مسرحيون تقاعدوا مبكرا.. لماذا؟! #عمان

 

 

مسرحيون تقاعدوا مبكرا.. لماذا؟!

بقعة ضوء على الأسباب الشخصية والظروف المحيطة والبحث عن الحل!

– غياب الحوافز المادية من أبرز الأسباب.. والمسارح في عمان نادرة والالتزامات تقتل المسرح.

– هيثم الغيثي: من الصعب الاستمرار بالمسرح بدافع الحب والشغف والتطوع دون مقابل مادي يفي حتى بالمصاريف.
– عابدين البلوشي: عندما لا أجد الحافز المادي كأكاديمي مسرحي ولا أجد بيئة اشتغال مع أكاديميين فشيء طبيعي أن أبتعد عن المسرح.
– خالد الشنفري: موضوع اعتزال أو ابتعاد المسرحيين عن خشبة المسرح إجباري قبل أن يكون قرارًا شخصيًا.
– بدر النبهاني: المسرحي الحقيقي والذي أؤمن تماما أنه إذا ما وجد مناخًا مسرحيًا حقيقيًا ومجموعة ينتمي إليها فكريا سيعود،، لا بد أن يعود.
– طاهر الحراصي: عدم توافر الحد الأدنى من الدعم والحوافز يثقل كاهل المسرحيين ويدفع بهم نحو العزوف.

 


تحقيق – عامر بن عبدالله الأنصاري

جرتنا الأحاديث الودية في جلسة شبابية إلى الحديث عن المسرح، ليسرد لنا هيثم بن محمد الغيثي تفاصيل قصته مع المسرح ومع الارتجال ومهارة تقمص الشخصيات، منذ طفولته، وقبل أن يعرف المسرح الحقيقي، فقد كان هيثم طفلا يحب التقليد، ويتمتع بروح الدعابة والعفوية، يجتمع حوله أبناء الحي من الذين يكبرونه سنا، “يا هيثم قلِّد لنا فلان”، تلك الموهبة التي بدأت من طفولة هيثم كانت طريقا نحو الوقوف على خشبة المسرح، وخلف كواليسها، وعلى الأوراق، وبين الطفولة والاشتغال بالمسرح تكمن تفاصيل كثيرة.
بدأ الغيثي حياته مع المسرح في عام 2009 بكلية الشرق الأوسط بعد أن قضى فيها فترة، فقد دخل الكلية بذات الروح الكوميدية التي عُرف بها، دخل القاعة في أول يوم دراسي له، في أجواء كئيبة، كل الطلاب جدد، وأجواء تختلف عن المدرسة، في تلك الأثناء رفع الغيثي صوته بالسلام على الجميع، وبعدها قال متهكمًا “أحسن الله عزاكم”، فضحك الجميع ومن بينهم المعلم، لتعم البهجة على المكان وينكسر حاجز الخوف، وبعدها عُرف الغيثي بروحه الكوميدية بالكلية بشكل واسع، الأمر الذي حدى بجماعة المسرح أن يقدموا له عرضا للانضمام إليهم، كان خوف الغيثي من مواجهة الجمهور مانعه الوحيد، فرفض العرض، وانضم إلى جماعة الأنشطة الصحية التي يُعول عليها جانب التوعية، ليبادر بكتابة نص مسرحي، واختيار الشخوص، وإخراج المشاهد، وبمشاركة مجموعة من الشباب وقف الغيثي لأول مرة على خشبة المسرح في عرض كوميدي هادف حمل عنوان “أبو جراح” ومنذ تجربته الأولى المتواضعة عشق الغيثي المسرح، لمس تفاعل الجمهور، استشعر انعكاس الأداء، أحس بالتواصل الحي، لتتوالى بعد ذلك طلبات هذا العرض المسرحي وغيرها من العروض المسرحية التي شارك فيها الغيثي بحب وشغف وعشق.
قد يظن الكثير أن من بدأ المسرح وعاش شغف التمثيل من المفترض أن يواصل العطاء في هذا المجال، إلا أنه وللأسف، ما أن انتهى الغيثي من الدراسة حتى تبدد الشغف، وانتهت حياته المسرحية بعد تقديم عروض كثيرة لصالح جهات متعددة، وكما يقال “يا فرحة ما تمت”، ولهذا الاعتزال أسباب كثيرة أدت، وغيرها من الأسباب، إلى اعتزال عدد كبير من المسرحيين ومنهم الأكاديميون كما سنذكر لاحقا، فكيف ننقذ المسرحيين من هذا اليأس –إن صح التعبير؟ّ!

بلا مردود

وحول اعتزال هيثم الغيثي المسرح قال: “من أبرز أسباب الاعتزال أن المسرح في السلطنة للأسف الشديد بلا مردود مادي، ولا أريد أن يعتقد البعض أنني مادي ابحث عن المادة فقط، فلو كان المسرح يغطي المصاريف التي أبذلها لربما واصلت طريقي في المسرح، فأنا من ولاية صحار، والأعمال المسرحية غالبا ما تتركز في محافظة مسقط والولايات المجاورة لها، وذلك مكلف، فتمكث في مسقط أو غيرها من الولايات المحيطة عدة أيام تبحث فيه عن مسكن ملائم أو أن تذهب يوميا من وإلى صحار، إضافة إلى مصاريف النقل والتفرغ من الأشغال الأخرى، كل ذلك بلا مقابل وإنما بدافع الحب والشغف، ولكن مع تكرار هذا السيناريو يصبح من الصعب الاستمرار بلا مقابل مادي يفي حتى بالمصاريف، بمعنى مختصر المسرح يستنزف مني ولا يعطيني، وهذا من أبرز أسباب التوقف، خاصة وأننا –منذ أيام الدراسة قبل العمل- من أسرة ميسورة”.
وتابع الغيثي: “من الأسباب الأخرى التي أدت إلى الاعتزال غياب الفرق المسرحية الحاضنة للمواهب في كافة الولايات، لا أنكر أن هناك فرقا مسرحية حاضنة للمواهب ومن أبرزها فرقة الدن المسرحية، التي قدمت لي دعوة للانضمام لها، ولكن اعتذرت لذات الظروف، فلا يمكن أن انتقل إلى ولاية سمائل بين حين وحين للمشاركة في البروفات أو الأعمال المسرحية، ولو افترضنا أننا سنشكل فرقة مسرحية في صحار، تبقى ثقافة الجمهور هنا بعيدة عن المسرح، وبالتالي لن تحقق الهدف من الأعمال المسرحية”.
واختتم حديثه الغيثي قائلا: “الالتزامات تقتل المسرح، وهذه من أبرز الأسباب كذلك، فظروف العمل خاصة في القطاع الخاص تسلب من الوقت الكثير، وحقيقة قد أعود ذات يوم إلى المسرح إذا كان المسرح في السلطنة بلا محسوبيات وبلا تكاليف عديمة المردود وإذا صنعنا في عمان شباك تذاكر يحول المسرح من فرجة فنية ثقافية يغلب عليها الجانب التطوعي إلى فرجة فنية ثقافية ذات مردود مجزٍ”.

غياب الأكاديميين

غياب الفرق المسرحية في صحار، وتمركزها في مسقط وما جاورها هي من أسباب اعتزال هيثم الغيثي للمسرح، ولكن كيف هو الوضع بالنسبة للمسرحيين من أبناء محافظة مسقط، هنا جمعنا الأوراق لتكشف عن اسم لامع وقوي من أسماء المسرح، وهو الإعلامي عابدين البلوشي، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية بدولة الكويت تخصص تمثيل مسرحي وإخراج، ففي دردشة عابرة مع الفنان عبدالحكيم الصالحي ومع عابدين البلوشي، أخبرني الصالحي معاتبًا عابدين، بأنه ممثل مبدع ومسرحي قوي قلَّ نظيره في المسرح، موجها سؤاله لعابدين، “متى تعود إلى المسرح، يجب أن تصعد الخشبة من جديد، فمثلك مكسب كبير للمسرح العماني وغيابك خسارة”.
تلك الكلمات حدت بي للتوجه إلى عابدين البلوشي بالسؤال عن أسباب الاعتزال وهجرة المسرح فقال: “إذا جئنا نتحدث عن المسرح، فأين المسرح في عمان؟ وأنا أجيب بأن المسرح كانت بداياته بتشجيع من الأندية، مثل النادي الأهلي، فأين هذا الحراك اليوم، الفنانون خرجوا منه ولم يبق أحد، وغيرها من الأندية، إضافة إلى ذلك أين مسرح الشباب اليوم، ذلك المسرح الذي كان يعتبر من أكثر المسارح حراكا ونشاطا، ففي كل شهر هناك عرض مسرحي، وأين مهرجان المسرح العماني وأين مهرجانات الفرق المسرحية، كل ذلك لم يعد موجودا كما في السابق، ولذلك أسباب كثيرة من أهمها الجانب المادي، سابقا التكاليف أقل واليوم تكلفة المسرحية مبلغًا وقدره، إضافة إلى أن الدورات التدريبية في المجال المسرحي كانت موجودة في أيام مسرح الشباب وشاركت بها شخصيا، وكانت دورات ذات فوائد كبيرة تفتح أبوابها لكل من يملك الموهبة بشكل مجاني ويحاضر فيها خريجون من المعهد العالي للفنون المسرحية مثل الاستاذ طالب كحيلان والاستاذ عبدالله الريامي والاستاذ خالد الراشدي وغيرهم من الاساتذة الأكاديميين بمشاركة الاستاذ طالب محمد و الاستاذ أحمد البلوشي المخرج والكاتب، وذلك قبل حوالي 20 سنة، حينها كان المسرح مشتعلا، أما اليوم فكلنا يرى وضع المسرح في عمان، أين المسرح الذي يفتح أبوابه للجمهور؟ هل يمكن أن نقول إن مسرح التربية والتعليم يعتبر مسرحا للعروض المسرحية؟ الحقيقة أنه مسرح إلقاء، نفتقد لمسرح مثل مسرح قصر البستان أو مسرح دار الأوبرا، ولكنها مسارح خاصة، والسؤال هل وزارة الثقافة والرياضة والشباب تملك مثل هذا المسرح لتنشيط الحراك المسرحي في عمان؟ عندما نملك مسارح مثل دولة الكويت ودولة الإمارات حينها سيكون هناك حراك مسرحي في عمان وستتجلى اشتغالات الفرق المسرحية”.
وتابع عابدين قائلا: “من أسباب العزوف عن المسرح غياب الدعم، الدعم مهم جدا، فالشاب عندما يذهب ويستهلك من جهده ووقته وماله لدعم الحراك الثقافي، بالمقابل يجب على الجهات المعنية الحكومية أن تقدم الدعم لتنشيط الحراك الثقافي، وأتحدث هنا عن دعم حقيقي وليس دعما رمزيا لمصروف الجيب فقط، اليوم تتحدث عن مبلغ 50 ريالا أو 100 ريال من سيأتي ويشتغل بشكل حقيقي ويقدم لك عملا أصيلا أكاديميا، وقد يقبل البعض هذا المبلغ ولكن قد نرى مستوى غير لائق، وحقيقة أقول بأن هذا المبلغ غير مجزٍ بتاتا والأولى لي كمسرحي أكاديمي أن أبحث عن مصدر دخلٍ آخر غير المسرح الذي يستهلك من وقتي وجهدي الكثير الكثير، وأرى أن الأجر معقول 200 إلى 300 ريال لكي يعمل معك ممثل مسرحي لمدة شهر كامل، الجانب المادي مهم جدا”.
واسترسل قائلا: “البعض قد يقبل بما دون 200 ريال، وهم شباب جميلون وربما يقدمون عملا جميلا ولكن انطلاقا من كونهم هواة للخشبة، وليسوا أكاديميين، لذلك عندما تأتي بأكاديمي وتريد منه أن يشتغل فيجب أن تخصص ميزانية ملائمة، وإن غابت تلك الميزانية فإنني أخشى على الجانب الثقافي أن يموت، فيجب أن يكون هناك دعم مادي لإحياء المسرح، ويجب أن يعود المهرجان بجوائزه القيمة، وأخيرا عندما أتكلم عن نفسي عندما أتخرج وأكون أكاديميا مسرحيا ولا أجد بيئة اشتغال مع أكاديميين ولا أجد الحافز المادي الذي يليق فشيء طبيعي أن أبتعد عن المسرح، وهذا حال الكثير الذين توجهوا للإذاعة والتلفزيون وهجروا المسرح”.
واختتم عابدين بنظرة تفاؤل إذ قال: “رغم ذلك ننظر بتفاؤل للمرحلة القادمة في ظل العهد الجديد تحت قيادة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق –حفظه الله ورعاه- وبإشراف صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم بن طارق وزير الثقافة والرياضة والشباب إذ نتأمل كمسرحيين ومحبين للمسرح أن يعاد تاريخ المسرح وتُنشأ المسارح الوطنية وتعود المهرجانات الكبيرة لتنشيط الحراك المسرحي بالسلطنة”.
.
.
موضوع إجباري
.
.
وشاركنا في الحديث عن هذا الموضوع رئيس فرقة صلالة الأهلية للفنون المسرحية خالد الشنفري، حيث قال: “موضوع اعتزال أو ابتعاد المسرحيين عن خشبة المسرح إجباري قبل أن يكون قرارًا شخصيًا، من اعتلا خشبة المسرح يجد نفسه فارسًا مغوارًا، والمسرح إن حقنك بإدمانه لن تجد له علاجا، فكل من ترجل من خشبته فإنما هو مجبرٌ ومرغوم، وهنالك أسباب كثيرة لهذا القرار، أولها أن المسرح يجب أن يكون من تشريعات الدولة، بحيث يسهم في التربية والسياحة ويكون رافدًا اقتصاديًا ويفتح أبوابا للعمل من خلاله، بحيث العرض المسرحي يمكن أن يشغل ما بين ٢٠ إلى ٥٠ فردًا، وفي الأعمال الخارجية تصل إلى ما يتجاوز الـ ٢٠٠ فرد، هنا يجب أن تعي الحكومة أهمية هذا القطاع والدور الذي يمكن يقوم به، وهذا الأمر يأخذنا إلى موضوع أهم بسبب عدم وجود الطرف الأول أصبح المسرح لا يقدم لك المادة المطلوبة، وكما هو معلوم فإن التحضير لعمل مسرحي واحد يتطلب أن يستقطع المشتغل من يومه، فعندما لا تجد ما يسد رمقك ويعيلك في مصروفك ستضطر أن تبحث عن وظيفة وتزاحم الناس بأعمالهم، لو كان هنالك اهتمام بالمسرح لجلب الوظائف والأشغال، ويقولون في الأثر الطيب (ابحث عن الرزق عند تزاحم الأقدام)”.
وحول سؤالنا عن عما إذا كان هناك معتزلون من المنتسبين لفرقة صلالة المسرحية قال: “هناك سوء فهم، فلا يوجد من اعتزل وهو منتسب للفرقة كاعتزال صريح، ولكن الذي يحدث هو ابتعاد، وأغلبهم يتجه من التمثيل ويطلب أن يكون إداريًا أو استشاريًا بالفرقة وهو اعتزال غير مباشر، نحن كفرقة صلالة المسرحية نحاول جاهدين إرجاع المسرحيين، فالشخص المسرحي كالسيف إن لم تحده يصدأ، أنا شخصيا استشعرت الموضوع وأرجعت العديد ممن ابتعدوا عن المسرح وعلى اثره كنا نقيم في كل عام ملتقى الفرقة وهو عبارة عن تجمع لمدة ثلاثة أيام تقام به اسكتشات وفنون تشكيلية وفقرات خاصة بالفرقة، بالمختصر على كل شخص يقدم موهبته الخاصة مهما كانت، وأيضا هناك العشاء السنوي، وكل ذلك بهدف تقريب المنتسبين من الفرقة في أجواء متنوعة رسمية وغير رسمية، وأخيرا يجب أن يكون للمسرح والمسرحيين حقوق وقانون يضمن حقهم”.
.
.
الفنان المسرحي مختلف
.
.
وشاركنا الحديث الناقد المسرحي بدر النبهاني، حيث قال: “عندما نتحدث عن الفنان المسرحي فإننا أمام فنان مختلف تمامًا عن أي فنان في مجال آخر، نحن أمام فنان مثقف لا يمكن أن يتنفس في كل الأوساط ولا يمكن أن يبدع في تيار لا ينتمي إليه، لذلك سرعان ما تجد المسرحي صاحب الفكر والمحموم بهموم الناس وقضاياهم يختفي تماما ثم يظهر عندما يجد بيئة مناسبة للظهور، بينما في المقابل هناك الكثير من مدعي الفن والمندفعين إلى المسرح إما سعيًا وراء شهرة لا يوفرها المسرح في هذا الزمن، أو سعيًا وراء المال الذي لم يوفره المسرح يومًا ما، أو سعيًا وراء رغبات تافهة أخرى وفور اكتشاف أن المسرح لا يوفرها تجد ذلك الإنسان يبتعد سالكًا طريقًا آخر لتحقيقها، الفنان المسرحي الحقيقي لا يعتزل لكن المساحة تضيق به عندما تمتلئ بسرعة بمدعي الفن ولا يجد نفسه بين تلك المجموعة التي تدفعها دوافع مختلفة عن تلك التي دفعت به إلى المسرح، نحن ندرك تمامًا أن المسرح يتسع للجميع كما تتسع الحياة لكن الكثرة ليست دائما الدليل على أن المناخ المسرحي مناخ صحي، لا يمكن لذلك المسرحي صاحب القضية الحقيقية أن يعتاد البقاء والتلون أو أن يجرب دائمًا التكيف مع مختلف الألوان الموجودة والحقيقة أن شيئا فشيئا نجد الوسط المسرحي يصبح وسطًا يتكدس فيه باحثو الشهرة ومدعو الفن والمتكسبون وهؤلاء بدورهم قد يختفون من على الخشبة بسهولة فور نيلهم ما يسعون إليه من متابعين في العالم الافتراضي الذي بدوره يوفر تلك الرغبات التافهة بسهولة ودون عناء، العمل على مسرحية تتطلب جهدًا بالغًا في من كتابة النص إلى تشكل الفضاء المسرحي مرورًا بكل هموم وهواجس طاقم العمل الذي قد يعمل لأشهر طويلة دونما التفكير في عوائد مادية، كل ذلك أصبح يتجنبه مدعو الفن، فبمقطع سريع من على كرسي سيارة وبحركات سخيفة أو نكتة خادشة أو حكمة مسروقة قد ينال أي شخص شهرة واسعة وبسرعة، ومنها يلج إلى عالم الإعلانات التي يحقق هدفه المادي البسيط، مدعي الفن هذا يعتزل المسرح غير مأسوف عليه ولا يمكن أن يقاس غيابه بغياب المسرحي الحقيقي والذي أؤمن تماما أنه إذا ما وجد مناخًا مسرحيًا حقيقيًا ومجموعة ينتمي إليها فكريا سيعود،، لا بد أن يعود”.
.
.
الحد الأدنى من الدعم
.
.
وللمخرج المسرحي الزميل طاهر الحراصي رؤيته بهذا الموضوع، إذ قال: “العمل المسرحي عمل جماعي وله متطلبات كثيرة منها تهيئة البيئة المناسبة لخلق حراك مسرحي و ذهني ونفسي يتمثل في الحضور الذهني للمشتغل في المسرح، لذلك الهواية والشغف دون إيجاد بيئة وقاعدة مناسبة غير كافية إذا ما دعمت بأسباب وحوافز الاستمرار وتنشيط الحراك المسرحي، وهذا لا يعني توفير كل ما يلزم لكن عدم توافر الحد الأدنى منها يثقل كاهل المسرحيين ويدفع بهم للعزوف عن الاشتغال المسرحي لما فيه من استنزاف لطاقاتهم الجسدية والذهنية والمادية، حيث التدريب المستمر في مساحات غير مهيئة للتدريب وتحمل تكاليف إقامة العروض، كل هذا القتال في سبيل تقديم العرض المسرحي يستنزف الحالة الذهنية للمشتغل فيحول دون تقديم العرض كما رسمه طاقم العمل في أذهانهم”.
واسترسل الحراصي قائلا: “أسباب اعتزال المسرحيين كثيرة ومختلفة ولا يمكن إجمالها في سبب أو اثنين، ربما تظهر أن أكثر حالات العزوف عن الاشتغال تعود لأسباب مادية، فَيُقال دائما على لسان المسرحيين (المسرح ما يأكل عيش) فلا وجود لعائد مادي مستمر، يمكن أن تكسب مكافأة في عرض أو اثنين، لكن إجمالا لا توجد عوائد مالية مجزية للمشتغلين في المسرح إضافة إلى أن شح دور العرض أو المسارح لا يسهم في ظهور الممثل المسرحي بشكل جيد ومستمر لذلك يبدأ الممثل في البحث عن وسائط أخرى تتمثل في التليفزيون وصفحات التواصل بحثا عن الظهور المستمر وبحثا عن النجومية، إضافة إلى أن التليفزيون وصفحات التواصل لها عوائد مالية أفضل مما هو عليه في المسرح، بينما يحبذ البعض الظهور خلف الشاشة لانتشارها وسهولة تناقلها”.
ويختتم الحراصي حديثه بوجهة نظر يقول فيها: “من وجهة نظري أن إيجاد بيئة مناسبة ومحفزة الاشتغال من حيث توفير قاعات عرض وقاعات مناسبة للاشتغال إضافة وأجور مناسبة سواء كانت دعما يقدم للفرق المسرحية أو الاشتغال على مسرح شباك التذاكر بحيث تصبح الفرق قادرة على تغطية تكاليفها إلى حد ما، كل ذلك كفيل بأن يحافظ على المسرحيين ويبقيهم ضمن إطار الحراك والاشتغال”.

https://www.omandaily.om/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح