مسرحية «مواطن».. تفوق مخرج بقصة «إنسان»/نيفين أبو لافي

«مواطن» عمل مسرحي من الوزن الثقيل، من حيث الافكار التي يحملها هذا العرض من وصف لحال المواطن العربي بكل اشكاله، وسط التطرف والارهاب والتشرد وقتل حلم الطفولة، وان كان هناك امل يلوح بريقه من بعيد، حيث كتب هذا النص قاسم مطرود وأخرجه عبدالعزيز النصار الذي استطاع ان يقدم رؤية اخرى بعين المخرج، وبدا واضحا ذلك المجهود الذي بذله واشتغاله على النص وكأنه اعده من جديد، فكانت مشاركته ضمن فعاليات مهرجان الكويت المسرحي باسم فرقة مسرح الشباب.
منذ اللحظة الاولى للعرض حبس الجمهور انفاسه وتغرغرت بعض الاعين بالدموع وهي تشاهد قتل البراءة في تعبير مسرحي جميل جدا، فرأينا الرصاص يهتك امن الصغار لتنطلق بالونات باللون الاحمر كناية عن الدم المباح هنا وهناك، وسط اصوات التكبير التي احتملت كل المعاني ما بين تكبير الايمان، والصلاة والتكبير للجهاد الحق، وتلك التكبيرات التي لا تمت للدين بصلة والتي يختبئ الارهاب تحت عباءتها.

◗ حل الشفرة
لا يمكننا الحديث عن قصة العرض دون فك لوغاريتماته وحل الشفرة لحواراته، فهو عبث اعتمد على الرمزية في كل مشاهده، حيث يدور بين اربع شخصيات احداها لمواطن بريء يبحث عن الامن ويحمل في طياته صورا لكل الناس، بينما الشخصيات الثلاث الاخرى هي لارهابيين ممن عاثوا في الارض فسادا يحاولون جهدهم جر هذا المواطن الى برك الدم واستباحة حرمة الامنين، فتبدأ المحاولات في استمالته اما بترهيبه او ترغيبه حتى نجده ما بين الموافق والرافض، فقتل الناس من وجهة نظرهم اما بجهلهم وطمس العلم وكسر اقلامهم او استغلال المفكرين والفكر والتكنولوجيا لانحراف خلقهم وتطرفهم، او بتكميم الافواه كي لا تنطق بالحق، او من خلال استعبادهم من اجل لقمة العيش فيصبحوا تبعا لاي جهة كمرتزقة من اجل المال والمأكل والمشرب، وهذا ما تجلى في المشهد الذي شهدناهم وكأنهم كلاب تلهث وراء لقمة رماها احدهم لهم فيتربع على ظهورهم بفعلها.
هذا المواطن هو ذاته الذي يعيش في الوطن العربي من مشرقه الى مغربه بهمومه وتساؤلاته، والذي يحاول الغريب شق الصف بينه وبين اقرانه حتى لم يجد وسيلة سوى تمزيق هذا الوطن الى اشلاء وبعثرة احلام الطفولة، الا ان الام التي ولدت هذا المواطن من رحمها ستبقى الام الحانية التي تضعه بين يديها وتحميه من كل الدخلاء وهذا ما تجلى من المشهد الذي ظهرت فيه حنان المهدي كفيديو مسجل، كأم تتحدث لابنها وهو كناية عن الوطن الذي لا يمكن ان يتخلى عن ابنائه.

◗ سينوغرافيا حاضرة
سينوغرافيا العرض المسرحي كانت حاضرة بجدارة في العرض، بل كانت بمنزلة رؤية اخرى للنص، فقد اكتسى الفضاء المسرحي الثوب الاسود كما هو الحال في ارض الدمار والموت والتشرد، وتوسطته ثلاث نخلات ترمز كل منها الى جزء من الوطن العربي «دول المغرب، منطقة الخليج العربي، بلاد الشام»، وكانت جذوع النخلات جافة مصفرة والتي ما ان عجز الارهابيون عن دفع المواطن للقتل حتى وضعوا الحل الاخير امامه وهو تمزيق هذا الوطن الى اشلاء، بعد ان فرقوا النخلات الثلاث عن بعضها في رؤية اخراجية رائعة، كانت تكفي لوصول الرسالة للمتفرجين بشكل مؤثر وفعال، والتي خاطبها الممثل بأمه لكونها تمثل الوطن.
ولم تكن المؤثرات الصوتية مجانية في العرض، فقد اعتمدت على العزف الحي الى جانب الاضاءة، التي وظفت بشكل صحيح واعتمدت على اللونين الاصفر والاخضر، في اشارة الى السلم والخوف معا، الى جانب تسليط اللون الابيض على شخصية الحدث.
وقد جاءت ازياء الممثلين مطابقة لطبيعة كل شخصية، حيث ارتدى الارهابيون الزي الاسود وبدت خيوط على مقدمة ملابسهم وكأنها جزء من هيكل عظمي، بينما كانت ملابس المواطن باللون الرمادي تبعا لواقعه ومستقبله ذي المعالم غير الواضحة، وهي اقرب الى ملابس المشردين هنا وهناك لكونها لم تكن بحالة جيدة.

◗ عمل دسم
لقد نجح المخرج عبدالعزيز النصار في تقديم عمل دسم للجمهور الذي شعر بالملل في بداية العرض لبطء رتم الاحداث، الا ان هذا التصرف كان مقصودا لشحن الحاضرين تجاه الخشبة والثورة على شخوصه، وقد قدم تفسيرا جميلا للحدث الواقع بادوات ومفردات رمزية وظف من خلالها سينوغرافيا العرض لتلعب دورا في الحدث، وقد عاشت الشخصيات صراعا من جانبين الاول لدى المتطرفين الذين يعيشون صراع البقاء، وان رغب احدهم في العودة عما هو عليه فان واقعه قد تغير بعد ان فقد والديه اللذين كانا ايقونة الحياة بالنسبة اليه، اما المواطن فهو يعيش صراعا داخليا ما بين محاربة التطرف والبحث عن لقمة العيش والحفاظ على ارثه من الاخلاقيات والكرامة.
شارك في العرض المسرحي عبدالله الحمود، علي الششتري، محمد فايق، حسين الحداد، ديكور محمد الرباح، أزياء فهد المذذن، إضاءة عبدالله النصار.

المصدر/ القبس

محمد سامي / مجلة الخشبة

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.