أخبار عاجلة

مسرحية مارتير لفاضل الجعايبي هل كان الشيطان على حق؟ – وليد دغنسي #تونس

 

مسرحية مارتير لفاضل الجعايبي
هل كان الشيطان على حق؟
ياله من عالم غريب هذا الذي لا يتوقف عن خداعنا أبدا ،ويالشقاء الإنسان في بحثه العبثي عن الحقيقة،مالحقيقة؟ إنها دوّامة القدر المعاكسة لاراداتنا جميعا فهي تطحن داخلها آمال الطهر والخلود والنقاء وتؤثث لمعارك ضارية تحتل الذوات وتفتك بها، فهل مازال للمسرح اليوم دور أمام كل هذه العتبات المكبلة للخيال والخانقة للعقل الحر.؟
تأتي مسرحية *مارتير*لفاضل الجعايبي كامتداد طبيعي لأعمال سابقة دأبت على إثارة السؤال وتحريك السواكن ودفعها للاحتجاج والرفض وخلخلة منظومات الإستعباد ورهن الإنسان وإمتهانه في كرامته وخصوصياته ونذكر مثلا :تسونامي، خمسون، الخوف،والعنف غير أن هذا العرض الجديد إتخذ لنفسه شكلا مختلفا ومجدّدا ينسجم مع موضوعه الشائك والذي يتطلب طاقة إبداعية خارقة أفلح شباب المسرح الوطني في نقلها بسلاسة وقوّة فبرهنوا بجلاء على جدوى التكوين بالمدرسة بعد أن نالو ثقة فاضل الجعايبي خلال فترة التحضير ،بدأ العرض هادئا متزنا الا أن شيئا ما خطيرا كان ينذر بالحدوث كعروض فاضل الجعايبي دائما المتقنة فنيا وتقنيا وفق جماليات مسرحية معاصرة، أحد اليافعين يدخل مكانا نكتشف فيما بعد أنه مسبح في مدرسة، يتلو تمتماته وينخرط في طقوسه ممسكا بيده كتابا كان واضحا من تشبثه به أنه عزيز عليه، هذه البداية الغامضة سرعان ماتبينّا أصولها ووقفنا على إستتباعاتها لتنهال الأحداث سريعا وتتكشف شخصيات العرض تباعا وننطلق في لعبة غاضبة تحكمها الهستيريا والغوغاء بشكل ممنهج أُقحمت القاعة بجدرانها وجمهورها فيها بشكل مستفزّ ،ويقف على طرفي هذه اللعبة قطبي الرحى :المدرسة في رمزيتها العلمية والمعرفية من جهة، والكنيسة في أسرارها الكثيفة، ورهبة الموت المنبعث من سقفها الملوّن بلوحات الحساب الآخير وعيون مايكل أنجلو ترقب القلوب في خشوعها المخادع ، وهي مؤسسات تتدخل مباشرة في صناعة العقل وتوجيهه، ولعلّ فاضل الجعايبي اليوم قد قرّر خوض معركته الرئيسية دون قفازات أو تورية في مواجهة شرسة لواقع دموي يمضي في الانتشار والتغلغل يراه ماثلا أمامه كلّ يوم، فرمى بشخصياته في أتون الصراع المحتدم بين التطرف الديني وما يحمله معه من شعوذة وخداع وعنف، وبين العقل المفكّر الذي يكافح حتى لايفقد العالم توازنه ويبقي على بصيص من الأمل في الإنعتاق، وفي خضم كل هذا تنهار مؤسسة العائلة بعد أن أنتجت دون قصد أو معرفة قنابل موقوتة كانت عقولها قد حشيت بكل أنواع الكراهية والتكفير ورفض الآخر والإحساس بالتفوّق الزائف، ونعتقد أنّ صناع العمل كانو على دراية تامة بما هم مقبلون عليه بالنظر الي حساسية الموضوع ألا وهو التطرف الديني، وإختراقه لكل الحدود الجغرافية حتى صار في كل مكان تقريبا وبات واقعا مفزعا وخطرا، فمن ينتجه؟ ومن يروّج له؟ ومن يرعاه؟ ومن يدعمه؟من أرسل هؤلاء المغيبين إلى حقول الموت؟ لماذا يرفض هذا الشاب كل مظاهر الحياة؟و لماذا يحمل صليبه وينخرط في مناجاة المعذّب؟ لماذا يستطونه شعور الضحية ويرغب في الانتقام؟هل هو الشهيد الموعود بالفردوس؟. يتوّج كل هذا الشحن العاطفي والنفسي وهذا الإغراء الدافق الذي توفّره الكنيسة بالقتل،، القتل الذي يراه بطل العرض خلاصا ومسؤولية له، وتخليص للعالم من شرور الزنادقة وآثامهم بعد أن إستنفذ محاولات تغيير العالم بلسانه فمرّ إلى إلى تغييره بيديه ،وفي نظره فإن الخطيئة الكبرى هي التي ترتكبها المعلّمة بترويجها لافكار داروين المحرّمة وجاليلي المنبوذة، وهي شخصية تكافح بلا هوادة من أجل إنقاذ جيل تائه ، فكانت حجر العثرة والعنصر المضاد لمشروعه في التوسع وإستقطاب زملائه فكان همّه هو إزالتها من طريقه، هكذا كان الخوف مخيّما على الركح والانتقام متحفّزٌ مع حركات أوس الزبيدي (بطل العرض) المتثاقلة، وصوته الجنائزي حتى أنه إستطاع أن يصل إلى أقصى درجات الصدق فأدّي ببراعة متناهية وتمكّن لافت من دوره وخاصة عندما قرّر أن يكون مسيحا جديدا فرفع الصليب وإتخذ مكانه رغم صرخات المعلمة اليائسة من إنقاذه من سرطان تغلغل في روحه وإستعبده في مشهد مسرحي سينطبع حتما في ذاكرة المسرح التونسي،هذا طبعا دون أن ننسى المجهود الإستثنائي للممثلة المنفلتة كلارا الهوى الفتي، و كذلك مالك شفرود خاصّة (في دور المعوق) الذي يتعلّق يائسا ببركات” يسوع “المتمثّل في جسد” بنيامين” ، وإنتظار أن يطيل الربّ ساقه عبر الدعاء والتعاويذ، وهنا نفهم أن الخرافة والدجل قد إستوطنا عقل المجتمع وأستسلم الناس كعادتهم إلى الفكر الغيبي، وإنهارت الدولة بعد أن تخلت عن دورها في الردع والمراقبة وفقدت السيطرة تماما، وفسحت المجال واسعا لرهط غريب إستغلّ فترة الإنهاك ليقتنص لنفسه حظوة وتأثيرا في أوساط واسعة من شباب هجر الدراسة وإتّخذ المساجد طريقا نحو الجنّة المشتهاة، هؤلاء الشباب الذين باتوا يمثلون رصيده التعبوي وجيشا متأهبا إذا ماإستدعت الأوضاع،، إنه الشيطان الميتافيزيقي رمز الشرّ الذي لطالما حذّرونا من غوايته في صغرنا، الشيطان ينفرد بالعظمة والخلود كما حلم بذلك، حيث يفرّخ يوما بعد يوم أتباعا جددا ويورث الخراب والعتمة ويتزايد مريدوه في كل مكان فكان مشروعه منذ البداية حقيقيّا أمام الإله فلم ينطق أبدا عن هوى ولم يكذب *وعزّتك وجلالك لأغويّهن جميعا الاّ عبادك منهم المخلصين* ولهذا كان مجتهدا في عبادته الكثيرة حتى فاق الملائكة، فأيّ متاهة صنعت لنا ببراعة ؟وهل ترانا ننجو منها؟ ، ربّما،، فكأنّنا في ظلام عميم علينا إنارته أو لننطفئ معه إلى الأبد.
الشارع المغاربي
https://acharaa.com/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح