مؤدي الكلاونينغ في مسرح "ليسيدي" - عرض "أولد سكول" - روسيا )

مسرح الكلاونينغ: الطقوسية الشرقية كما يراها الغرب (الجزء الأول). أمير فريك #روسيا

(النوعية الأدائية التي حُرمت من المسارح فصنعت السرك ..)

“في داخل كل شخص منا كلاون نائم” .. هو أنت الساكن والخامد أو هو جانبك من الأنت الذي إختار السبات عن طواعية وإقتناع، قد يكون كهفه المظلم في مكان ما في نفسيتك، في عقلك، في لاوعيك الداخلي. هو المستسلم الهادئ، إلى أن تستشعر بصيرتك معابد الزهد التي يلازمها في يوم من الأيام، وهو المستمتع بغفوته إلى أن يتسلل نور تفكيرك إلى جفنيه، فيتخطاه ويهرب منه، حتى وإن أَصَرَّ آناك وتحداه، وراهنت عزيمتك على صحوته، فلن يستجيب .. بكل بساطة لن يوقظه فيك إلا رنين النشوة المفرطة أو الحزن الشديد، ربما الإثارة أو الإستثارة أو قد يكون ذلك الإحباط القاسي الذي يصنع من النهايات بدايات جديدة.

يربط الكثير من عامة الناس صورة الكلاون بذلك المؤدي صاحب القناع أو الميك آب الفني الذي يتمازج بشكل ملفت بين اللون الأحمر والأبيض عادةً، مع لمسة الأنف المتورم والكروي الشكل غالباً. لكن الحقيقة لها وجهة نظر أخرى بالنسبة للمحترفين، فالقناع المكياجي الفني هو الوجه الحقيقي الذي سوف يعوض ملامح الوجه الكاذبة خلال لحظات الأداء تلك، لأن حقيقتنا الداخلية تُطبع وتُرسم على صورتنا الظاهرية حسب الفلسفة والمفاهيم الأدائية في ذلك التخصص المستقل بذاته.

تاريخياً، يعرّف الكلاونينغ في الجانب الغربي من العالم على أنه الأداء المنافي للخجل والقادم من عوالم السرك، تحديداً من فنون ركوب الخيل والألعاب الشعبية، التي عرفتها إنجلترا في القرن الثامن عشر. أما عن الكلاون فهو تلك الشخصية كثيرة الألوان والتي تتقن الكثير من فنون الأداء معاً وفي وقت واحد، بداية من خلق الموقف الكوميدي، إلى تقنيات الجاڤلين وألعاب الخفة، إضافة إلى الأداء الجسدي والأكروباتي .. بإختصار العبارة، الكلاون هو ذلك المؤدي الذي يجاهر بتعدد إختصاصاته حتى يكون ملفتاً ومقنعاً في مساحات الأداء التنافسية. (ولكن كيف يتم ذلك؟) .. طبعاً وحتى يتم معالجة هذا الجانب من الموضوع، وجب إعادة طرح هذه الإشكالية الكلاسيكية في سياقها الجديد. من خلال تجديد تركيبة وصيغة السؤال: “كيف يمكن للممثل أن يكون مقنعاً على الخشبة؟.” .. وبالتالي تحليل مراحل وتدريبات الممثل إنطلاقاً من الستانيسلافسكية في الأداء الواقعي العام، وصولاً إلى السوزوكية كتدريب إثني خاص، بالإضافة إلى كل ما ظهر بينهما وما بعدهما من تكنيكات وإجتهادات فردية لبعض المخرجين والمكونين المسرحيين، وحصر الأهداف الرئيسية والمنتظرة من تفكيك الإشكالية في دراسة تقنيات وأدوات الأداء المتاحة للكلاونينغ المعاصر. ومن ثم، إعادة إكتشاف كيفية عمل تلك المقومات المتخذة على أساس أنها تكنيكات الأداء الرئيسية في هذا النوع من الأداء بمتطلبات وشروط مسرح القرن الواحد والعشرين.

في نصف القرن الماضي، مرّ فن الكلاونينغ بتحولات جذرية.  منذ أن أسس جاك لوكوك (Jacques Lecoq) مدرسته الدولية للمسرح (L’École Internationale de Théâtre) في باريس في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، حيث أصبح البحث عن الكلاون الساكن والخامد وإكتشاف أدواته، مرحلة جد مهمة بالنسبة لفناني الأداء بصفة عامة. وقد أُختزلت القاعدة الفعّالة لتحقيق ذلك في مقولة: “سوف يتم إكتشاف الكلاون الساكن فيك عندما تتقبل (بصفتك مؤدي) لحظات فشلك أمام الجمهور، حينها سوف تظهر شخصية الكلاون الخاصة بك في ردود أفعالك، وفي ذلك الموقف فقط ينجح المؤدي في إستثارة ضحك أو عطف الجمهور”. عملياً، إتخذ ممارسوا الكلاونينغ المعاصر هذا المبدأ الأساسي وطوروه في مجموعة متنوعة من الإتجاهات، فبعضهم بحث عن الحقيقة الروحية من خلال شخصية الكلاون الشامان، والبعض الآخر كشف عن الجزء الناقد بشكل ساخر في شخصية الكلاون العابث، وآخرون سعوا إلى إكتشاف الذات من خلال الكلاون المتأمل، بينما وظفها البقية في الكاريكاتير السياسي أو الكلاونينغ التحليلي الناقد، كما ظهرت تركيبة الكلاون شو أيضاً، وهو النشاط الفني من أجل المقابل المالي الآني، كالذين يزاولون فن الشارع أو ما يعرف بـ “الستريت آرت” (Street Art). ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة وحلقة ناقصة بين عالم الكلاونينغ والعالم المسرحي بشكل عام، رغم أن الكثير من مؤدي الكلاونينغ غامروا في المنطقة المسرحية التقليدية، مثل النص، أو السرد الطويل، أو الموضوعات “الجادة”، مما جعل العملية تتأرجح بين المسرح والكلاونينغ دون الجمع الحقيقي بين هذين التخصصين المنفصلين. وبالتالي، لم يعرف المسرح السائد سوى القليل عن الإكتشافات التي قام بها الكلاونينغ، خاصة من ناحية تدريب الممثلين المختصين في هذه النوعية. بالإضافة إلى ذلك، لم يشارك مؤدي الكلاونينغ حتى الآن في نشر تقنياتهم أو التفكير في تدوينها أكاديمياً أو علمياً حتى يتم تقويمها لتتوافق مع متطلبات الخشبة. كما تجنب المسرحيون والنقاد من جهة أخرى، إظهار الإهتمام بهذا النوع الأدائي في العديد من التجارب المقترنة بعوالم المسرح إن لم يكن كلها. على العموم، سيبقى الكلاونينيغ نوعية أدائية مستقلة لا تنتمي للتجريب حتى وإن تم إقحامها وفرضها على مفهوم مسرحي معين .. ولنا في تجارب جيمس ثيري (James Thiérrée) حفيد الممثل الصامت الأول تشارلي تشابلن (Charli Chaplin)، في المسرح الفانتازي مثال حيّ وفعّال .. حيث عمد على تطوير فنون الكلاونينغ والأداء الصامت في عروض غنية بالديزاين المبهر مما حقق إستقلالية صارخة لنوعية المسرح الذي ينجزه دون فرضه على خانة التجريب .. وحتى تتضح الصورة أكثر حول إستقلالية هذه النوعية بذاتها حتى ولو إرتبطت بالمسرح، وجب الرجوع إلى تاريخ الكلاونينغ إنطلاقاً من الطقوسية الشرقية كمصدر تاريخي لظهور أثار أداء الكلاونينغ البدائي الأول.

(صورة 2: المؤدي والمخرج جيمس ثيري في عرض “الضفدع كان على حق” )

“هو روح إلهية، تسعد وتبهج القلب” ..

وردت هذه الكلمات في كتب التاريخ المصري القديم، وهي منسوبة لفرعون مصري يبلغ من العمر تسع سنوات، والذي بشر بأول ظهور مسجل للكلاون تاريخياً، وكان ذلك حوالي عام 2270 قبل الميلاد. كما ورد في بعض الأبحاث قبل 5000 عام تقريباً، خلال فترة حكم الأسرة الخامسة في مصر القديمة، أن الفرعون “جد كا رع أسيس” قام بشراء راقص قزم كان إسمه “دانغا”، وقد كان قريب في مواصفاته من مواصفات الكلاون على حسب الإعتقاد. وطبعاً ليس بالأمر المُتَعَذِّر على أي باحث مسرحي أن يتحقق من تواجد الروح الكوميدية للأداء الكلاوني في كل الثقافات الشرقية المعروفة عبر التاريخ تقريباً (إنطلاقاً من اليابان، الصين، الهند، والعراق القديمة). فالظاهرة مرتبطة بتواجد الحضارات، لأنها واحدة من أقدم الحرف التي إرتبطت إرتباطاً وثيقاً بحياتنا الإنسانية. حيث إرتبط الكلاون في الصين القديمة مثلاً، بالبلاط الإمبراطوري منذ عهد سلالة “جو” (the Zhou Dynasty) منذ 1046 إلى غاية 256 قبل الميلاد. كما يمكن إرجاع التقليد الغربي لفن الكلاونينغ إلى اليونان القديمة أيضاً، حيث شوهد فنانو الشوارع المتجولون في ضواحي “أسبرطة” في وقت مبكر من القرن السابع قبل الميلاد، وكانوا يلقبون بـ “ديكليكتاس” (deikeliktas) أو “أولئك الذين يعرضون المسرحيات”. أين أعاد هؤلاء الفنانون تصوير شخصيات المجتمع من حولهم بشكل ساخر: مثل الجنود والمعاتيه والسحرة إلى العبيد والآلهة اليونانية. وتعتبر هذه الظاهرة من أقدم المسائل المطروحة والمعروفة منذ 2400 سنة قبل الميلاد، حيث وجدت رسومات دلالية لأشخاص ذوي وجوه غروتسكية في وضعيات جسدية أكروباتيكية، تدل على حركات بهلوانية وتوازنية، على طول حضارة نهر النيل واليونان، كإشارة لهؤلاء الأشخاص الذين كانوا يرتدون لوازم الأداء من الملابس المبطنة والأقنعة الخشبية وبقايا رؤوس الحيوانات .. كما كان لروما القديمة عدة أنواع من مؤدي الكلاونينغ أيضاً، وكان أشهرهم نوعية معروفة بإسم “سانيو” (Sannio)، والذين تخصصوا في أداء نوع شائع من تمثيل “المايم” الصامت (mime)، دون الإستعانة بأي قناع، وقد تميزوا بإحترافية كبيرة في التحكم بتعابير الوجه والجسد في ذلك الوقت.

خلال العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة، إستمر فن الكلاونينغ في الظهور والنشاط ولكن داخل القصور والمملكات هذه المرة، وتمثلت وظيفة الكلاون وقتها في تسلية ونقد النبلاء. كما لعب مؤدي الكلاونينغ دوراً مهماً في الثقافة السياسية والإجتماعية في أوروبا، وذلك من خلال توظيفهم كوسطاء يعبرون وينقلون نبض الشارع ومدى صحوة الضمير الإجتماعي إلى القصر. حيث خُوّل لهم ما لا يحق لغيرهم في إبداء الرأي والرّد على الملوك والأساقفة وكل من في السلطة. بتوجيه النقد الساخر لأي مسؤول في السلطة وتسليط الضوء على العيوب الناتجة عن العادات الإجتماعية السلبية، بل وأكثر من ذلك، فقد كان أداء الكلاونينغ من أسباب نشر الوعي بين الطبقات الدنيا ومن المحفزات والدوافع الرئسية المؤدية إلى المطالبة بالتغييرات الإجتماعية أيضاً. كما أعتبرت تلك الفترة، مرحلة بداية ظهور الأزياء الملونة المماثلة لأداء الكلاونينغ اليوم. وقد إتخذ بعض المتخصصين في ذلك الفن زياً مميزاً من المعاطف ذات اللون الأخضر الفاتح واللافت للعيون. مع أنف مخروطي الشكل، وقبعة مغطاة ذات ثلاث ألوان، تعلوها أجراس صغيرة مصممة خصيصاً للرنين كلما تحرك مرتديها. وبالرغم من أن العديد من فناني الكلاونينغ كانوا ينتمون إلى فئة مؤدي البلاط وقتها، إلا أن الغالبية العظمى منهم زاولوا نشاطهم الفني في الشوارع. وكانوا بارعين ومميزين جداً بباقة جد متنوعة من المهارات، مثل ألعاب السحر، حركات المرونة، الجاڤلين، والألعاب البهلوانية والأكروباتيكية، فن رواية القصة، وعروض الدمى والعرائس، المشي على الحبل المشدود، عرض الحيوانات المدربة، الغناء القصصي، والحوارات الإرتجالية.

أصل التسمية ..

تعددت الألقاب والأسماء التي أطلقت على ممارس الكلاونينغ من أمثال: “مايم mime” و “مينسترال minstrel”، “فول fool”، “جاستر  jester”، “دزاني  Zany”. وكلها في مجملها ليست سوى عدد قليل من المرادفات التاريخية لكلمة “كلاون”. ولم يظهر اللفظ المقابل بالإنجليزي (Clown)، والمستخدم إلى يومنا هذا إلا في القرن السادس عشر. ومصدر كلمة “كلاون” (Clown) في الأصل “كلود” (Clod) وغالباً ما كان يستخدم هذا اللفظ للدلالة على شخص مشتت الذهن والتركيز في الأرياف والقرى العميقة. وقد أتخذت الكثير من تصرفات أشخاص بعينهم في الريف كمصدر إلهام لبعض الممثلين والمقلدين. حتى تم منادات تلك النوعية من الممثلين والمقلدين بـ “الكلاونز” (clowns). وأياً كان المصطلح المطبق والمختار للإشارة لتلك النوعية من الأداء، فقد شهدت العصور الوسطى تطور قدرات الكلاون على إتقان العديد من البراعات الغير عادية مع إضفاء لمسة جريئة وكوميدية في نفس الوقت، وهو ما جعل فنان الكلاون يفتك مكانة في عروض السرك في ما بعد. ولكن قبل ذلك، حلت فترة الأزمة الكبرى في تاريخ الكلاونينغ. وذلك عندما أغلق متشددو الكنيسة أغلبية المسارح الإنجليزية عام 1642. وعندما أعيد إفتتاح المسارح في عام 1660، لم يكن مؤدي الكلاونينغ موضع ترحيب في الدراما الهادفة بصبغتها الجديدة، ولم يظهر الكلاون على خشبة المسارح إلا في أعمال شكسبير، مثل مسرحية الملك لير على سبيل الذكر. ورغم تلك الظروف فقد واصل مؤدي الكلاونينغ الإنجليز مسيرتهم بكل عزم، وذلك بالعرض على مسارح الإرتجال، والأسواق المتنقلة، وأماكن إلقاء الملهاة القصيرة والمعروفة بـ “درولز” (drolls).

وفي نفس تلك الفترة تقريباً، وصلت روح الإرتجال إلى آفاق جديدة في إيطاليا على شكل مسرح الشارع وهو ما يعرف بـ “كوميديا دي لارتي” (commedia del’arte) أو كوميديا الفن “كوميديا ​​الممثلين المحترفين”. وإستمر هذا الشكل من المسرح طيلة القرن السادس عشر إلى غاية القرن الثامن عشر، وأظهر شكل أخر من المسرح الإيطالي في ظل هيمنة المسرح الأوروبي، حيث أنشأ قائمة من الكاركترات الكوميدية التي لا تزال فاعلة ومؤثرة حتى يومنا هذا. على غرار شخصية آرلوكينو (Harlequin)، بزيه المرقع الشهير، وشخصية بييرو أو بيدرولينو (Pierrot or Pedrolino)، وهم من أوائل كاركترات الكلاونينغ المعروفين بإستخدام مكياج الوجه الأبيض. إضافة إلى العديد من الشخصيات الكوميدية بين السادة والخدم.

وقد لوحظ تأثير “الكوميديا” في فرنسا أيضاً، أين أدرج مؤدي الكلاونينغ ألعاب الخفة والجاڤلين، والمشي على الحبل المشدود، والقفزات البهلوانية أمام ساحات المسارح. وهي عروض تقام خصيصاً لإستقطاب الجماهير نحو العروض الرئسية على خشبات المسارح. خلال القرن الثامن عشر، تعرض هذا الشكل من الأداء الإرتجالي للهجوم من قبل أصحاب السلطة الذين نادوا بالمسرح “الأكثر عمقاً” للإرتقاء بالدراما، ونددوا بالأشكال الشعبية في الشارع. وعليه، فقد لجأ ممثلوا الساحات إلى توظيف التمثيل الإيمائي (مايم mime)، بمأن القيود الإنجليزية والفرنسية في حق فنون الشارع لم تشمل التمثيل الصامت وقتها. ومع إكتساب التمثيل الإيمائي لشعبية لا تقل عن شعبية الكلاونينغ، تحولت الكاركترات الكوميدية مثل آرلوكينو (Harlequin) وبييرو (Pierrot) إلى أبطال رومانسيين. ونتج عن ذاك التحول ظهور شكل ترفيهي جديد، وعودة ظهور الكلاون الحيوي بحلة جديدة وتكنيكات أكثر تنوعاً. وبعد مرور سنوات، تحديداً عام 1768 في لندن. قدم الرقيب السابق في سلاح الفرسان البريطاني، فيليب أستلي (Philip Astley)، عرضاً يجمع بين المهارات الكوميدية والألعاب البهلوانية للكلاون، مع مهارة الفروسية العسكرية. وقد حقق العرض شعبية ساحقة آنذاك نتيجة تناغم الأدائين، أما عن الناتج جراء ذلك التناغم فهي عروض فرجوية مذهلة سجلت الولادة الأولى لعروض “السرك”. ورغم ذلك، لم يطلق فيليب أستلي على تلك النوعية من العروض إسم “سرك” وقتها، وإكتفى بالإشارة إليها بـ “حلقة ركوب الخيل الدائرية” (the circular riding ring). وقد حصل السرك الحديث على إسمه “circus” بعد بضع سنوات عندما أسس تشارلز هيوز (Charles Hughes)، أحد الفرسان في عروض فيليب أستلي سابقاً، السرك الملكي (the Royal Circus) عام 1782. وقد تم عرض السرك المتنقل في جهات عديدة من العالم إنطلاقاً من لندن، نيويورك وماساتشوستس، وصولاً إلى روسيا بدعوة من الإمبراطورة  كاترين الثانية في سانت بطرسبرغ.

(صورة 3: المؤدي ليونيد ليكين في إحدى سكاتشات مسرح “ليسيدي” القديمة )

تكنيكات الأداء والميكياج ..

أما في ما يخص تكنيكات الأداء والميكياج، لن ينسى التاريخ إرتباط الشخصية الكوميدية التي لاطالما عبرت عن الكلاون والكلاونينغ بالكاركتر “جوي” (Joey)، والذي خلقه وأبدعه المؤدي جوزيف غريمالدي (Joseph Grimaldi) الملقب بـ “عراب الكلاونينغ” في أوائل القرن التاسع عشر. كانت هدية “جوي” التقنية لعالم الأداء الكلاوني، تتلخص في المرونة والتعبيرية المتقنة على مستوى الوجه والجسد. إضافة إلى القدرة على التحكم في ملامح وجهه، وخلق النظرات والبسمة الخاصة بالشخصية، والتميز في لحظات العبوس، مع وجوب توظيف كل تلك التكنيكات في التعبير عن عواطف المؤدي إلى أقصى ما يمكن أن يعبره فنان كلاونينغ على خشبة الأداء. وقد إستخدم جوزيف غريمالدي المكياج للمبالغة في ملامحه وجهه وإظهار مهاراته البلاستيكية أكثر. وأعتبرت تصميماته المكياجية، المطبقة على طبقة بيضاء نقية كقاعدة أساسية، والتي يتم رسم الوجه المضحك عليها لاحقاً، مرجعاً نظرياً للمحترفين في فن الكلاونينغ، والذي لازال يُعتمد ويطبق إلى يومنا هذا في جهات كثيرة من العالم.

وإنتقالاً إلى القارة الأمريكية، فقد كان الإحتفال والتظاهر بالنسبة للسكان الأصليين والملقبين بالهنود الحمر، جزءاً من الطقوس الجادة والمقدسة .. وكان وضع الألوان على الوجه وإرتداء الملابس المزينة، وركوب الخيل والرقص والإستعراض، من المظاهر الملفتة عند تلك الشعوب، أما عن سرّ الممارسة فهو إيماني متوارث لأجل تحقيق الشفاء من أمراض معينة أو الإحتفال بمناسبات مهمة. إلا أن دان رايس (Dan Rice) الأمريكي الأصل، والذي وصفه البعض بـ “الكلاون ذو الوجه الأبيض” (the white-face clown)، سجل أول ظهور لفن الكلاونينغ كأول مرة في السرك الأمريكي عام 1840. وكان شكله مميز بلحيته الطويلة والقبعة العالية، إضافة إلى “الليوتار” (leotard) الأزرق والجوارب الحمراء والبيضاء. وقد أعتبر كاركتر “يانكي دان” (Yankee Dan) الذي كان يؤديه، نموذجاً هزلياً يحاكي الشخصية الرمز للتقليد الشعبي في أمريكا وهي شخصية “العم سام” (Uncle Sam). وقد إتضحت التجربة الأمريكية في فن الكلاونينغ بشكل أدق، من خلال تأثر الأشخاص الذين لامسوا أهمية أداء “دان رايس” رفقة السرك ذو الحلقة الواحدة في القرن التاسع عشر. خاصة عندما عرض “دان” دور “ماك غريغور” (McGregor)، في أيوا عام 1870. حيث كان خمسة إخوة من عائلة واحدة يتابعون الأداء بكل شغف وقتها، ليقرروا إنشاء السرك الخاص بهم بعد ذلك. وتطورت العروض الإستعراضية التي كان يقدمها هؤلاء الإخوة الهواة إلى سرك “رينغلينغ بروس” (Ringling Bros) الشهير.

في نفس تلك الفترة تقريباً، إبتكر توم بيلنغ (Tom Belling) عام 1869 في برلين، ألمانيا. كلاون خاص من فئة جديدة، بداية من الزي الغريب، والأداء المتسارع والمكون من سلسلة حركات متناقضة، تبدو في نفس الوقت ساذجة وعفوية، والتي كانت سبباً في دفع الجمهور للصراخ بكلمة “أوغست” (Auguste) بالألمانية، وهي كلمة عامية تعني “سخيف” أو “غبي”، وهى أيضاً التسمية التي باتت تعبر على هذه النوعية من الأداء كتكنيك مستقل ومميز في فن الكلاونينغ.

بحلول نهاية القرن التاسع عشر، تم إزاحة كل الخيام الصغرى لعروض السرك ذي الحلقة الواحدة وأفسح المكان أمام سرك “القمة الكبيرة” (Big Top)، و تمتع السرك وقتها بعصره الذهبي. خاصة مع تطور الشكل الكبير والجديد للبناية المكونة من ثلاث حلقات، وأصبحت الحركة المذهلة، والأزياء البراقة، والدعائم الكبيرة الحجم، والألعاب النارية الصاخبة، والمكياج اللامع .. مكونات أساسية في تركيبة أداء الكلاونينغ الجديدة، من أجل خلق حالات الضحك الهستيرية والغير منتهية في صفوف الجماهير.

وبظهور السينما، إنتقل الأداء الكلاوني إلى الشاشات من خلال عدة أسماء بارزة أمثال: لاري جريسوولد (Larry Griswold)، تشارلي تشابلن (Charli Chaplin)، لوسيل بال (Lucille ball)، الأخوان ماركس (Marx Brothers)، الثنائي لوريل وهاردي (Laurel and Hardy)، بول هانت (Paul Hunt)، بيل أيروين (Bill Irwin) وغيرهم الكثيرون .. لكن الجدير بالذكر هو عودة فن الكلاونينغ إلى المسارح أخيراً، بعد تغييب دام لقرون، على يد أسماء لامعة مثل مارسيل مارسو (Marcel Marceau)، جاك لوكوك (Jacques Lecoq)، الحدث الذي أدى إلى ظهور مدارس تدريبية خاصة بالمايم والأداء الجسدي (physical theatre) أيضاً. كما ظهرت فرق خاصة مثل “سيرك دي سولاي” (Cirque du soleil)  و “كلاونتزيلا” (Clownzilla)، إضافة إلى مخرجين مبدعين أمثال جيمس ثيري كما ذكرنا سابقاً، وهو صاحب فرقة “هانيتون كومباني” (Compagnie du Hanneton)، وتجربة المؤدي والمخرج الروسي سلافا بولونين (Slava Polunin) في “السنو شو” (Slava’s snow show)، إنجازات فرقة “ليسيدي” المسرحية (Teatr Licedei) وفرقة “سيميانيكي” (Semianyki) المتخرجة من معهد المايم والمسرح “ليسيدي” في روسيا. وهو ما جعل التجربة تتبلور في إطار أكاديمي خاص لنوعية مسرحية مستقلة تدعى “الكلاونينغ تياتر” أو مسرح الكلاونينغ.

المؤدي والمخرج جيمس ثيري في عرض “الضفدع كان على حق” )
المؤدي ليونيد ليكين في إحدى سكاتشات مسرح “ليسيدي” القديمة )

من أمير فريك – روسيا

مخرج جزائري مقيم في روسيا

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح