الأوقات كما في المسرح مضبوطة، لا يقبل دخول المتأخرين

مسرحي فرنسي يتحدى الحجر بعرض أسبوعي على النت – أبو بكر العيادي

مسرحي فرنسي يتحدى الحجر بعرض أسبوعي على النت – أبو بكر العيادي

“امرأة حياتي” مسرحية من نوع التمثيليات النفسانية البوليسية، وروبير بلانيول رغم موهبته وأدائه المقنع كان يحتاج إلى ممثل ثان يسنده.

من المبادرات الطريفة لكسر الطوق الذي ضربه الحجر الصحي على العروض المسرحية، ما قام به الممثل الفرنسي روبير بلانيول، حيث أنشأ موقعا يعرض فيه أسبوعيا، مباشرة من بيته، آخر مسرحياته وهي بعنوان “امرأة حياتي”.

باريس – في انتظار رفع الحجر الصحي وإعادة فتح المسارح، قامت بعض المؤسسات المسرحية الفرنسية العامة والخاصة بعرض منجزاتها السابقة مجانا على مواقع خاصة، تتولى تجديدها كل ثلاثة أيام بأعمال أخرى.

أما روبير بلانيول فقد اختار أن يقدّم على الشبكة عرضا مباشرا من بيته، لهواة الفن الرابع، فأنشأ موقع directautheatre.com على منصة زوم ليبث من خلاله عمله الأخير “امرأة حياتي” كل أسبوع، مجانا في البداية، ثم مقابل عشرة يورو، بطلب من المشاهدين أنفسهم، لتسديد حقوق المؤلف وأجور التقنيين الستّة الذين يشرفون على العرض من ألفه إلى يائه. والأوقات كما في المسرح مضبوطة، لا يقبل دخول المتأخرين. وأمام النجاح التي ناله، والإطراء الذي حظي به من النقاد خاصة في إذاعتي فرنسا الثقافية وفرنسا الدولية، دعا بلانيول زملاءه إلى الاستفادة من تجربته كطريقة لكسر الحجر الذي عطّل كل شيء، لأن العودة الفعلية لن تكون قبل يناير 2021.

“امرأة حياتي”، مسرحية من تأليف البريطاني أندرو باين صاحب سلسلة “المفتش برنابي”، وكانت قد عرضت أول مرة في مهرجان أفينيون عام 2008، بإخراج لجيل بانيي.

والجدير بالذكر أن بلانيول من الحريصين على نقل مؤلفات أندرو باين إلى الخشبات الفرنسية، فقد سبق أن تعامل مع بعضها مثل “سينوبسيس” و”سكواش” كمترجم وممثل.

أندرو باين هو من جيل يعمل على تجديد النص المسرحي البريطاني أمثال ديفيد غريغ، وغريغوري بيرك، وسيمون ستيفنز، وأنطوني نيلسون، وأليس بيرش، وأليستير ماكدويل، وسام هولكروف، ولوسي كيركوود، ومات هارتلي. وتتميز كتابته بتأكيدها على المنطوق، على غرار السيناريو الإذاعي أو التلفزيوني، مع تخيّر خطاب يجسده الممثل والإطار السينوغرافي.

روبير بلانيول تتميز كتابته المسرحية بتأكيدها على المنطوق، على غرار السيناريو الإذاعي أو التلفزيوني

هذه المسرحية هي من نوع التمثيليات النفسانية البوليسية، وبطلها فرنسيس هو رجل نشأ في وسط شعبي، وأسرة متواضعة، من أب عنيف يقسو في تربيته ويتوقّع له السجن، وأم زاعقة زاجرة مبتذلة سليطة اللسان. عندما يكبر تنقذه امرأة تعمل في حانة، وتعتني به فيحبها ويتزوجها، ثم ينتظرها بعد أن قاده الانحراف إلى السجن، فلا تأتي.

تنطلق حكايته عندما بدأ يعمل سائقا لعصابة من المنحرفين، فيعترف بأشياء حميمة سوف تكشف عن مواطن ضعفه. يسردها في نرجسية تامة، ليبيّن كيف كان ينهر رفاقه في الحيّ، ثمّ زملاءه في شتى الحرف التي امتهنها، بل يتحدّث بسوء حتى عن والديه، والإنسانية جمعاء.

بعد السجن، حيث انجذب إلى المطالعة وتعرّف من الكتب على كبار المؤلفين والفنانين وعرف معنى الأناقة، يتحدّث بدم بارد عن تفاصيل مهمّة كُلّف بها، ويستطرد أحيانا للحديث عن تلك المرأة التي ملكت حياته، ليبيّن تبعيته لها، وكأنه مدمن، ثم خضوعه لأبيه كنقطة ضعف أخيرة.

على مدار ساعة وربع الساعة، ورغم المسافة بين الممثل وجمهوره، ينفخ روبير بلانيول الروح في هذا المونولوغ الطويل، الذي يمتزج فيه المعيش البائس بالتراجيديا المعاصرة، ما خلق جوّا خانقا يتجلى في قسمات الممثل وحركاته وأقواله وينتقل إلى المشاهد.

وقد عبر بلانيول عن سعادته بوجود جمهور حقيقي خلف الشاشة، رغم أن التفاعل مع الجمهور الحيّ أساس العمل المسرحي، ما جعله يحسّ بأنه لم يغادر الخشبة، على حدّ قوله.

ولكن رغم موهبته التي لا تنكر، وأدائه المقنع، فإن العمل المقترح، الذي يتأرجح بين المسرح والسينما من جهة محتواه وإخراجه، كان يحتاج إلى ممثل ثان يسنده، ويكون بمثابة ظلّ للحاضر أو تذكّر للماضي، ليخلق نوعا من الصدى، وفصلا بين زمنين، ويحدث تغيرات مفاجئة تقطع رتابة العرض، وتفتح وضعيات جديدة.

ومع ذلك، كانت ردود الفعل فوق المتوقع، بل إن منتجة ومخرجا، بعد أن شاهدا العرض على الشبكة، اقترحا على بلانيول التفكير في تحويل النص إلى سلسلة، لما في النص من إمكانات تستجيب لسيناريو مسلسل تلفزيوني. ذلك أن هذا النص، البريطاني في سوداويته وسخريته المرة، يتميز بكتابة تجمع بين التحليل النفساني والأكشن، وتقبل التحوّل إلى عمل درامي تلفزيوني أو سينمائي.

بقي أن نقول إن “امرأة حياتي” هو أيضا عنوان شريط سينمائي فرنسي أخرجه ريجيس فارنيي عام 1986، وقام بأدوار البطولة فيه جان لوي ترانتينيان، وجين بيركين وكريستوف مالافوا، وموضوعه يشبه إلى حدّ ما موضوع مسرحيتنا، إذ ثمة امرأة تحاول أن تعيد إلى الجادة رفيقها سيمون عازف الكمان المدمن على شرب الخمر، ثم تهجره.

ولكن الاختلاف أن زوجة فرنسيس تغادر حياته بعد دخوله السجن، بينما تغيّر لورا طبعها بسبب غيرتها من بيير الذي استفاد من تجربته في ترك الكحول، ليدفع صديقه سيمون إلى الإقلاع عن تعاطيها نهائيا، إذ سعت عن غير وعي إلى إعادته إلى الإدمان من جديد، لأنها لم تقبل أن يشفى بفضل شخص آخر.

————————————————————-

(جريدة العرب) 

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية