مسرح “الخلايا” في زمن الإرهاب بالمغرب – د.طارق الربح #المغرب

يعيش المسرح المغربي اليوم، ونحن نستهلّ سنة 2020 ميلادية، مرحلة انتقالية حاسمة، تستدعي انتباه الجميع. فبعد جيل البدايات الّذي امتاز بالتكريس للريادة في المجال والتأسيس للمدارس في الإبداع، وبعده جيل الوسط الّذي أغنى المشهد المسرحي المغربي بتكاثر غير مسبوق للتجارب الطموحة والتوجهات الجمالية المتنوعة، نعيش اليوم، مرحلة جديدة، تعتمد على ما يمكن تسميته مجازا، بنظام “الخلايا الحميدة”، وهذه الخلايا عبارة على فرق أو مجموعات مسرحية حديثة العهد في المجال المسرحي، مناضلة وسخية العطاء، تنتشر في مختلف ربوع البلاد.
     من مميزات هذه الخلايا أنها تؤسس لتجاربها بخيارات تتعلّق بالتدبير والتنظيم قبل تعلّقها بتوجهات إبداعية محددة، ولأنّها تدرك قيمة الجدّة والجودة في الإنجاز الفني فهي تلتزم باستقطاب خيرة الكفاءات الوطنية والمحلية لإنجاح مشارعها المسرحية. فإذا كان اصطلاح الحساسيات الجديدة يٌعنى بالخطاب الأدبي والركحي للتجارب المسرحية المغربية، فإنّ اصطلاح “الخلايا الحميدة” يُعنى بالمنطلق التدبيري للتجارب الجديدة. وهو ما يجعلها تنفلت للتصور المفلس الذي أريد للمسرح المغربي أن يقبع فيه، ليظلّ مرتبطا بالمركز وكفاءات المركز، تماشيا مع قصور نفوذ الإدارة الرسمية ذات العلاقة بالممارسة المسرحية، في مناطق المغرب البعيدة عن المركز.
    لقد نهجت الإدارات نهج “مقاومة” تطور المسرح المغربي للحد من تقدّمه، عوض أن تقوم بتطوير أساليب اشتغالها لمواكبة تألّقه ونهضة مبدعيه ومدبريه، الّذين نجدهم اليوم يتزعمون مختلف المبادرات الإصلاحية والحملات النضالية، ويكفي أن نستحضر دور المسرحيين في صياغة ورسمنة قانون الفنان الّذي يعد مكسبا أساسيا لعموم مهنيي المجالات الفنية. 
ولأنّ المسرح مقاوم بطبعه، فهو اليوم مستمر في إنعاش شبكة “خلاياه الحميدة”، التي تنقسم إلى صنفين:
– فرق أو مجموعات مسرحية بعيدة عن المركز، ومنفتحة على الكفاءات الوطنية المتمرسة، وتحمل مشاريع مسرحية واعدة، وتطمح للانتقال بها إلى ما يصطلح عليه بالاحتراف، وهو ما يُختزل حاليا في تحصيل دعم الدولة، باعتباره، اعترافا ضمنيا ورسميا بالفرقة وجديّة مشروعها.
– وفرق مسرحية مركزية، تنشط بالرباط والدار البيضاء ومراكش… وكبريات الحواضر المغربية، وتتكون من كفاءات فنية مكونة أكاديميا أو بالتجربة، وتعمل في مشاريعها على تطوير خيارات فنية أو جمالية معينة، ساعية بذلك للمحافظة على تواجدها المستمر في المجال الفني، المحلي في غالب الأحيان.
تعمل هذه “الخلايا المسرحية” بجدية وانتظام، مستفيدة من تجارب بغضها البعض، وتتنافس في جودة الإنجاز واستقطاب الكفاءات الوطنية والمحلية، وتعد بالتطور المستدام. ومن مميزاتها أيضا، أنها تتكاثر باستمرار، وتصنع ديناميات هامة بإمكانات بسيطة، وتستوطن مناطق مختلفة من ربوع البلاد، ولديها قدرة كبيرة على مقاومة الفكر الظلامي السائد في مجالات اشتغالها، وفي دهاليز المؤسسات والتنظيمات المتعاملة معها.
ومن منجزات هذه “الخلايا المسرحية الحميدة” أن خلقت للمسرح المغربي خريطة وطنية جديدة، تختلف كل الاختلاف عما كان من ذي قبل، فلا تمركز ولا تكتل. وهي سائرة في تحقيق فتوحات جغرافية جديدة على الصعيد الوطني، حيث أنّ هناك مدنا كثيرة حديثة العهد في خارطة المسرح المغربي، من قبيل الداخلة والعيون والسمارة وآسا، وورزازات وتارودانت، تيط مليل وبنجرير، وغيرها كثير.
لقد كان التمركز الحاصل في الخرائط السابقة نتاجا حتميا لرؤية سياسية رسمية غير متماسكة، بنيت على التردد في المبادرات، عدم الدراية بخصوصية المسرح وممارسيه، والاضطراب في العمل المؤسساتي والمعاملات البينية، التي تربط المصالح الرسمية بالفاعلين في مجال المسرح المغربي. وفي هذا السياق برزت بعض الجهود الفردية،  لمجموعة من الكفاءات المهتمة بالتدبير والتنظيم والبحث الأكاديمي في مجال المسرح، والتي انحدر معظمها من مجد مسرح الهواة بالمغرب، ومنهم من أحدث تأثيرا بيّنا على الفعل المسرحي وفاعليه، وكانوا بمثابة مهندسي المرحلة السابقة وصنّاع ما نعيشه اليوم من مكتسبات.
ويبدو أنّ المحرك الأساس لهذه الفئة من الكفاءات المدبّرة، قد اختلف بين إرادات تصحيحية، طمحت إلى أن يتجاوز المسرح المغربي مرحلة (الريع) التي كان يعيش عليها في عهد “الرواد” (وإن كان لكل مرحلة روادها)، وإرادة أخرى مفتعلة افتعالا، اشتغلت في النور لصالح الظلام، ونصّبت نفسها لسنوات حارسا على المسرح المغربي.
لقد لمستُ دائما في المجال المسرحي المغربي، وممارسيه، تسليما جازما بلا مبالاة الدولة بخياراته الموضوعاتية والإبداعية، وتوجهاته النضالية والتنظيمية. ومن المغالطات التي نعيشها اليوم، أننا شبه مسلّمين بغياب رقابة الدولة على المسرح، وغدا يخيل للجميع أن مسرحنا حر طليق، وكل ما يربطه بالدولة لا يعدو أن يكون سياسة دعم تتراوح بين الإنتاج والتوزيع، بإمكانات مادية جد محدودة، مقارنة بحجم البلاد وقدر مبدعيها. والحقيقة أن هذا الدعم هو مربط الفرس ولجامه.
عندما نتحدث عن الدولة، فالمقصود بذلك مستويات مختلفة من التدبير الرسمي، وأكثرها تأثيرا بالسلب في مسرحنا تلك الّتي تقع في قاعدة هرم المسؤوليات، فإن كانت الإرادة العليا للبلاد تصرّح برعايتها للفنون ودعمها للثقافة، ومن ذلك تعزيز المشهد المسرحي المغربي بشق رسمي مُموّل يليق بهيبة الدولة، فإنّ بعض الإرادات الدنيا للدولة استغلّت قنوات التمويل لتجعل من المسرح المغربي مجالا محدود الحجم والإمكانات، ووسمت المسرح المغربي كله بصفة الرسمية، ولم يعد بيننا من يشتغل لأفكاره، ولا من يطمح للاستقلال بتجربته لنفسه ولجمهوره، فالكل يشتغل لمسرح الدولة، حتى صار الجمهور شبه مغيب من حسابات المسرحيين، وأصبح بديهيا أن تقدّم عروض مسرحنا المحترف أمام كراس وأرائك فارغة، في صالات موحشة.
تعجّ مؤسسات الدولة اليوم، بجيوب المقاومة، الّتي تقرر في مصير مسرحنا بما يناسبها، وتتفنّن في كبح  قريحة مبدعينا، دون الحاجة لإعلان رقابتها ولا استعراض أساليب ترويضها للمسرحيين، ومن وسائلها أن أوجدت فينا من يمثلها ويمتثل لها، فعيّنت مراقبينا منّا، ومخالفينا فينا، ومحبطينا من صلبنا، فغدت أسلحتنا في نحورنا، ومكابسها في قبضاتنا، والدولة بذلك منا براء.
لقد كان المسرح دائما مصدر قلق للدول وأجهزتها، خاصة في أنظمة القمع، التي تعتبر الاجتهاد تطرفا في الفعل والفكر، وتقاومه كما تقاوم الإرهاب الداعشي. وكلما غاب النقد الفني والبحث العلمي في المجال المسرحي، كلما حاد المسرح عن مبتغاه، وحلّ سوء الفهم لدى ممثلي أجهزة الدولة ومسؤولي مؤسساتها.
عُرف المغرب دائما بكفاءة نقّاده وتمكّن منظريه، الّذين تألّقوا في التنظير للإبداع، والكتابة في الجماليات، وهو ما جعل مسرحنا المغربي اليوم، يحترف النهل من النظريات المسرحية العالمية، قديمها وجديدها، ويتميّز بتنوعه اللا محدود. ومقابل كل ذلك يجب أن نتساءل: لماذا غيّبت هموم المواطنين المغاربة عن مسرح من المفترض أنه مسرحهم، وينتعش بشكل غير مباشر من جيوبهم؟ ولماذا تستبعد عن المشهد الرسمي كل العروض الحاملة لأفكار تنويرية جادة وجديدة، ومواقف نقدية واضحة وبناءة؟
تحكي أغلب مسرحياتنا عن كل شيء – وعن أي شيء، وتغفل في كثير من الأحيان ما يجب أن يُحكى عنه، وهو ما كرّس لتقليد جماليات المسارح الغربية، وكاد الاستنساخ يُعتبر أقصى طموحات تجاربنا المسرحية، وغدا من النادر العمل على مشروع مسرحي دون الإرتكان إلى معطيات دراماتورجية جاهزة، وصور سينوغرافية مستعملة، وتقنيات مشهدية متداولة.
هناك من يحاول أن يُفهِمنا أن المسرح العالمي هو ما يصنعه الغرب، وأننا محكومون بالتقليد والاستلهام منه، في حين أن المسرح العالمي في معظمه، هو توليفات من الفكر المجدد، والإبداع الأصيل، في ترجمة لهموم عصره ومعاصريه. وفي هذا السياق، حريّ بنا أن نشتغل على مسرح يشبهنا ويمثلنا، ونعمل على تقاسمه مع العالم، لنجعل منه نافذة للعالم على ذواتنا المبدعة، وأفكارنا المجددة، ويصير عنصر إغناء لرصيد العالم من المسرح. لسنا في حاجة لوسيط حتى نندمج مع العالم ونحن فيه، هي فقط مسألة جهد واجتهاد، وتدبير جاد لأساليب وقنوات توزيع وتثمين مسرحنا.
بإمكان خلايا المسرح المغربي الّتي نتحدث عنها في هذا المقال، أن تكرّس لمسرح مغربي عضوي، تتجاوز به حدود “كائنه وممكنه”، وتنفتح به على العالم، إن نُفض الغبار عن مجهوداتها، وتمّت مواكبة مبادراتها بالنقد والتحليل اللائقين.
أكاد أجزم أنّ مستقبل المسرح المغربي، يكمن في هذه الخلايا الحميدة التي تعمّ البلاد. ولذلك ندعو للانتباه إليها، ونطالبها بالانتباه لنفسها. ونريدها أن تزيد من انتشارها في كل المدن، الصغيرة والكبيرة، وحتى المناطق النائية، وأن تؤسس لتجارب مسرحية جديدة، بمقاربات جمالية ومجالية متقدّمة، وبتدبير رصين ومهني، لضمان التميز الدائم لمسرحنا العتيد.
ونريدها لهذه الخلايا أن تزيد من تواصلها مع الكفاءات المكونة علميا والمجربة في المجال، لأنّ المسرح ينتعش بالعلم والمعرفة، ويتقوى بالعقل والفكر، وينتصر بتضافر الجهود. ونلتمس من خلايا مسرحنا المغربي أيضا، أن تستمر في جهودها الرامية إلى ترشيد كفاياتها المحلية وتطوير مؤهلاتها الفنية، استعدادا لتفتق كفاءاتها وانفجار طاقاتها بالفكر الجمال.
لقد راكم المجال المسرحي المغربي عدة مصطلحات جديدة تستلزم الجرد والدراسة، من قبيل “التوطين المسرحي” بكلّ ما يحيل عيله ذلك من خلفيات “قدحية” تعكس تصور الدولة للمجموعات المسرحية، إذ تعتبرها (خلايا) مقلقة إن اشتغلت بشكل مستقل، وتعتبرها “لاجئة” إن لجأت للإطار الرسمي. وهو ما جعلنا نجد في تسمية “خلايا المسرح الحميدة” خير اصطلاح لفرق ومجموعات مرحلتنا هذه.
على الدولة أن تحارب الفكر والمظلم والإرهاب الحقيقي، بتشجيع الفنون والثقافة، وأن تدرج استثمار المسرح والفن والفكر في توجهاتها التنموية القادمة، لتحقيق الأمن المجتمعي الكامل والمتكامل. وهو ما يجب أن تستوعبه الدولة بأجهزتها الأمنية، وجيوبها المقاومة الموشكة على الإفلاس. لا يمكن للدولة أن تكتفي برهانها على خبراتها الاستخباراتية المتطورة، ومهاراتها الاستعلاماتية الفعّالة، فكل ذلك ناجع في مواجهة الآفة بعد حدوثها، أمّا الإبداع فناجع في استئصال الداء من جذوره وصدّ مسبباته.
إنّنا في حاجة ماسة إلى حركة تصحيحية جديدة لفهم الدولة للفنون بما فيها المسرح، فانتعاش الثقافة والفن أكثر من رفاهية، بل هو قضاء على أصول الإرهاب الداعشي في بلادنا، ولا سبيل لذلك إلا بتشجيع الخلايا الحميدة مقابل الخلايا الخبيثة، وتثمين الفكر الحر البناء عوض الفكر الظلامي الهدّام.
مسرح “الخلايا” في زمن الإرهاب بالمغرب
بقلم الدكتور طارق الربح
30/12/2019

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة