الفقرة 66 من الأورجانون الصغير ، يقول بريخت : )) يجب أنْ يتم تجميع الشخصيات على المسرح وتحريك هذه المجموعات بهدف الوصول إلى قدر من الجمال اللازم الناتج عن رشاقة تكوين المادة التي تنقل الإيماءات وتوضحها لإفهام الجمهور .((
الثورة تحت مجهر الدراما
في اللوحة الرابعة تتعمق الفكرة أكثر وأكثر ، ويكشف الهاجري عن مزيد من أوراق اللعبة السياسية التي تجري في ظل الثورة .. حتى تتسع الأحداث الدراماتيكية في خط أفقي وآخر رأسي ، لنبدأ نتبين موقف الكاتب من موضوع الثورة .. فالسخرية التي هيمنت على المشهد الثالث ، لا وجود لها هنا ، وكذلك اختفت معها الفانتازيا . ليبقى التكنيك التعبيري وحده سيد الموقف كاشفاً لنا عن الأجواء السيكولوجية في المشهد ، وعن طبيعة الحالة النفسية لكل شخصية من الشخصيات … والتعبيرية خير من يغوص في دهاليز النفس البشرية . لتخرجها على السطح ، بعد أن تقرأها بعناية شديدة .
درامياً ، يعود بنا الهاجري – في مشهده هذا – إلى شخصيات اللوحة الثانية ، وهي النماذج التي تمثل القوى الخارجية الضاغطة ، وتجار الحرب وقناصي الفرص … وقد ازدادت أزمتها حدّة مع تصاعد الثورة ، ومع هبوب عواصف التغيير في التركيبة السياسية والاجتماعية .
يعود إلى هذه النماذج ليرينا كيف راحت تبحث لنفسها عن دور ، أو موقع جديد يخدم مصالحها ورؤاها وأفكارها في إطار الأوضاع الجديدة ، والعلاقات الجديدة الناشئة عن الثورة الشعبية ورياح تغيير النظم الفاسدة.
 فالفكرة الرئيسية في دراما هذا المشهد ، ترينا عبر عدسة بصرية ، ورؤية أدبية كيف تلجأ هذه القوى الغربية الضاغطة إلى تبني الأساليب الأستخباراتية والمؤامراتية من أجل الاستحواذ على الآخر ، والهيمنة على الأوضاع السياسية رغبة منها بزراعة من تشاء زراعته في السلطة ، وتصعيد هذا ، وإقصاء ذاك ، والتخلي عمن تشاء التخلي عنه بعد أن تكون قد استهلكت كل أوراقه وطاقته . فالجو التآمري لا يزال قائما وفق ما تشير إليه السينوغرافيا أولاً : ” الغرفة المعتمة ، والرجال المتأنقون الستة جالسون ، وبالكاد نتبين ملامحهم ، وشاب بملامح غربية يقف أمامهم تتسلط عليه بقعة ضوء ” .
إذن ، تلعب الإضاءة هنا بصورة فاعلة في إثراء فكرة المشهد ، وإثراء الفكرة المركزية في الدراما ، التي ستتضح لنا بشكل تفصيلي في المشهدين التاليين .
لا يحتاج الكاتب في هذا المشهد إلى الاستعارة والترميز والإيحاء .فحواره يكشف عن عبارات ومفردات ومصطلحات صريحة في تشخيص الموقف ، وفهم أوجه الخلل في العلاقة بين الشعب والسلطة ، مثل :
الأول : ماذا كانت مطالب الشارع بالتحديد .
الشاب : الإصلاحات .. وتحسين مستوى المعيشة .
الثالث : ما نعرفه هو أن الزعماء حاولوا إجراء إصلاحات .
الشاب : لكن لم يصدقهم أحد .
الرابع : هي أزمة ثقة إذاً .
الشاب : هناك من لعب دوراً تحريضياً .. أو ما شابه ذلك .
الرابع : من أين لكم هذا التصور
الشاب : هناك تدخل ما عن طريق وسائل الاتصال الحديثة ..والمقاهي .
أمام هذا الوضع تتسابق القوى الخارجية كافة من تجار حرب ، وقناصي فرص للهيمنة على الوضع الجديد ، والاندفاع نحو بناء كتل سياسية جديدة ، ودعم أخرى ، ومحاورة ثالثة ، وهكذا …
الثالث : لنبدأ باتصالاتنا السرية مع المحتجين .
الرابع : التأخير ليس من صالحنا فالأحداث متلاحقة ، والوقت يمضي سريعاً .
الخامس : أعتقد بأنه يجب علينا أن نضع وعلى وجه السرعة خطة محكمة لبناء علاقات مع المحتجين .
الرابع : أعتقد بأنه آن الأوان لنوسع مصالحنا في الكتل ونعمل على الاستفادة من الخيرات هناك بشكل أوسع .
السادس : لقد ازداد وعي الشارع في الكتل ، ولم يعد الناس هناك بالسذاجة التي كانوا عليها ، لذا يجب علينا ألا نتعامل مع الوضع الجديد بطرقنا التقليدية القديمة … سوف نتعامل مع الوضع بشكل مباشر … سوف نتحاور مع المحتجين بشكل صريح وواضح .
الثورة … وتصادم الإرادات
في اللوحة الخامسة يضع الكاتب مصير الثورة الشعبية على المحك، فإمّا : الاستقلالية أو التبعية . بمعنى إمّا أن تكون ثورة شعبية ، سيدة نفسها وقراراتها ، أو ثورة مُتمفصلة مصالحياً وبرجماتياً مع القوى الخارجية تابعة لها تستمد منها قراراتها وتوجهاتها وفق املاءات التبعية .
ففي الميدان الكبير يجري الحوار العاصف والكاشف المتبادل بين كوادر الثورة الشعبية بقيادة ) الرجل ( وبين القوى الخارجية الضاغطة بقيادة ) السادس ( .. حوار لا يخلو أحيانا من المباشرة والتصريح بالرغبات ، وفي أحيان أخرى ينزع فيه الهاجري نحو الترميز والتلميح . ولكنها تلميحات وإيحاءات شفافة لا تخفى على المتلقي ، سواء كان قارئاً للنص أو مشاهداً له على الخشبة في حالة عرضه … ففي هذه المواجهة يحاول كل طرف أنْ يدافع عن أفكاره ومصالحه ورؤيته للوضع الجديد ، وكيف نُميطق فهمه للمستقبل ، وما البرنامج الذي يمتلكه لإدارة المرحلة الجديدة علي ضوء المتغيرات التي أحدثتها الثورة الشعبية وانتهت بإسقاط حكم الزعيم ونظامه الفاسد .
من وجهة نظر القوى الخارجية أن هذه المنطقة ترتبط بمصالح مشتركة معها وليس من السهولة بمكان التفريط بهذه المصالح ، أو إلغائها ، سواء بقى هذا النظام أو ذهب ، فألاولوية لهذه المصالح ، هذا هو المبدأ الذي تكرسه هذه القوى ، والذي عبر عنه السادس بقوله : (( في البداية اعلم بأن للعالم مصالح عندكم ويجب عليكم مراعاتها (( .
هذا المنطق لا يجد قبولاً عند الطرف الآخر – الثورة الشعبية  فالرجل يرى أن الثورة الشعبية كان من منجزاتها تحرير الشارع من العملاء والتابعين للقوى الخارجية ، وأنّ المصالح كانت مرتبطة مع نظام وليس مع وطن.
وهو ما عبّر عنه بقوله : (( إن مصالحكم قد ذهبت مع الزعيم الذي ذهب فلم يعد لكم عملاء هنا في شارعنا (( .
على خلفية هذين المنطقين المتصادمين : منطق استقلالية الثورة .ومنطق التبعية وفرض الوصايا والهيمنة .. يتصاعد الحوار الديالكتيكي بين الطرفين المتناقضين في صراع دراماتيكي متجدد بعد أن انتهى الصراع الأول : ) بين الطبقة الوسطى والنظام ( بسقوط النظام . وهي إشارة ذكية من الكاتب للإشارة على أنّ الصراع الحقيقي في الدراما ليس فقط بين المقهورين والمحبطين ورجال النظام الفاسد . بل بين كل الوطنيين الأحرار والقوى الخارجية الراعية والداعمة لصناعة الفساد وهو ما عبر عنه الرجل بقوله : (( كنتم تساعدون الزعيم السابق رغم علمكم بظلمه لنا .. ما لم تقله هو أنكم أنتم من وضع الزعيم السابق (( .
لذلك يرى الثوار أن مستقبلهم ومستقبل وطنهم رهن قبضتهم .ولن يستجيبوا لإغراءات القوى الخارجية ، لأنهم يرفضون الهيمنة على قراراتهم ومقدراتهم الوطنية . وهو ماعبرت عنه مجاميع الثورة بأصواتها الاحتجاجية المتداخلة : (( لا نريد مساعدة من أحد .. نحن نستطيع تدبير أمورنا بأنفسنا … نحن سندبر أمورنا دون مساعدة أحد .. يسقط العملاء ..يسقط العملاء … ارحلوا عن شارعنا .. ارحلوا .. ارحلوا .. لا نريد الاستماع ..لا نريد الاستماع (( .
في هذا المشهد يوظف الهاجري الجوقة توظيفاً فنياً وجمالياً عالياً ، بما يخدم فكرته الرئيسية للتعبير عن ضمير الثورة . فان كان الرجل هو الناطق الرسمي باسمها فان الجوقة هي الضمير الحي لهذه الثورة . وحينما تواجه السادس بمنطقها الثوري فإنما تعلن لهذه القوى عن قراراتها الجمعية ، وعن رؤيتها ، فلاأحد يمثلها في مثل هذه المواقف . لأنها بالضبط ثورة شعبية تمثل نفسها . فقد سئمت هذه الطبقة من الزمن الطويل الذي مضى في عهد الأنظمة الفاسدة ، والتي كانت فيه مستلبة الحقوق .
فالتوظيف الفني للجوقة هنا ، يأتي بغرض تعزيز أفكار الثورة الشعبية كما أن الكاتب يستغلها لتأكيد فكرته التي ستتبلور في الجزء الثاني من هذا المشهد والمشاهد التالية ، والتي تدور حول مفهوم : إن القوى الشعبية غير المنظمة تكون أكثر من غيرها عرضة للشرخ ، والإختراق ، والانكسار .وهو ماستؤول إليه الأحوال والنتائج فيما سيأتي من دراما . وبالتالي فان الكاتب يوظف النقائض المزدوجة في الجوقة لصالح فكرته برؤية جمالية تعكس عن مقدار ماوصل إليه من تطور في فن الكتابة الدرامية .
عبر التوظيف المتقن لشخصية السادس في الدراما ، تلعب القوى الخارجية على المتناقضات كافة في جانب الثورة الشعبية ، بغرض اختراقها ، وإحداث شروخات في صفوفها ، حتى يتسنى لها تحقيق مصالحها في المنطقة .. لذلك نراها لا تتورع بالإشارة السافرة الصريحة أو بالتلميح المكشوف إلى ملفات ساخنة وعالقة بين طوائف الشعب .. حيث ترقص عليها هذه القوى بمهارة عالية لتبيان مدى ما تتمتع به من قدرة تكتيكية يمكنها استخدامها وقتما شاءت فيه استخدامها دون غضاضة . فمن أبرز هذه الملفات يشير الهاجري في حواره المتصاعد :
1- موضوع الطائفية .
2- التعصب العقائدي .
3- الاستثمارات وسوء توزيع الدخل الوطني .
4- الفروقات الطبقية .
5- التناقضات الحزبية والأيديولوجية والكتل السياسية .
6- الديمقراطية والحرية .
7- . الثروات الوطنية .
حيال ذلك تتعدد مستويات الحوار بين الطرفين وفي كل مرة يكون دور ) السادس ( مهاجماً بشراسة مستنداً إلى قوته وخبرته وتكتيكاته في إدارة النزاعات ، في حين يتحول دور ) الرجل ( إلى مدافع فقط عن مكتسبات الثورة الشعبية :
الرجل : لقد صنعنا ثورتنا حتى نحقق العدالة في توزيع الثروة .. نحن قادرون على البدء من جديد وتحقق العدالة الاجتماعية بجهودنا الذاتية.
لا نحتاج إلى الكثير من الفطنة لمعرفة البعد الترميزي الذي يرمي إليه الهاجري في توظيفه لشخصية ) السادس ( فشيفراته ليست معقدة ولا منغلقة بل شفافة جداً ، إلى درجة تكاد تقترب من التصريح فهو يرمز إلى دولة القطب الواحد التي تفرض هيمنتها على كل شيء في العالم ، من منطلق ما تتمتع به من قوة طاغية ، وإمساك بمفاتيح المعرفة ، والسيطرة على أسرارها .
المناورة التكتيكية في محاورة السادس مع الرجل أساسها تسويق فكرة المصالح المتبادلة ، تلك الفكرة التي يتاجر فيها السادس طوال حضوره في النص المسرحي … وهي بالتأكيد تبدو لنا أكثر من دعابة ، كونها مصالح أحادية الاتجاه ، لاتخدم الا مصالح دولة السادس ذاته أي مصالح الدولة القطبية الواحدة .. وهو مايعكسه السادس بقوله بأسلوب الفرض والهيمنة والإملاءات .
السادس : يجب أن تعلموا جيداً أنّ للعالم مصالح عندكم .. وليس من السهولة التنازل  عن هذه المصالح .. أنتم لا تعيشون بمفردكم . العالم متشابك المصالح .. والمسألة بالنسبة إلينا مسألة حياة أو موت .. يجب أن تفهموا أيضاً بأنكم محتاجون لنا مثلما نحن محتاجون لكم .. العالم الآن هو قرية واحدة .. والاقتصاد العالمي أصبح متداخلاً جداً . إن إضراركم باستثماراتنا عندكم يعني إضراراً بالغاً في الاقتصاد العالمي .
لا يتورع السادس عن استخدام أسلوب العنف والإملاءات في الحوار ، ثقته الزائدة بنفسه تدفعه إلى التبجح أكثر فأكثر ليعلنها صراحة :
السادس : اعلم .. واعلموا جميعاً بأن مواردكم الطبيعية تمثل عصب الحياة بالنسبة إلينا .. مواردكم تعني طاقتنا ومصانعنا ..تعني أكلنا وأكلكم شربنا وشربكم .. وسائل النقل لنا ولكم …
ولأنّ لغة القوة هي التي تتحدث ، وهي التي تفرض سيطرتها على الأمور كافة فان السادس يضع النهاية بمعرفته وشروطه ، كيفما يحلو له رغم أنف الرجل ، وأنف الذين يقفون في الميدان مطالبين بثورة شعبية مستقلة :
السادس : بيننا وبينكم اتفاقيات طويلة الأمد ، والموضوع محسوم .. لا مجال للتفاوض.. اسمعوا جيداً : أما الالتزام بالاتفاقات أو الحرب .
إن المعالجة الدراماتيكية على هذا النحو في تصريحاته تارة وتلميحاته تارة أخرى تقودنا إلى التسليم برأي برهان غليون بأنّ )) الصراع الرئيسي الذي يدور اليوم ، والذي يحدد النجاح فيه الوضع الاجتماعي للجماعات ، أي موقعها الاستراتيجي ومواردها ومركزها المعنوي – هو السيطرة على موارد وشبكات الثورة التقنية والعلمية ، ومن خلالها ضمان القيادة العالمية والتحكم بالقرار الدولي ، ومن وراء ذلك تأمين فرص التفوق التقني والعلمي والاقتصادي ((.
إذا لا مجال للتحرر والاستقلالية والحرية للشعوب المستضعفة )) طالما بقيت قيم التوسع الاقتصادي هي التي تلهم هذه السياسات ، وليس إيجاد عالم أكثر إنسانية وانسجاماً وتضامناً ، لن يكون هناك أي أمل في أنْ توظف عوائد التوسع الاقتصادي العالمي لصالح الأغلبية من سكان العالم . ((
هذا ما تسعى إليه دولة القطب الواحد ، الاستحواذ والهيمنة على الاقتصاد العالمي ، وتجيير كل شي لصالحها . فقرار الرجل السادس هو في الأصل منظور الدولة القطبية الواحدة ، بل هو مشروع الدولة الكونية .
إنّ قرار الانصياع لإرادة الدولة القطبية أو الحرب ، وفق ما تقدمه المعالجة الدراماتيكية عند الهاجري ، هو في يقيني تصور واقعي ، حتى وإن يرى فيه البعض  وفق رؤاهم النقدية والسياسية – أنه يعكس شيئا من مبالغات ورؤية الكاتب .
ليس هناك ما يدعوا إلى التفاؤل من وراء الانغماس والذوبان والتماهي في ظل الدولة القطبية . فما أيسر عليها تبديل نظام بنظام ، أو وجه بوجه، أوحالة بحالة ، أو منظومة بمنظومة ، أو حتى أيديولوجية بأيديولوجية .
المهم في النهاية أن القادم الجديد سيكون الحارس الأمين على مصالح هذه الدولة كما كان سلفه الراحل أو المخلوع أو الطريد أو المقتول .. ليس حارساً نمطياً فحسب ، بل وفياً ، ووفياً جداً على مصالح الدولة القُطبية وعلى نمطيته من جانب ثان .
إذن هذه الدولة ، استناداً إلى قوتها تضع رجال الثورة أمام خيارين ، إمّا الاستسلام والتسليم للإملاءات والرغبات ، وإما الحرب فليس هناك خيار ثالث .
في إطار الصنعة الدرامية ، لم تكن هذه النتيجة وليدة أحداث المشهد الخامس .. فقد مهد لها الكاتب مبكراً ، وأشار إليها صراحة في المشهد الرابع . وذلك حينما نجح ) الرجل السادس( في خلخلة صفوف المجتمع الثوري مستخدماً تكتيكاته في فك تماسكه وترابطه عندما لعب أكثر من مرة على موضوع الطائفية ، ومهاجمة التيار الإسلامي ) باسم التزمت في المحافظة على العادات والتقاليد ( ، والتشكيك في مقدرة هذا التيار على صناعة دولة حديثة . وكذلك اللعب على إغراءات العلمانية التي بمقدورها أن تعطي كل ذي حق حقه في المجتمع ، وفق رؤية الرجل السادس ، 
وهي رؤية غير واقعية بالطبع  كما يجسدها الهاجري  قصيرة البصر والبصيرة . بل هي رؤية مُضللة لمن يسلم بها ويعتنقها ، ويصدقها ، ويتعامل معها .
أمام صراع الكُتل السياسية غير المتجانسة ، والتي ترفع راية الثورة والتغيير ، يوهم الرجل السادس أتباع الفكر العلماني ، ومدعي التحرر الفكري بأن الدين والمتدينين ما هما إلاّ عنصرا ضغط على المجتمع لسلبه مشروع الحرية ، وهو ما يعبر عنه بالقول :
السادس : لم تعودوا تنخدعوا بالشعارات الرنانة والكلام الاستهلاكي ..أو أي شيء من هذا القبيل .
الرجل : نحن لدينا عاداتنا وتقاليدنا وانتم تعادون هذه العادات والتقاليد ، ونحن متمسكون بها ولن نرضى التفاوض بشأنها. 
السادس : نحن لانعادي عاداتكم ولاتقاليدكم .. ولكن هناك من يأتي إلينا في ديارنا ليسبب المشاكل باسم عاداتكم وتقاليدكم..  كما أن البعض منكم يبالغ في استخدام هذه العادات والتقاليد ليضر بمصالحنا عندكم .
الرجل : أرأيت .. أنتم ضد عاداتنا وتقاليدنا ولا مجال للتفاهم معكم .. يجب عليكم احترام عاداتنا وتقاليدنا . ولايحق لكم مناقشتنا بشأنها بأي حال من الأحوال .
السادس : قلت لكم بأن منكم من يبالغ في استخدام عاداتكم وتقاليدكم ويضر بمصالحنا ويسبب لنا المشاكل .. أنا أعلم أنكم متضررون من المبالغة في العادات والتقاليد .. أليس كذلك ؟
مجموعة الفتيان والفتيات: نعم متضررون
السادس : ألستم تريدون الحرية .. ألن يحرمكم المتزمتون تجاه العادات والتقاليد من هذه الأمور .. أريد أن أعرف الآن .. إن كان هناك من يريد التمسك بالعادات والتقاليد المبالغ فيها ،بما تعنيه من كبت للحريات وتسلط في اتخاذ القرار .. وتهميش الرأي الآخر . فليعلن هذا ويتجه إلى الجهة الأخرى . ) يتجه إلى المجموعة التي لم تتحرك ( كنت أعرف بأن في الشارع أناساً تعي مصلحتها ولاتنخدع بالشعارات .. أنتم لديكم الوعي وتعرفون ماتعنية العادات والتقاليد .. سوف تصادر آراءكم باسم العادات والتقاليد .. وهناك من سوف يستغل هذه العادات والتقاليد لفرض تسلطه عليكم .
المجموعة التي لم تتحرك تهتف : حرية .. حرية
السادس: ( للرجل ( أرأيت بأن هناك أناساً بينكم لايرغبون بالتمسك بالعادات والتقاليد .
الرجل : انتبهوا .. هم يريدونكم أن تخرجوا عن عاداتكم وتقاليدكم لتكونوا تابعين لهم .
السادس : كفى .. هل انتم حقا جميعاً مشتركون بنفس العادات والتقاليد .. ألا يوجد هناك اختلاف بينكم فيها .. أليس التمسك بها يعني تسيد مجموعة من الناس على مجموعة أخرى .
تهتف المجموعة : حرية .. حرية .
على هذا النحو نجح الرجل السادس في تفكيك النسيج الاجتماعي واختراقه عبر إثارة الفتنة الطائفية ، واللعب على تشويه التيار الديني ، وصورة المتدينين ، وخلق فوضى اجتماعية وسياسية واقتصادية في صفوف الطبقة الوسطى من الثائرين على سادية السلطة القمعية .
من وجهة نظر الدراما الثورية عند الهاجري ، ما قام به الرجل السادس ليس الا حرباً معلنة على الأيديولوجيا باسم الحرية. متناسياً هذا السادس ) الذي يجسد الدولة الكونية في العالم ( بأن ديمقراطيات السوق الأمريكي والأسواق الغربية شريكة في جرم سحق الحريات الإنسانية في كثير من بقاع العالم . وهو ما أكده دوني دوكلو عالم الأنثروبولوجيا ومدير الأبحاث في المركز الوطني للأبحاث العلمية في دراسته : ) انهيار عالم المال .. كارثة نووية وانتفاضات عربية / الأزمات تعري السُلطة ( حيث قال : )) لم تعد إستراتيجية إرغام العالم قسرياً تشكل مادة صالحة لإيديولوجية معولمة إذ لم تعد تبدو كضرورة مؤسفة بل كشفت عن حقيقتها : إنها نمط حكم اعتباطي خطير ونهاب في خدمة ثلاثة أنماط من عوامل الهيمنة . وذلك على حساب حرية تحكم الفرد بعمله والتمتع بطبيعة حية من دون أذيتها ، والمشاركة من دون معوّقات في مجتمع البشر السياسي . وعند تقاطع الأزمات الثلاث ، التي تنم عن الضغوطات المفرطة نفسها من المال والتكنولوجيا والسلطة ، يأتي التطلع إلى رد ذي ) ثلاثة أبعاد تحريرية ( . تحرير العمل الإنساني بدءا ، حيث لن يطلب منه فقط إعادة مركزتة وتجميعه وتوجيهه لتحقيق أقصى حد من الأرباح ، بل إعادة تنويعه ضمن منطق أكبر قدر ممكن من الاستقلالية ، وتحرير الطبيعة ثانياً ، إذ لم يعد مقبولاً تحميلها ما ليس لها طاقة به أو تعذيبها من أجل تحقيق أكبر فائدة ، وثالثاً تحرير المشاركة الحُرة في الحياة السياسية لشعوب العالم . الذي يناقض في آن معاً هيمنة الأنظمة العسكرية ، وكذلك الفتاوى الترهيبية التي أصبحت أكثر عرضة للتنديد في العالم الإسلامي والانكفاء المعادي للأجانب الذي يلمس تفاقمه في الغرب ، مركز الليبرالية المُفترض . ((
في هذا المشهد ، وضمن إطار الحوار الديالكتيكي الذي جمع الرجل السادس بالثوريين والعلمانيين والليبراليين والثيوقراطيين ، لعب الرجل السادس بكل أوراقه السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والثقافية عبر جناحي الترغيب والترهيب من أجل احتواء الثورة ومنجزاتها  … فما أن يتعقّد الحوار بينه وبين خصومه حتى نراه يسارع بإلقاء واحدة من الأوراق المهمة في وجه الثوار . حينما يعلنها صراحة بأن القوى الخارجية قامت بدعم ثورة الطبقة الوسطى والبروليتاريا ، ما أتاح لها فرصة الانطلاق وبناء نفسها ومناوئة الأنظمة الحاكمة وبالتالي تمكينها من إسقاط سلطة الفساد والديكتاتورية .
يرفض الرجل / رمز الثورة الشعبية هذا الطرح ، غير أنّ الرجل السادس يؤكده له ، معلناً أن دعم الثورة واحدة من مهماته ومسؤولياته … وهي إشارة درامية تعني صراحة  من وجهة نظر الكاتب الهاجري – سقوط الثورة في شرك التبعية . وهو ما ينزع عنها الاستقلالية ، ويجعلها تدور في فلك الآخر .
السادس : اتركوا هذا الكلام … وهذه التكهنات ، ولنتكلم بالمهم . لقد ساندناكم في ثورتكم ، ونحن نعي مطالبكم الآن .
الرجل : لم تساندونا .. فالثورة ثورتنا لوحدنا .
السادس : لا يجب عليكم إنكار موقفنا المساند لكم في ثورتكم … لقد أعلنا موقفنا هذا بشكل واضح .. إنّ مساعدتكم هي من شأننا .
بشكل أو بآخر لا يخلو الحوار من نية تعريض الواقع السياسي للثورة الشعبية للنقد حتى وان جاء عند الهاجري سريعاً . ما جعله يعلن موقفه السياسي الواضح برفض أي مشروع ثوري عربي لا يتمتع بطابع الاستقلالية  .. وهو ما يعبر عنه بلسان الرجل : )) إذا كنت استطعت شق وحدتنا .. نحن قادرون على البدء من جديد وتحقيق العدالة الاجتماعية بجهودنا الذاتية (( .
وفق هذه الحوارية بما تشتمل عليه من مناكفة وتحدي وعناد بين الرجل والسادس بما يحملانه من دلالات ترميزية ، فان عبدالكريم الهاجري يرفض الوقوف على ضفة الحياد متفرجاً ، أو أن يكون مجرد شاهد على أحداثيات الثورة ، حتى لا يقع نصه الدرامي في بؤرة التوثيقية … لذلك نراه ، يصر على إعلان موقفه السياسي الرافض لتدخل القوى الخارجية في صياغة واقع ومستقبل الإنسان العربي … فإذا لم تحقق الثورة أهدافها فان الشعوب العربية التي أعلنت ثورتها على الفساد ستظل تدور في فلك الزمن الماضي دون تغيير يذكر فليس من أهداف الثورة الشعبية تغيير الوجوه ، بل تغيير السياسات والأفكار والاستراتيجيات .
الرجل : لقد أتوا إلينا ليحافظوا على الوضع السابق لا يخدعوكم نستطيع تدبير أمر مأكلنا ومشربنا بأنفسنا .. لذا أقول لكم : ارحلوا .
الثورة .. بعيون نقدية دراماتيكية
ما أن نصل إلى اللوحة السادسة حتى تكون نبرة النقد قد ازدادت حدتها عند الهاجري، غير أنها هذه المرة تأتي ممزوجة بالسخرية على الوضع الذي آل إليه حال الثورة …فالمجتمع انقسم طبقياً إلى معسكرين : معسكر الثيوقراطيين والمحافظين ، ومعسكر التحرريين الاستثماريين .. ولكل معسكر ناسه ورموزه وتوجهاته وأهدافه وتطلعاته .. ليس هذا فحسب ، بل صار كل معسكر نقيضاً وخصماً للآخر وهو ما يعني توسيع دائرة الفرقة والخلافات الاجتماعية بين أبناء المجتمع الواحد …
هذه الصورة المجتمعية تحفز الهاجري على كثير من النقد والسخرية والتهكم .. وهي سخرية لاذعة ، تكشف عن مرارة قاتلة في نفسه ، وفي نفس كل إنسان عربي مخلص غيور على وطنه العربي ، وعلى مجتمعه ومستقبله … لذلك نراه ، وكأنه يصوغ أسئلته الافتراضية في هذه اللوحة قوامه : أي ثورة هذه التي تبعث على القطيعة بين أبناء المجتمع الواحد ؟ وأي ثورة هذه التي ينتج عنها تصنيفاً طبقياً وفئوياً وشرائحياً حاداً ؟ ألم يكن من أهداف الثورة الشعبية ضد الأنظمة الفاسدة توحيد جميع أبناء المجتمع تحت راية وطنية واحدة ؟ 
المرأة : لقد أشتقت لجارتنا القديمة ، فقد كانت تجلس معي بالساعات وتساعدني في أعمال المنزل .
الابنة : ما أخبارها ؟
المرأة : لا أعلم يا ابنتي فمنذ انتقلت إلى القسم الآخر انقطعت الاتصالات معها رويداً رويداً .
الابنة : لماذا لم تبق معنا هنا ؟
المرأة : لقد اختارت هي وعائلتها الانتقال إلى قسم العادات والتقاليد .. فهي ترى بأن هذا الأمر أفضل من البقاء في قسم الاستثمارات .
الابنة : اعتقد أنها لو بقيت هنا لتمتعت بحرية أكبر من هناك…
المرأة : لكل إنسان قناعاته يا ابنتي .
الابنة : حاولي الاتصال بها لنعرف أحوالها .
المرأة : حاولت ولكن الاتصالات صعبة جداً مع القسم الآخر ..فالعلاقة بين قسمنا وقسمهم ليست جيدة … لذا فهم يصعبون الاتصالات علينا هناك …
هل نحتاج إلى سخرية وتهكم أكثر من ذلك ؟ فالوطن انقسم إلى كانتونات . ولم يعد بمقدور أبنائه التواصل فيما بينهم ، أو حتى خلق مساحة من الحوار .. فإذا كان ذلك على مستوى ربات البيوت من أبناء الطبقة الوسطى فما بالنا بالعاملين في الحقول : السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ..؟ فالفجوة إذاً في ازدياد ، والقطيعة في إتساع .
تأخذ هذه اللوحة في تصميمها الدراماتيكي البنية الجروتسكية ، التي تعتبر وفق رأي فالترهينك )) أحد الأشكال الأسلوبية المهيمنة في الفن الحديث (( . ويأتي الغرض من توظيفها درامياً عند الهاجري ، لتعميق روح النقد والسخرية والتهكم .. حيث يمثل ذلك )) منتهى الأسلبة وتجسيماً مفاجئاً ، لذلك فهو قادر على استيعاب قضايا العصر بل والحاضر بدون أن يكون عملاً موجهاً أو ربورتاجاً .. إن السخرية المتهكمة تمثل إحدى الإمكانيات الكبيرة لأن تكون دقيقاً (( . وفق تعبير دورنمات .
هذا الشكل من السخرية المُرة  التي لجأ إليها الهاجري في مسرحيته هذه  نجد صداها قد حضر بشكل فاعل في البنية الدرامية عند كلاً من دورنمات وبريخت . فالأول وجد فيها وسيلة لنقد وفهم العالم غير القابل للفهم ، )) فما يجعل العالم المعاصر يستعصى على التناول القائم على مجرد الوصف ، تستطيع السخرية المتهكمة أن تبرزه مُأسلبا ومعرضاً لأضواء بالغة الحدة (( … أما الثاني بريخت فقد )) استخدم السخرية التهكمية كإحدى رسائل التغريب … في نفس الوقت رحب بريشت بالكوميديا وبالسخرية التهكمية كوسيلة للفضح الطبقي (( .
يستفيد الهاجري  تماما  من هذا الشكل الجروتسكي ، لتعرية الوضع الطبقي الجديد الناشئ عن الثورة . فالسخرية المتهكمة لا تأتي هنا في مفهومها الخيالي أو الرومانتيكي ، وإنما بقصد خلق الابتعاد ، أو استيعاب المشاكل المعاصرة )) ولكن بما أنّ على المسرحية الساخرة أن تجرّ المادة الواقعية الموجودة إلى الوضوح ، أي أن تعيد تشكيلها وأن تشوهها ، فإنّ إعادة التشكيل هذه تحتاج إلى وسيلة ضابطة يسميها دورنمات ) المفارقة / بارادوكس (. فمن خلال المفارقة يتم تغيير الواقع والارتقاء به إلى ما هو ساخر متهكم . وهكذا تعيش مسرحيات أريستوفانيس الكوميدية من المفارقة .إنها مفارقات تسقط على الواقع كالقذائف … التي تحفر فيه أخدوداً فتحوله إلى شيء مضحك . فهذه الكوميديات تمثل عمليات جراحية تجري للواقع . ((
في سياق الترتيب المشهدي للمسرحية فإن الهاجري في المشهد السادس وعبر قنطرة النقد والسخرية التهكمية اللاذعة يعيدنا إلى نقطة البداية  المشهد الأول  لنقيس الأمور في ظل الثورة الشعبية متسائلين : ترى ما الذي تغير ؟ وما الذي نتج عن الثورة ؟
إذن . عودة على بدء ، في سؤال محوري مركزي ، يصوغ إجابته بصورة استباقية افتراضية محتملة ، وليست خيالية . بل إجابة تستمد حضورها من المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي القائم على أرض الواقع ..
برؤية الكاتب المسكون بهموم وقضايا وطنه العربي ، يلتقط هذه المشهديات ويبنيها بناء جروتسكياً ، ليثير في ذهنيه المتلقي عدداً غير قليل من الأسئلة المحركة ، والمحرضة على تغيير الواقع ، كما يفعل بريخت تماماً .
فبعد انقضاء فترة على اندلاع الثورة ، نعود ثانية إلى عوالم الطبقة الوسطى وعوالم البروليتاريا ، لنكتشف أن كل شيء ظل  ستاتيكياً  على حاله ، دون تغيير يُذكر . وكأن الثورة الشعبية لم تقم ، أو بمعنى أدق : لم تحقق أهدافها الايجابية وفق المبادئ التي انطلقت من أجلها .. وهذه بعض الصور :
1- تكشف السينوجرافيا المشهدية بعدسة بصرية مكبّرة عن ثبات الحال الذي كان قائما قبل الثورة )) نفس الصالة المتواضعة في المشهد الأول ((بمعنى أنّ الطبقة الوسطى مازالت على وضعها دون تغيير وأن أفقها الاجتماعي والاقتصادي لم يطرأ عليه أي تغيير .
2- الميزانسين المسرحي أيضا بصورته المرئية يعيد نفسه مرة ثانية )) تجلس المرأة وابنتها على الطاولة تقطعان الخضار (( … حيث حلت الابنه مكان الجارة للإشارة فقط إلى الفجوة الاجتماعية والتصنيف الطبقي والشرائحي الذي أحدثته الثورة في النسيج الاجتماعي للطبقة الوسطى . إذا ، المسألة هنا  تغيير وجوه وليس تغيير أفعال، ومفاهيم .
3- لا تزال البطالة  كما هي  متفشية في أوساط المتعلمين ، دون تغيير يذكر . ما يدل على أن الثورة لم تحل الإشكاليات التي اندلعت من أجلها في الأصل .
أ‌- الابن لا يزال عاطلا عن العمل .
ب‌- الابنة تخرجت في الجامعة وانضمت إلى قوائم العاطلين عن العمل .. فالأرقام في ازدياد .
ج-   الأب لا يزال يكدح صباحاً مساءً من أجل توفير لقمة العيش لأسرته .
المرأة : أخبريني ما فعلتي بشأن العمل ؟
الابنة : لقد قدمت على القوى العاملة ، وقالوا لي بأنّ عليَّ الانتظار لبعض الوقت حتى يجدوا لي مكاناً
المرأة : ألم تقدمي على الاستثمارت ؟
الابنة : قدمت وقالوا لي أيضاً بأن عليّ الانتظار .
المرأة : وأخوك ماذا فعل ؟
الابنة : فعل نفس الشيء ؟
4- في ظل الثورة الشعبية ومنجزاتها لم يطرأ أي تغيير على اقتصاديات الطبقة الوسطى وما دونها .. حيث ظل وضعها الاقتصادي والحياتي ثابتاً دون تحسن يذكر.
الابنة : ماذا سوف تعدين لنا اليوم على الغداء يا أُمِّي ؟
المرأة : مرقه خضار
الابنة : آه .. أجل .. مرقه خضار .. حسناً .
ألا تثير هذه الصورة نزعة السخرية التهكمية ، والنقد اللاذع من الثورة ؟ فإذا بقى الوضع على ما هو عليه فلماذا قامت إذن ؟ وماذا استفاد شبابها ؟ وماذا استفادت الطبقة التي تحملت تكاليف اندلاع الثورة ؟
في خضم هذه الرتابة يؤكد الهاجري على أنّ الثورة الشعبية بشكلها القائم على أرض الواقع قد خلقت لأبناء الطبقة الوسطى رتابة جديدة تضاف إلى الرتابة السابقة ، لتزداد هنا حدة السخرية والتهكم والنقد ، وبالتالي إثارة الأسئلة الموضوعية ، تجاه الثورة ، ورجال الثورة ، وأدوات الثورة .
المرأة : لا أعرف ما هي آخرتها مع هذه الاحتجاجات .. دائماً هناك احتجاجات .. أرجوا ألا تخرجي أنت أيضاً إذا حدثت ما تسمّونها بالاحتجاجات هذه .
الابنة : سوف أخرج بالطبع
المرأة : ألا تقولين لي متى ينتهي موضوع احتجاجاتكم هذا ؟
الابنة : إنّ الاحتجاجات هذه ضرورية لإصلاح أي اعوجاج نراه يمارس علينا .. فنحن الشباب لنا مطالب يجب الالتفات إليها .. ولا يجب السكوت عن أي خلل بعد اليوم .
وهكذا يصبح موضوع الاحتجاجات المتكرر يومياً ، موضوعاً مثيراً للنقد والسخرية والتهكم . فما قيمته إن لم يُغير من واقع حال المتظاهرين وا تُحلمجين ؟ فها هو الابن من المنزل إلى المقهى ، إلى المشاركة بالاحتجاجات .وكذلك الابنة من المنزل إلى مواقع طلب العمل ، إلى المشاركة بالاحتجاجات .. حركة دائرية تكشف عن واقع اجتماعي وسياسي واقتصادي يزداد سوءاً على ما كان عليه قبل الثورة .
المرأة : آه من هذا المقهى .. كلّما سألته إلى أين أنت ذاهب ؟ أجابني إلى المقهى .. وإن سألته من أين أنت قادم ؟ أجابني .. من المقهى .. أرجو ألاّ يتأخر اليوم .
الابنة : لن يتأخر .. إلا إذا كانت هناك اليوم احتجاجات . ) أصوات احتجاجات في الخارج ( عن أذنك يا أمي فأنا ذاهبة .
يبدو أن هذا الروتين اليومي للاحتجاجات قد فرّغها من محتواها النضالي فصارت مهنة أساسية لمن ليست له مهنة . فهذه الابنة تخرج من منزلها للمشاركة فيها  وفق دوافع الروتين ، دون التحقق عمّا إذا كانت الاحتجاجات تتفق في الأصل مع رؤاها ومطالبها . وعمّا إذا كانت تعبر عنها وعن طبقتها ، … فالخروج هنا صار تلقائياً روتينياً ، بحكم العادة المتكررة .. وهو بهذا الشكل الجروتسكي يثير عند الكاتب نزعة النقد والسخرية التهكمية ، كما يثير في نفسية المتلقي الكثير من الأسئلة .
الدراما الثورية .. وذروة البارادوكس
وفي اللوحة الختامية نصل إلى أعلى درجة من البارادوكس ، والى أعلى درجة من النقد اللاذع والسخرية المتهكمة من الثورة الشعبية التي أبقت الوضع على ما هو عليه ، كما كان قبل اندلاعها . فلا شيء حقاً قد تغير …اللهم إلا :
1- وجوه النظام ورموزه تمّ استبدالهم بوجوه أخرى .
2- ازدياد الفجوة الاجتماعية واتساع الفُرقة بين الطبقات .
3- ظهور تصنيفات طبقية . اجتماعية ، وشرائحية ، وتيارات مذهبية وأيديولوجية جديدة …
4- التأكيد على أنّ الثورات المخيبة للآمال ، الساكنة تجاه قضايا شعوبها ما هي إلاّ نتاج التبعية للغير .
5- ازدياد معدلات البطالة في المجتمع .
6- ثبات البيروقراطية كأيقونة في مجتمعات العالم الثالث .
7- تحوّل الاحتجاجات إلى فعل يومي لتفريغ شحنات الكبت والقهر والعجز والغضب .
8- استمرار غياب العدالة الاجتماعية .
9- استمرار سوء الأوضاع الاقتصادية .
10- ظل مشروع الحرية يراوح مكانه مجرد حلم قادم ، وقد لا يأتي .
11- استمرار السؤال المركزي المطروح : ما السبيل إلى ثورة تغير كل شيء تغييراً جذرياً ؟
12- استمرار هيمنة القوى الخارجية على الأوضاع الداخلية وعلى المقدّرات الوطنية .
 
في هذا المشهد الذي لا يستمر أكثر من ثوان معدودة يتقدم أحد رجال القوى الخارجية ليواجه الجمهور ، مُلقياً على أسماعهم جملة توقعية ، تؤكد أنّ الوضع باق على ما هو عليه ، وأنه تحت السيطرة كما تريد هذه القوى وفق مصالحها ، وأن لا شيء قد تغير .. 
الرجل : أيها السادة .. يسعدني أن أعلن لكم .. بأن كل شيء على ما يرام .
على هذه النحو تكتمل دراما رياح التغيير ، بعد أن أشبع المؤلف فكرته مناقشة وعرضاً من زوايا مختلفة .. حيث حقق فيها ما يريد إيصاله للملتقى حول أبعاد الثورات الشعبية في الوطن العربي . لتكون بذلك أول نص مسرحي كويتيّ  وربما خليجي  يتصدى درامياً لهذه الثورات .
من المتوقع أن يفتح هذا النص وهذه الرؤية الجدلية الطريق إمام كتابات مسرحية كويتية أخرى لها علاقة بموضوع الثورات الشعبية الدائرة في عدد من المواقع في الوطن العربي .. كونها تعد قضية جيل بأكمله ، بدأ يبحث عن مستقبله في إطار وعيه المتقدم للحرية ، والديمقراطية ، والعدالة الاجتماعية ، ومحاربة الفساد .
ما يحسب للهاجري روح تلك المبادرة في التعاطي مع شأن قومي رأى أنه يمسه ويمس همومه وقضاياه بوصفه مواطناً عربياً أولاً وأخيراً .
صحيح أن الرؤية النصية للكاتب بدأت وانتهت عبرة قاطرة طويلة من التشاؤم ، وللكاتب هنا ما يبرر وجهة نظره ، غير أنه بالإمكان قراءة الأحداث قراءة منزوعة التشاؤم . فالدراما دوماً ، وهي تجدد ذاتها تبعث على الأمل ، وتنشر في داخلنا هذا الوميض الذي يبشر بغدٍ أفضل .. لأن وظيفتها المركزية : السعي الجاد نحو التغيير ونحو إعادة الاكتشاف. ألم يقل بريخت في الأورجانون الصغير بأن )) للمسرح الحرية في أن يجد المتعة في التعليم والبحث . وله أن يبني تمثيلاته الاجتماعية الصالحة والتي تصبح في موقف يسمح لها بالتأثير على المجتمع يبنيها كلية في صورة لعبة ، وله أن يقدم لأولئك الذين يبنون المجتمع خبرات هذا المجتمع ، حاضرها وماضيها على السواء ، بصورة يُقدّر فيها النظارة العواطف ولمحات الإدراك والدوافع التي يبلورها من أحداث اليوم أو القرن ، أحكمنا وأنشطنا وأكثرنا عاطفة ، وعلينا أن نمتع النظارة بالحكمة التي تنشأ عن حل المشكلات، بالسخط الذي هو التعبير عن التعاطف مع الضحايا ، بالاحترام الواجب نحو من يحترمون الإنسانية أو نحو كل الرحماء بالإنسانية ، وباختصار بكل ما يسعد من يتنجون .. وهذا يعني أيضاً أن المسرح يمكن أن يوفر للنظارة متعة ناشئة عن أخلاقيات العصر الذي يعيشون فيه بالذات ، والتي تنشأ عن الإنتاجية ، وأن مسرحاً يحوّل الموقف الانتقادي ) التغييري إن جاز هذا التعبير ( أي منهجنا الإنتاجي  يحوّل هذا الموقف إلى متعة ، لن يجد شيئاً يتحتم عليه تغييره في مجال الأخلاق كما سوف يجد باستطاعته عمل أشياء كثيرة ، 
بل أن الأشياء المعادية للمجتمع يمكن أن تصبح مصدراً لمتعة المجتمع طالما قدمت بصورة ناجحة واتخذت أبعاداً كبيرة .. إننا نحتاج نوعاً من المسرح يطلق لا المشاعر أو ومضات الإدراك أو الدوافع الممكنة بداخل مجال الإطار التاريخي الخاص بالعلاقات البشرية التي تدور فيها الأحداث فحسب ، بل مسرحاً يستخدم ويشجع الأفكار والمشاعر التي تساعد على تغيير المجال نفسه (( .
 

الهوامش
1. قيس الزبيدي، مسرح التغيير/ مقالات في منهج بريشت الفني، دار ابن رشد، بيروت، 1978م، ص5.
2. المرجع نفسه، ص83، 84.
3. المرجع نفسه، ص85، 86.
4. المرجع نفسه، ص78.
5. المرجع نفسه، ص77.
6. المرجع نفسه، ص136.
7. جلال العشري، سقوط الاقنعة في مسرحنا المعاصر، مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر، القاهرة، 1987م، ص 47، 48.
8. المرجع نفسه، ص53.
9. المرجع نفسه، ص160.
10. المرجع نفسه، ص145.
11. المرجع نفسه، ص145.
12. المرجع نفسه، ص152.
13. المرجع نفسه، ص3،5،6.
14. فؤاد دواره، تخريب المسرح المصري في السبعينات والثمانينات، سلسلة كتاب الهلال، ع/460، دار الهلال، القاهرة، ص7، 8.
15. فؤاد دواره، اطلالات على المسرح العربي خارج مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997م، ص 307، 318.
16. المرجع نفسه، ص307.
17. المرجع نفسه، ص309، 318، 319.
18. جلال العشري، المرج السابق، ص47.
19. فؤاد دواره، اطلالات على المسرح العربي خارج مصر، المرجع السابق، ص 310، 311، 312.
20. فريدريك جيمسون، التحول الثقافي/ كتابات مختارة فيما بعد الحداثة (1983 – 1998)، تر: محمد الجندي، سلسلة دراسات نقدية، رقم 2، أكاديمية الفنون/ وحدة الاصدارات، القاهرة، 2000م، ص 37.
21. المرجع نفسه، ص37.
قائمة المراجع
1- عبدالكريم الهاجري، نص مسرحية رياح التغيير، مخطوطة.
2- عبدالكريم الهاجري، نص مسرحية الدور 11، ط1، المسرح الشعبي، الكويت، ديسمبر 2007م.
3- الدكتور نادر القنّة، نحو ميلاد كاتب مسرحي كويتي جديد، مقدمة مسرحية الدور 11، ط1، المسرح الشعبي، ديسمبر 2007م.
4- دوني دوكلو، الأزمات تعري السلطة، مجلة لوموند ديبلوماتيك، العدد السابع، السنة الخامسة، جريدة القبس، الكويت، 2011م.
5- سمير العطية، الثورة وأزمتها، مجلة لوموند ديبلوماتيك، العدد السابع، السنة الخامسة، جريدة القبس، الكويت، 2011.
6- فالترهينك، الدراما الحديثة في ألمانيا، ترجمة: عبده عبود، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1983م.
7- فريدريك أوين، برتولت بريخت / حياته، فنه، وعصره، ترجمة: إبراهيم العريس، ط1، دار ابن خلدون، بيروت/ 1981م.
8- هـ. ف. جارتن، الدراما الألمانية الحديثة، ترجمة: وجيه سمعان، سلسلة الألف كتاب، رقم 582، مركز كتب الشرق الأوسط، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الإجتماعية، القاهرة، 1966م.
9- روبرت بروستاين، المسرح الثوري، ترجمة: عبدالحليم البشلاوي، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، (د.ت).
10- برتولد بريخت، الأورجانون الصغير، ترجمة: فاروق عبدالوهاب، سلسلة مكتبة المسرح، رقم 18، مركز الشارقة للإبداع الفكري، دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة، دولة الإمارات العربية المتحدة، (د.ت).
11- الدكتور نادر القنّة، الخطاب الثقافي المسرحي مشاركة حوارية وطنية وصحوة إبداعية تنويرية، مجلة الكويت، العدد 321، يوليو 2010م، وزارة الإعلام، الكويت 2010م.
12- الدكتور نادر القنّة، التمرد في المسرح… عاصفة ما قبل الثورة، جريدة الفنون، العدد 109، يناير 2010م، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2010م.
13- الدكتور نادر القنّة، صعود وانهيار قومنة المسرح العربي، جريدة فنون، العدد 119، أغسطس 2011، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2011م.
14- الدكتور نادر القنّة، الموروث في المسرح المغاربي بين الأنساق الأيديولوجية والتنظيرات الهرمنيوتيكية من منظور مشارقي / توظيف التراث في المسرح المغاربي، وقائع الملتقى العلمي للمهرجان الوطني للمسرح المحترف، وزارة الثقافة، الجزائر، 2010م.
15- الدكتور عوني كرومي، الخطاب المسرحي، السلسلة المسرحية / الدراسات، ط1، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2004م.
16- الدكتور طلعت شاهين، جماليات الرفض في مسرح أمريكا اللاتينية، السلسلة المسرحية / الدراسات، ط، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2003م.
17- ج. ل. ستيان، الدراما الحديثة بين النظرية والتطبيق، ترجمة: محمد جمول، سلسلة دراسات نقدية عالمية، رقم 28، وزارة الثقافة، دمشق، 1995م.
18- اريك بنتلي، الحياة في الدراما، ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا، مؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر، المكتبة العصرية، بيروت / نيويورك، 1968م.
19- الدكتور عبدالغفار مكاوي، علامات على طريق المسرح التعبيري، سلسلة دراسات أدبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1984م.
20- الدكتور نادر القنّة، المسرح والديمقراطية، مخطوطة. بحث تمَّ تقديمه للندوة الفكرية في مهرجان الكويت المسرحي لدورة العام 2008م.

————————————————————-

المصدر : مجلة الفنون المسرحية

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.