مسرحيّون يحرّرون أب الفنون من “الأدب” وتأثيرات “مسرح أرسطو”

.jpg
أرسطو (380 ق.م / 322 ق.م)

مسرحيّون يحرّرون أب الفنون من “الأدب” وتأثيرات “مسرح أرسطو”

هسبريس : بعد أن أصدرت الهيئة العربية للمسرح العدد الأخير، الخامس والعشرين، من مجلة “المسرح العربي” في صيغة إلكترونية، والملف الإلكتروني الأول “عزلة المسرح في زمن كورونا”، أصدرت ملفا إلكترونيا ثانيا معنونا بـ”كيف يتعامل المسرحيون مع مصاص دماء المسرح أرسطو طاليس؟”.

وشارك في صياغة محتوى هذا الملفّ عدد من المسرحيين، قدّموا قراءات مختلفة الآراء والرؤى حول كتاب الباحثة الفرنسية فلورانس دوبون “أرسطو أو مصاص دماء المسرح الغربي”، الذي ترجمه إلى العربية الباحث المسرحي العراقي الدكتور محمد سيف، وراجعه الدكتور سعيد كريمي.

وصدر كتاب فلورانس دوبون، الذي ترجمه محمد سيف، في ثلاث طبعات، واحدة في المغرب عن منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، والثانية في مصر عن منشورات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، والثالثة في العراق عن دار الفنون والآداب للطباعة والنشر والتوزيع.

ويضمّ الملف الإلكتروني الثاني، الصادر عن “الهيئة العربية للمسرح”، مقالة للباحثة الفرنسية فلورانس دوبون بعنوان “ليس من السهل ألا تكون أرسطوطاليسيا”، ترجمها محمد سيف، وهي مقدمة استهلت بها كتابها “أرسطو أو مصاص دماء المسرح الغربي” الصادر في 2007 بباريس عن “Aubier”، الذي أحدث ضجة كبيرة عند صدوره وما يزال يثير نقاشا وجدالا كبيرين.

وهذا الكتاب مشروع بحثي يبتغي تفكيك كتاب “فن الشعر” لأرسطو ومفاهيمه، وهو محاولة للانعتاق من هيمنة القواعد الأرسطية، ذلك أن الكوميديا الرومانية القديمة، حَسَبَ فلورانس دوبون، ظلت غائبة عن المسارح المعاصرة، وتم تجاهلها من قبل الدراسات المسرحية. و”بلاوتوس” و”تيرينس”-تضيف دوبون-لا يعجبان الكلاسيكيين ولا الحداثيين ولا ممتهني الأدب، ولا حتى محترفي المسرح. ولأجل فهم هذا الازدراء، ذهبت الباحثة الفرنسية لتَسْتَكْنِهَ جذور العلة، وتحدد المفاهيم الجمالية التي تسمم، في نظرها، المسرح الغربي، والتي اكتشفت أنها متجذرة في قواعد الشعرية الأرسطية التي غزت كل مناحي المسرح منذ ما يقارب قرنين من الزمان.

كيف يتعامل المسرحيون مع مصاص دماء المسرح الغربي اريسطو طاليس
كيف يتعامل المسرحيون مع مصاص دماء المسرح الغربي اريسطو طاليس

أما المقالة الثانية من مقالات هذا الملفّ الرقميّ، فهي ترجمة أعدّها محمد سيف لكتاب دوبون، يأخذ فيها القارئ في “رحلة موجزة في أوراق كتاب أرسطو أو مصاص دماء المسرح الغربي وترجمته”، وهي بمثابة تقديم غير متسلسل لبحوث ودراسات فلورنس دوبون. الغرض منها، كما يفصح سيف، “إعطاء فكرة موجزة عن طريقة تفكيرها المغايرة في البحث ونظرتها الجديدة للعلوم القديمة، ومدى تجذر هذه الأخيرة في الفكر الغربي المعاصر الحالي”. وهي، وفق الكاتب نفسه: “خطوة نحو أصل المسرح، الذي كان أداء وليس نصا أدبيا كما صوره لنا أرسطو، ولقد انتظرنا طويلا حتى نتعرف على هذه الحقيقة التي يصعب قبولها دون أدلة، ومن هنا يأتي سبب سعينا لترجمة هذا الكتاب الصعب والمقلق للغاية”.

أما ثالث موادّ الملفّ فهو حوار مع الباحثة فلورانس دوبون حول كتابها ومشروعها الفكري، يضمّ أسئلة للباحث المسرحي الدكتور عمر فرتات طرحها على دوبون، يستشفّ منها القارئ “الخلفية الفكرية والعلمية التي انطلقت منها لتأليف كتابها موضع النقاش، وكل أبحاثها ودراساتها المسرحية الأخرى، وكيف تسعى من خلال ذلك إلى تشريح ثقافة المجتمعات الغربية التي احتكرت، كما تقول، الثقافة اليونانية والرومانية القديمة بدعوى أنها تنحدر منها مباشرة، وبهذه الطريقة جعلت منها أصلا لها. وتبعا لهذا المنطق، فكل ما يحدد الثقافة الغربية، كالمسرح والفلسفة والقانون، يعتبرونه من اختراع اليونانيين والرومانيين”.

ومن بين المضامين المنشورة أيضا “مرافعة فلورانس دوبون ضد أرسطو”، وهي دراسة أنجزها الدكتور خالد أمين، يدخل عبرها إلى أهم تمفصلات كتاب دوبون، مع إبراز تباين الرؤى الفكرية والجمالية بين أرسطو وبينها، ومدى عمق الهوة بينهما حول الموقف من العرض المسرحي؛ الأدب الدرامي وتحققه المادي، وكيف أنّ قواعد أرسطو تكرس سلطة النص وتعتبر “اللعب” و”الفرجة” و”القناع” كلها ملحقات بالقصيدة، في حين إن أهم ما يميز نقد دوبون هو العودة إلى الأصول والسياقات الإغريقية واللاتينية واقتفاء آثار الأدائية في الفرجات الإغريقية والرومانية القديمة.

وفي إحدى موادّ المنشور الجديد يُدخل المسرحي بوسرحان الزيتوني القارئ في نقاش مع أفكار دوبون من خلال مقالته “الصوت والصدى.. محاولة في تحرير المسرح الغربي والتحرر منه”، الذي يرى فيه أن مشروع فلورنس ينبني على حقيقة أن المسرح في حياة الأثينيين والرومانيين نشاط لعِبِيّ ارتبط بسياقات طقوسية، وألعاب جماعية واجتماعية ليس هدفها “حكي قصة”، في احتفال تنتفي فيه كل التمايزات الاجتماعية والطبقية، ويصير الكل فيه على مرتبة واحدة حكاما ومحكومين، في مسرح سابق على أرسطو الذي “اخترع مسرحا يخصه ولا علاقة للمدينة به”، وفق تقديره.

وحول إبراز فكرة تحرير المسرح من أدبيّته، كتب المسرحي العراقي الدكتور بشار عليوي مقالته المعنونَة بـ “فلورانس دوبون ومحمد سيف يُحرران المسرح من أدبيتهِ”، التي يشرح ويحلل فيها أهم مقولات دوبون الفكرية، خاصة مقولة أن المسرح لا علاقةَ لهُ بالأدب، وهي “الحقيقة التي تم إغفالها بسبب جمهرة الجبرتية والحكّائين وأُدباء المسرح، وفق الكاتب، الذين يُحاولونَ بشتى السُبل سحب المسرح من لعبيتهِ وطقسيتهِ وأدائيّته إلى منطقة الأدب كما فعل أرسطو”.

وختمت الهيئة العربيّة للمسرح ملفّها الإلكتروني الجديد بمقال “محاكمة أرسطو: قراءة في كتاب فلورانس دوبون” للباحث الحسين الرحاوي، يفصّل فيه بعض المجمل في كتاب دوبون، مناقِشا بتركيز مجموعة من المفاهيم الواردة في الكتاب، مثل: “الثورات الأرسطية الثلاث” “ديكتاتورية الخرافة” “الأرسطية الجديدة”، وغيرها، ليخلص إلى أنه “ليس من السهل ألا تكون أرسطوطاليسيّا”، في تناغم مع فلورانس دوبون.

(هسبريس)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة