مسرح الخيال العلمي عند توفيق الحكيم : علي خليفة

 

 

نشر : محمد سامي موقع الخشبة

كتب توفيق الحكيم عدة مسرحيات فيها سمات أدب الخيال العلمي في الاعتماد على المنجزات العلمية الحديثة والتنبؤ باختراع أجهزة في المستقبل، سيكون لها أثر كبير على حياة الإنسان بالإيجاب والسلب.
وأغلب الظن أن الذي دفع الحكيم للكتابة في أدب الخيال العلمي هو رغبته في أن يكتب في كل أشكال المسرح التي عرفها في حياته، وظهرت في العالم، لتكون ريادته كاملة للمسرح العربي، ولأنه أيضا كان يبحث عن الجديد والتجديد دائما في كتابته للمسرح، ولا شك أن كتابة مسرحية بها آثار الخيال العلمي تعد من الجديد والتجديد الذي يسعى الحكيم لتحقيقه في مسرحه
وقد قرأت كتاب الدكتور عصام بهي عن الخيال العلمي في مسرح توفيق الحكيم، وعلى الرغم من الجهد الطيب الذي بذله فيه فإنه لم يُوَف الموضوع حقه، ويكفي أنه لم يتناول في هذا الكتاب غير مسرحيتين فقط لتوفيق الحكيم هما مسرحية رحلة إلى الغد ومسرحية لو عرف الشباب على الرغم من أن ملامح الخيال العلمي تظهر في مسرحيات أخرى للحكيم هي مسرحية تقرير قمري ومسرحية شاعر فوق القمر ومسرحية بيت النمل ومسرحية صلاة الملائكة ومسرحية الطعام لكل فم
وفي هذا المقال سأكتفي بذكر السمات العامة التي نراها في مسرحيات الحكيم التي بها ظاهرة الخيال العلمي
أولا أن هذه المسرحيات يهتم فيها الحكيم بالحديث عن المنجزات والمكتشفات العلمية التي تحققت في حياته ويتكلم أيضا فيها عن مخترعات يمكن أن تتحقق في المستقبل، ويتوقع رد فعل الناس آنذاك على تحققها، وتبدو مسرحية رحلة إلى الغد أكثر مسرحيات الحكيم التي فيها تنبؤ لما يمكن أن يتم اختراعه من آلات في المستقبل، وفيها أيضا تصوره عن كواكب أخرى يعاش فيها بطاقات غير التي نعرفها على الأرض
ثانيا أن أهم اختراع تحدث عنه الحكيم في هذه المسرحيات هو أجهزة توفر الغذاء لجميع الناس من أعشاب في البحر ومواد في الهواء بأرخص الأسعار، وتحدث الحكيم عن هذه الأجهزة التي ستوفر الطعام للجميع في مسرحية صلاة الملائكة ومسرحية تقرير قمري ومسرحية الطعام لكل فم
ثالثا اهتم الحكيم في هذه المسرحيات بقضايا إنسانية، كقضية توفير الطعام لكل فم كما نرى في مسرحية الطعام لكل فم ومسرحية تقرير قمري ومسرحية صلاة الملائكة، وقضية مقاومة الحروب وتحقيق السلام كما نرى في مسرحية صلاة الملائكة ومسرحية تقرير قمري ومسرحية شاعر على القمر، وقضية الصراع مع الزمن كما نرى في مسرحية لو عرف الشباب ومسرحية رحلة إلى الغد
ثالثا غلب الحس التشاؤمي على هذه المسرحيات، وتأتي المفارقة فيها في أن الإنسان مع تقدمه علميا واختراعه آلات حديثة متطورة يزداد صراعه مع من حوله من البشر، فالنزعة الأنانية لديه ورغبته في الاستحواذ تجعله يرغب في أن يستفيد من هذه المخترعات هو وأهل بلده فحسب في حين يحاول أن يحرم منها سكان العالم الآخرين، وتبدو المفارقة هنا في أن تقدم الإنسان في العلم لا يتناسب مع اتساع رغبته في السيطرة والاستحواذ وحرمان الآخرين مما يمتلكه، ونرى أمثلة لذلك في عدة مسرحيات له بها أثر الخيال العلمي، فمسرحية رحلة إلى القمر نرى بها قادة الدولة التي صعد رواد منها للقمر لا يفكرون إلا في أن تكون نتائج اكتشافهم للقمر وما فيه لهم وحدهم ويحرمون منها سائر بلاد العالم، وفِي مسرحية تقرير قمري يأمر قائدان لإحدى الدول العظمى بقتل عالم صيني توصل لاختراع سوف يجعل الطعام ميسرا لكل فم بأرخص الأسعار، لأن ذلك يتعارض مع مصلحة هذه الدولة العظمى في السيطرة على البلاد الفقيرة ببيع الطعام لها وفرض سيطرتها عليها، وأيضا نرى في مسرحية صلاة الملائكة نرى عالما يبعد من صف العلماء وتهمله دولته العظمى لأنه اخترع آلة توفر الطعام لكل فم ورفض أن يخترع أسلحة لها خلال الحرب العالمية الثانية، وفِي مسرحية رحلة إلى الغد يتصور الحكيم أن الآلة ستحل مكان الإنسان في المستقبل مما سيجعل معظم البشر يعانون من البطالة
رابعا يغلب على أكثر هذه المسرحيات وجود مسحة ذهنية بها، فمسرحية رحلة إلى الغد نفاجأ بعد الفصل الأول المثير فيها بأن الفصلين التاليين له فيهما نقاش طويل يبطئ الحركة فيهما، وتعود الحركة في الفصل الرابع والأخير من هذه المسرحية، ومسرحية لو عرف الشباب فيها نقاش ذهني طويل عن الصراع مع الزمن – تلك القضية التي أثارها الحكيم أيضا في مسرحية رحلة إلى الغد ومسرحية أهل الكهف – وتبدو النظرة المتشائمة على الحكيم في عرضه لهذه القضية في هذه المسرحيات فالإنسان لا يمكنه أن يعيش خارج إطار العصر الذي ولد ونشأ فيه
خامسا هناك مسرحيات يكتنفها كلها الخيال العلمي، وهي مسرحية رحلة إلى الغد ومسرحية لو عرف الشباب ومسرحية تقرير قمري ومسرحية شاعر على القمر وهناك مسرحيات يكون الخيال العلمي في جزء منها، وهي مسرحية الطعام لكل فم ومسرحية بيت النمل ومسرحية صلاة الملائكة
سادسا نرى الحكيم كان موفقا في مسرحياته القصيرة التي تحتوي على الخيال العلمي لكونه لم يبطئ الحركة فيها، ولم تشغله المناقشات الذهنية بها بخلاف مسرحياته الطوبلة التي بها الخيال العلمي ففيها بعض ترهل للنقاشات الذهنية الطويلة بها التي تبطئ الحركة فيها كما نرى في مسرحية رحلة إلى الغد ومسرحية لو عرف الشباب
سادسا رأينا أبطال هذه المسرحيات من العلماء الذين يخترعون الآلات الحديثة، في المستقبل كما في مسرحية صلاة الملائكة ومسرحية تقرير قمري ومسرحية رحلة إلى الغد، وفيها أيضا نرى قادة لبعض الدول العظمى وهم فيها أنماط للشخصية الشريرة في حين يكون العلماء فيها شخصيات خيرة ترغب في رخاء البشرية ونعيمها، وتبدو لهذا الشخصيات في هذه المسرحيات أنماطا لها ملامح ثابتة
سابعا نرى في بعض هذه المسرحيات كائنات غيبية كالملائكة والجن وكائنات أخرى، ففي مسرحية صلاة الملائكة نرى بطل المسرحية ملكا أشفق على البشر خلال الحرب العالمية الثانية ونزل للأرض عسى أن يتمكن من إيقافها ولكنه يعجز في هذا ويطلب إلى إخوانه من الملائكة في السماء أن يشاركوه في الصلاة عسى أن تتوقف حروب الإنسان على الأرض
وفي مسرحية بيت النمل تحدث جنية شابا يحتضر عن عوالم أخرى في الكون لا يعرفها سوف ترافقه للوصول إليها، وفِي مسرحية شاعر على القمر يرى الشاعر الذي رافق رائدي فضاء في الصعود للقمر كائنات شفافة لا يمكن لغيره رؤيتها والحديث معها، وتنزل هذه الكائنات للأرض في مسرحية تقرير قمري وتكتب تقريرها بعد أن ترى بعض قادة الدول العظمى التي لا يهمها غير سيادتها على سائر بلاد الأرض واستعبادها لأهلها، وتدين هذه الكائنات البشرية في تقريرها
وبعد فهذه مجرد أفكار عرضتها بأسلوب مركز عن سمات مسرح الخيال العلمي عند توفيق الحكيم، والأمر يحتاج لدراسة موسعة آمل أن أوفق لكتابتها فيما بعد.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.