“مسرح الجائحة”.. عندما يتحوّل الموت بالوباء إلى مسألة إحصائية-أبو بكر العيادي

كريستوف باربيي يتساءل عن الحدّ الفاصل بين التضامن والخضوع
كريستوف باربيي يتساءل عن الحدّ الفاصل بين التضامن والخضوع

 

“مسرح الجائحة” هو عمل كتبه المؤلف والإعلامي كريستوف باربيي، كان مبرمجا في مسرح الجيب بمونبرناس قبل الحجر، يستعرض فيه ملامح من أعمال مسرحية كلاسيكية لكبار المؤلفين، من سوفوكليس إلى يونسكو، جعلت من الأوبئة والجوائح منطلقا للبحث عن الحقيقة.

على خشبة مسرح الجيب بمونبرناس في باريس يُعيد المتفرّج اكتشاف بعض الأعمال الكلاسيكية التي جعلت الأوبئة محرّكا لعملها، ذلك أن المسرح والوباء يشبهان بعضهما بعضا، ولكن دون تماثل، فمنذ نشأة الفن الدرامي تزخر المدونة بأعمال كثيرة تتحدّث عن الأوبئة، فتُقحمها في نسيجها أو تنطلق منها لتبيّن أن الأوبئة تغيّر طبيعة البشر. فلولا الطاعون لظل أوديب ملكا، ولولاه لعاش روميو وجولييت حياة سعيدة.

ففي معظم الأعمال الكبرى نجد المسألة الوبائية، ولكنها قد تتّخذ وجه قهر واستبداد من نظام غاشم، وفي كل الأحوال ليس المكروب هو ما يعني المؤلفين، بل الإنسان.

فالوباء لا يستقطب اهتمام كتاب المسرح لكونه منطلقا دراميا أو عنصر تشويق أو مسألة حياة أو موت فقط، وإنما أيضا لكونه يخلق ظروفا يكون فيها الإنسان في حقيقة طبعه يتساءل عن مصيره وعن معنى الحياة بعد أن صارت مهدّدة بالفناء. ما يعني أن المرض يخلق تساؤلا متساميا وسياسيا وفرديا، لأنه يمسّ الجوهر، ويشدّ انتباه المتفرّج.

لا شيء تغير منذ ألفي عام، تمضي صروف وتأتي صروف والإنسان يواجه الأوبئة والجوائح بالطريقة نفسها تقريبا، فيقف منها موقفا بطوليا لإنقاذ غيره، أو موقفا متخاذلا فلا يفكر إلاّ في نجاته ونجاة أقربائه، فيكون الموت قدر الجميع إلاّ ما ندر.

في الخطب التي ابتكرها كامو أو يونسكو وأنطقا بها السياسيين، نجد تقريبا نفس الكلمات في أفواه الوزراء والمسؤولين المشرفين على القطاع الصحي، بين وعد وتسويف، وتطمين وتخويف، وتبسيط وتهويل، مع الحرص دائما على تحميل الشعب مسؤولية تفاقم الأوضاع.

أما مواقف المرضى، أو الذين يموتون خوفا من العدوى، فهي شبيهة بما عشناه ونعيشه حتى الآن، حيث تمتزج الأثرة البطولية بالأنانية العنيدة، ولكن لأول مرة في تاريخ البشر، أوقفت الجائحة سير المجتمعات لإنقاذ الأرواح، وتخلى البشر عن تشييع موتاهم إلى قبورهم، وحتى إقامة شواهد عليها، وكلاهما تمثلان قطيعتين أنثروبولوجيتين لم تعهدهما البشرية.

 

في معظم الأعمال الكبرى نجد المسألة الوبائية ولكنها قد تتّخذ وجه قهر واستبداد من نظام غاشم
في معظم الأعمال الكبرى نجد المسألة الوبائية ولكنها قد تتّخذ وجه قهر واستبداد من نظام غاشم

 

يقول باربيي الذي ينهض بدور الراوي فيما يتولى ممثلان مقنّعان على الطريقة القديمة بأداء الأدوار المنتخبة، إن فكرة العلاقة بين المسرح والوباء خامرته حين منعه الحجر من ممارسة هوايته على الخشبة، وكتابة مقالات نقدية عن العروض التي تقدَّم في باريس، فوجد نفسه أمام أمرين لا ثالث لهما، إمّا أن يقبل الصمت المطبق الذي فرضه الفايروس، أو أن يجد وسيلة للحديث عن المسرح، برغم الستار الحديدي الذي ضُرب على رجال المسرح ونقاده وهواته، فاختار الحل الثاني.

وشرع في كتابة سلسة مقالات عن المسرحيات التي تناولت الأوبئة، وجعلت فايروسا أو مكروبا أو بكتيريا عصوية في مقدّمة عناصر أحداثها، فاندهش لكثرة الأعمال الكبرى التي يحتل فيها المرض المعدي مكانة هامة، ومضى يكتب مقالات تمّ بثها على أمواج إحدى المحطات الإذاعية.

ومن بين هذه الأعمال “أوديب ملكا” لسوفوكليس، و”روميو وجولييت” لشكسبير، و”البشرى التي وصلت إلى ماري” لبول كلوديل، و”حالة حصار” لألبير كامو، و”أنجلز في أميركا” لتوني كوشنر، وخاصة “لعبة القتل” ليوجين يونسكو، وهي المسرحية التي عرضت في فرنسا عام 1970، بإخراج الأرجنتيني خورخي لافيلّي، وكان الديكور يومها في شكل حرف U، تسدّ آخره بناية ذات نوافذ مفتوحة، وحاوية زبالة ضخمة تتنقل على الخشبة كي تُلقى فيها الجثث قبل إخراجها.

وفي هذه المسرحية شبه كبير بما يحدث الآن من جراء كورونا، ولو أن ما تخيله يونسكو أشدّ فظاعة، حيث يقول على لسان أحد الموظفين في بداية المسرحية “إلى مواطني المدينة والأغراب. مرض مجهول انتشر في مدينتنا منذ وقت قريب. ليست حربا، وليس هناك محاصرون.. فجأة، ودون سبب ظاهر، ودون أن يكونوا مرضى، بدأ الناس يموتون في البيوت، في الكنائس، في منعطفات الشوارع، في الساحات العامة. جعلوا يموتون، هل تتخيلون هذا؟ الأدهى أن الميتات ليست حالات معزولة. ميّت هنا، وميت هناك، فهذا يمكن قبوله في نهاية الأمر. عددهم يتزايد باستمرار. ثمة تدرّج هندسي للموت..”، ما جعل إميل سيوران يعلّق بعد مشاهدته المسرحية قائلا “تدرّج هندسي، هذا تدقيق أساس. فالموت بعد الوباء الحديث، هو مسألة إحصائية”.

لا شيء تغير منذ ألفي عام، تمضي صروف وتأتي صروف والإنسان يواجه الأوبئة والجوائح بالطريقة نفسها تقريبا

يقول أنطونان أرتو “المسرح كالوباء يحل النزاعات، ويفرز قوى، ويثير إمكانات، وإذا كانت تلك القوى والإمكانات سوداء، فالسبب ليس الوباء ولا المسرح، بل الحياة. والمسرح، شأن الوباء، جُعل لإفراغ الدّمّل بصفة جماعية”. ففي كل مسرحية تتحدّث عن الوباء، يتراجع المرض حين يكفّ البشر عن الرعدة والخوف والاستسلام، حين يرفضون التخلي عن الإنسانية للنفاذ بجلودهم لأنهم ليسوا مجرد جلود، أو درقات.

ما يمكن استخلاصه من هذا العرض المسلي والمفيد معرفيا أن الأوبئة مكنت على مرّ الأزمان مختلف السلط من تدجين شعوبها بدعوتها إلى الانضباط، ما يطرح التساؤل حول الحدّ الفاصل بين التضامن والخضوع، التمدّن وغريزة القطيع.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح