مسرحية Tounés لأحمد أمين بن سعد .. معركة وطن …و… وطن المعركة …؟

24659

«القديم يحتضر والجديد لم يستطع أن يولد بعد « ـ أنطونيو غرامشي ـ

ما هو مختلف إذن ؟
المختلف هو أنك تدخل قاعة المسرح لمتابعة عرض مسرحي يحمل اسمك وانتماءك وجغرافيتك ، وحتى إن لم تكن بشغف المسرح فهذا الاسم لك والتعرّف على ذاتك من خلاله ربّما يصبح دافعا قويّا..

تأخذ مكانك وسط قاعة احتشدت بالحضور وتنتظر انطلاق العرض ، كان الركح عاريا مقفرا من الديكور والإكسسوارات التي غالبا ما تكون أول ما نصافحه قبل بداية الأحداث المسرحية .
صوت أظنه صوت المخرج يوجه تحية إلى أسماء حاضرة بالغياب ، العفيف لخضر ، محمد الصغير أولاد أحمد… تبدأ «تونس» في طقوس تعرّيها أمام الجمهور الحاضر ..
يبدأ العمل في صمت يوحي بأن الكلّ هناك من أجل «تُونسِهِ»
كيف سيراها ؟
أو هو كيف سيقدّمها لنا المخرج ..؟

سبع ممثلين ، لماذا الرقم 7 ؟

هل هو عرضي أم لأنه لايزال حاضرا في مجريات تونس اليومي ؟
ممثلون تتقارب وتتباعد بينهم الأعمار المسجلة على مضمون الحالة المدنية.

أجيال مختلفة تلتقي على ركح قاعة الفن الرابع
جمال المداني ( هدّار ) منيرة زكراوي ( تبدأ سمانة وتنتهي نصفها سمانة وبعضها جنينة ) سهير بن عمارة ( يمنى ) علي بن سعيد ( أديم ) أمل عمراوي ( عسلة ) أديب حمدي ( مرجْ) ربيع براهيم ( جبل )

أسرة تونسية من عمق المجتمع التونسي ،تنشأ في «حومة شعبية « وتشتغل بالفن الشعبي « مزاودي «
اجتماعيا هي على هامش المجتمع وفنيا هي أيضا على هامش الفنون في منطق الرؤية النمطية والتفاضلية للفنون .

سمانة ويمنى ومرجْ وجبل وعسلة وأديم كتلة من الأجساد وسط السواد والأزير يتقدّمهم هدّار بلباسه الأبيض ، في حركة بطيئة ومكثفة ومصمّمة ، وهنا أسأل عن الإيحاء الرمزي للاسم «هدّار « اسم لا يوحي بالتصنيف الجنسي فلا هو اسم ذكوري ولا أنثوي ، هو الصوت ربّما في صيغة الجمع والاستمرار .فمن يكون «هدّار « في مسرحية «Tounés» هل هو الفكرة ؟
هل هو الكلّ ( المجموعة ) ؟
هل هو فرد وشخص بعينه ؟

الإيحاءات كلّها تؤدّي إلى أنّ صوتا انطلق في هديره وغيّر المشهد العام في تونس الوطن وتونس المسرحية ..حيث تبعثر الممثلون على الركح بتسمياتهم وتناقضاتهم وصراعاتهم .
الأسرة الشعبية التي بالكاد تعيش على مردود « المزود «أفرزت كلّ هذه التناقضات الفكرية والصراع الإنساني :

التطرف الديني.. والتهميش الاجتماعي
التطرف الديني في أقصى مراحل التطرّف ( أديم) ، التطرف الديني لا أريد أن أجازف وأقول المعتدل ولكنّه يبدو كذلك ( عسلة ) ، التهميش الاجتماعي ( مرجْ) ، اليسار السلبي المتعالي ( يمنى ) الولاء للنظام المخابراتي الذي لازال قائما ( جبل ) ، الصمت الثائر( سمانة )وهنا يجعل المخرج أحمد أمين بن سعد كلّ الأطراف في مواجهة بعض البعض ومحاسبة بعضها البعض فتنهار الأقنعة أمام الرابط الدموي ( الإنساني) وتتقيأ الحقائق فتحيلنا المسرحية على حقيقة لا نعلمها إلى هذه اللحظة على الأقل بشكل « رسمي « وأعني بذلك اغتيال المناضل اليساري الأممي شكري بالعيد من قبل التيار الديني المتطرف والنظام المخابراتي الذي لم يرحل بعد .

تمضي المسرحية وسط الدماء ( دماء للوضوء وللاغتسال) والقتل والجثث ورائحة الموت ليصل بنا المخرج إلى لحظة مربكة ومصيرية لحظة الولادة ، لحظة ذكرتني بقول أنطونيو غرامشي « القديم يحتضر والجديد لم يستطع أن يولد بعد « :

القديم الجديد نلمحه في شخصية «هدّار» وربما هنا ، «هدّار الفكرة «، هدّار صوت الشعب ، هدّار المشروع الإنساني الأممي ،»هدّار» الحُبلى « ( أحد اللحظات المربكة في المسرحية) بالكلمة بالرأي بالفكرة بالمشروع في تونس، الذي لم يكن قادرا على تأمين المسار ، منه وبدفع من «يمنى « ورمزية اليسار المتعالي الفوقي الحالم ( الطوباوي ) إلى ولادة جديدة .
يلد «هدّار «من «سمانة » الصمت ـ فتكون «جنينة « اليد ، المرفوعة إلى الأعلى ، الصمت الذي كان في اتجاهات عديدة يحاول الصعود إلى الأعلى و لا نراه ينطق إلا على مشارف انتهاء العرض حين يتحايل عليه القديم مرافقته فترفض وتخيّر البقاء ، القديم «هدّار « الذي يعود في شكل طيف ولا يخبرنا عن الهناك بعد الموت ولا يتحدّث لغة اللاهوت هو فقط يعود ، وكأني بالمخرج لا يرى حياة خارج هذا الأرضي أعني أرض تونس.

مع الولادة العسيرة تتزامن محاولات التطرف الديني والقيام بعملية تفجير واستهداف الفكر والفن ويقرّر ( أديم) الشخصية الدينية المتطرّفة إقناع ( عسلة ) التي أجبرتها غربتها وسط أسرة يشقها الصراع والاختلاف والتهميش والفقر ( لو كان موش المزود رانا جعنا على لسان الأخ الأصغر مرجْ) (المزود كبّركم وقراكم بصوت الأب هدّار) إلى الذهاب مذهب التطرّف الديني والاجتهاد لقتل الحياة داخلها ، ولم تفلح ، حيث نراها على مدى العرض تتحسّس جسدها وخاصة شعرها ، وفي أكثر لحظات الطقوس الدينية المفترضة ( طقوس الوضوء والاستعداد للصلاة ) تتذكر الرقص وتتمايل بجسدها المقموع داخل لحاف أسود ..

«عسلة « الشخصية الدينية المتطرفة منذ بداية المسرحية توحي لنا بأنها مجبرة على هذا التطرّف وبكونها نتيجة واقع اجتماعي بيئي مهزوم ، فتقرّر لحظة الحسم والتفجير التراجع عن ذلك وتتمرّد على « أديم « الموغل في العمل الإرهابي . وتعمل على إقناعه وإثنائه عن التفجير وتستفز فيه ملكة التفكير وتتهاوى تركيبة اللغة اللاهوتية من فم «عسلة «وتترك مكانها إلى لغة عامية، لغة الحياة فتنزع لحافها الأسود وتتقدم وتقول :

(يحسابو سكاتي ضعف ، الموت أرحم من العيش في هذا البلد الذي يخلو من الإيمان والحبّ )
ودلالة الإيمان هنا واضحة ولا أعتقد أنها دلالة دينية .. فيفكّر ، الإيمان والحبّ أدوات التفكير هنا ،و تجعله أيضا «يمنى» و»جنينة « يفكّر وبتردّد كبير نتابعه من خلال الوقوف على مساحة منهم وفي حركة ذهاب وإياب باتجاههم وبعيدا عنهم يفكر ربما ، وينخرط في الكتلة ..
وتكون « ارضى علينا يا لميمة رانا موضامين … رانا أولاد صغار…» وهي لحظة شاهقة في الاعتراف بالتقصير والعجز أمام الدور تجاه الأم ، الأم ( الوطن ) ..

مشروع مسرحي في الساحة الوطنية
بعد هذه القراءة ـ ولا أدّعي النقد المسرحي هنا ـ للعمل المسرحي أسأل أسئلتي الأهمّ ربّما .
هل تؤسّس» Tounés « للمخرج الشاب وكاتب النصّ أحمد أمين بن سعد مشروعا مسرحيا في الساحة المسرحية التونسية ؟
هل أجازف وأعتبر المخرج رائد التأسيس لمسرح الشعب ؟
هل يمكن القول أننا أمام مسرح المقاومة ؟
أسئلتي تأتي استنتاجا من جملة من المعطيات التقنية ربما:

1) عمل مسرحي يقوم على البساطة واستهجان الملابس والديكور والإكسسوارات وحتى في عدد الممثلين كعمل يمكن اعتباره إلى حدّ كبير عمل ضخم لا بالمفهوم التقني ولكن بالمفهوم الأدبي الفنّي .

2) الاعتماد على العامية بل هي من عمق العامة كنقيض للغة اللاهوت بما هي قوانين وأخلاق وكنقيض أيضا للفصحى بما هي لغة « المثقفين والانتليجنسيا «بالرغم من توظيف اللغة الفرنسية في بعض المشاهد ولا أستطيع الحسم هنا إن كان المخرج قد تعمد ذلك وأراد القول أن اللغة العربية ليست لغة علوم أم هي إشارات إلى حضور الثقافة الفرنسية في ثقافتنا التونسية ومخيا لنا الشعبي التونسي ؟

3) تتناول المسرحية الثقافة الشعبية لا بوصفها مادة تراثية للاختبار بمجهر السوسيولوجيا والانتروبولوجيا بل كمادة حياة ولغة إحياء وتواصل فهل هي دعوة للعودة إلى المسرح الإغريقي ( مسرح العامة ) إن صحت العبارة ، المسرح الذي يشاهده الآلاف ويعرض في الساحات الكبرى والملاعب الرياضية
أسأل وأفترض رهان المخرج على هذا المشروع وأستحضر تجربتين في المسرح والفكر :

• التجربة الأولى للكاتب المسرحي عضو الحزب الشيوعي الجزائري كاتب ياسين والمسرح الثوري وانخراطه في المقاومة الشعبية الجزائرية:
كما أستحضر جامعة الفلسفة الشعبية ومؤسسها Michel Onfray
والسؤال المهمّ أيضا ، هل بإمكان المخرج أحمد أمين بن سعد المراهنة على هذا المشروع إذا افترضنا رهانه فعلا على ذلك ؟

أسأل وأعتبره سؤال مهمّ لأنّ المناخ العام في تونس ليس كما كان عليه ما قبل الثورة ، والتجارب المسرحية المتفردة ما قبل الثورة كتجربة المخرج الفاضل الجعايبي والفنان توفيق الجبالي مثلا كان المناخ العام مناسبا للتفرّد ، حيث الكلمة المقموعة والصوت المهزوم ومساحات التعبير مفقودة ، فالمتفرّج ما كان في الأساس معنيا بالتقييم الفنّي على أهميته ولا بطبيعة المشروع وأهدافه كثيرا ، كانت تلك ربّما هواجس النقّاد بينما يسعى المتفرّج إلى عمل يعبّر عنه بطريقة ما وينتصر لهزيمته بطريقة ما ، يقول عوضا عن المتفرّج ما لم يستطع قوله وهو ما لا يتوفّر لمخرج عمل «Tounés».

فهل بإمكان المخرج وكامل فريق العمل بعد هذه المصافحة الأولى للجمهور ، وهو في أغلبه جمهور نوعي أن يستمرّ في الانخراط داخل شرائح اجتماعية كبرى ويمسّ فئات عمرية متكونة من تونسيين معنيين تماما كما العمل بـ تونس الوطن .؟ هذا ما سنكتشفه من خلال العروض …

جليلة عمامي

http://www.lemaghreb.tn/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.