مسرحية «ليلة معومة» للمخرج التونسي جمال المداني عندما ينقل المسرح صراع الفنان بين أحلامه الإبداعية ومتطلبات الواقع الصعب

 

تونس ـ «القدس العربي»:  «ليلة معومة» هي المسرحية التي عرضت ضمن فعاليات مهرجان «باردو فاست» للمسرح والذي انطلق خلال الشهر الحالي في دار المسرحي بباردو غير بعيد عن مقر البرلمان بالعاصمة التونسية. أراد مخرج العمل والمشاركون فيه ان يكون العمل تحية لروح المسرحي التونسي مكرم نصيب الذي رحل وهو في أوج شبابه بسبب فيروس كورونا، وكذلك من خلاله تحية لكل المسرحيين الذين ما زالوا يناضلون في رحلة الإبداع والرقي رغم كل الظروف الحياتية الصعبة التي زادتها جائحة كورونا صعوبة. والعمل من إخراج جمال المداني ونص محسن بن نفيسة وتمثيل لبنى نعمان واكرام عزوز ومحمد علي المداني، اضاءة يزيد بلهادي وصوت محمد صالح المداني، ملابس جليلة مداني وادارة إنتاج للمياء المليتي.

«ليلة معومة» تعني في اللغة العامية التونسية الليلة الممطرة كثيرة المياه التي تكاد تغرق كل شيء، ويحيلنا عنوانها أيضا إلى عمل مسرحي آخر خالد وشهير في الذاكرة التونسية وفي تاريخ المسرح التونسي هو «غسالة النوادر» التي عرضت قبل أكثر من أربعة عقود. وغسالة النوادر هو مصطلح قديم منذ العهد القرطاجي معروف في تونس ويطلق على الأمطار الموسمية التي تنزل في أول فصل الخريف من كل سنة فتطهر الأرض من الجراثيم والأمراض والأدران والشوائب، وتغسل معها الذنوب وكل آثام فصل الصيف التي ارتكبها بنو البشر وذلك حسب المعتقد القرطاجي القديم، وتنزل هذه الأمطار بغزارة شديدة تحديدا في أواخر آب/أغسطس وبداية أيلول/سبتمبر.
وتتماهى شخصيات العمل المسرحي «ليلة معومة» مع شخصيات وأبطال مسرحية «غسالة النوادر» من خلال ترداد أقوال بعض الشخصيات الهامة والمحورية في المسرحية في هذه المسرحية الشهيرة في تاريخ المسرح التونسي. فمن زمن «غسالة النوادر» إلى «ليلة معومة» تبدو معاناة الفنان واحدة ومتواصلة وهو في رحلة بحثه لتحقيق مجده المسرحي وفي الآن نفسه يجاهد من أجل تأمين متطلباته المعيشية في ظل المردود المالي الزهيد الذي يقدمه العمل المسرحي الملتزم.
لذلك ليس صدفة ان يختار مخرج العمل ان تكون انطلاقة المشاهد ونهايتها على إيقاع الأغنية المعروفة في تونس «عاش يتمنى في عنبة (حبة عنب) مات جابولو عنقود (الكثير من العنب) ما يسعد فنان الغلبة إلا من تحت اللحود» أي أن المجتمع التونسي لا يكرم الفنان إلا بعد وفاته. وهي أبيات بالعامية لم ينقطع عن ترديدها الكاتب والأديب التونسي علي الدوعاجي وأصدقاؤه من جماعة أدباء وفناني مقهى تحت السور في ثلاثينات القرن العشرين، والتي كانوا يشكون من خلالها حظ الفنان في المجتمع الذي يعيش حياته وهو يتمنى ان يحصل على «حبة عنب» وهو معنى مجازي للمكافأة مقابل الجهد والإبداع، ولكنه لا يحصل عليها إلا بعد وفاته عندما يتم تكريمه.
تنقل مسرحية «ليلة معومة» معاناة الفنان التونسي في مسيرته المهنية والإبداعية وما يواجهه من متاعب وتحديات اجتماعية واقتصادية تجعل النفس الإبداعي يقاوم بصعوبة من أجل الاستمرار والحياة. فالمطر هنا الذي يملأ الساحات والأزقة التونسية القديمة هو مطر الحياة والفرح وبنفس الوقت يترجم الصعوبات التي يتعايش معها الفنان وتهطل عليه بين لحظة وأخرى. وقد زادت هذه المعاناة بسبب فيروس كورونا الذي خيم بكابوسه على كل نواحي الحياة في البلاد ولا سيما قطاع الثقافة وجعل شبح البطالة يهدد الفنانين والمسرحيين الذين يقاومون صعوبات الزمن بالإبداع.
فالمسرحي هو إنسان لديه متطلباته العائلية وقد أحيل على البطالة الاجبارية زمن كورونا بسبب توقف الأعمال المسرحية والنشاطات الثقافية، الأمر الذي أجبر عائلات بكاملها على مواجهة أصعب الظروف مقابل منحة زهيدة من وزارة الثقافة لا تسمن ولا تغني من جوع. وهذا ما حاول العمل المسرحي ان ينقله ويعكسه فليس هناك أفضل من الفنان المسرحي ليعبر عن معاناة أقرانه.
وتدور المسرحية حول ثلاث شخصيات رئيسية ، نور الدين وهو المسرحي الذي يؤدي دوره الفنان القدير اكرام عزوز وزوجته أحلام التي تؤدي دورها الفنانة لبنى نعمان، والشخصية الثالثة يؤدي دورها الفنان محمد علي المداني، وهي شخصية غامضة تبدو هلامية بمظهرها الغريب وملابسها العتيقة وهي تارة تسرد تفاصيل وأقوال شخصيات معروفة في عالم المسرح التونسي أو العالمي مثل شكسبير، وتارة تصبح هي نفسها الأفكار التي يعبر عنها البطل نور الدين، وهو في أوج تخيلاته الهلامية التي يهرب من خلالها من واقع الحياة المر. فيتحول المسرح المهجور إلى الملاذ الآمن للمسرحي ويعيش فيه هائما مع عالم الشخصيات المسرحية المعروفة مثل عطيل بطل إحدى الروائع المسرحية لشكسبير.

فمن المسرح تولد أمام نور الدين شخصيات وعوالم أخرى تتكسر فجأة على أرض الواقع، على وقع صوت زوجته أحلام، التي ظلت تبحث عن زوجها المسرحي المفقود منذ 10 أيام بعد ان تركها تعاني وحدها مع أولادها ظروف الحجر الصحي. وهنا يدور الحوار بين الشخصيات المحورية ويعكس هذا النزاع بين أحلام ونور الدين الصراع الداخلي الذي يعيشه الفنان التونسي بين ما يريد ويحلم به وبين الواقع المعيشي المأزوم. ويتقاطع هذا الحوار مع ظهور «الشبح» أو الشخصية الغامضة التي تضفي على المسرحية بعدا آخر.
على مدى حوالي ساعة و18 دقيقة ينقل المخرج جمال مداني تفاصيل وملامح الصراع الذي يعيشه المبدع الفنان سواء كان مسرحيا أو ممثلا عاديا أو غيره في واقع صعب. وذلك في ظل المسؤوليات العائلية التي تثقل كاهله والتي لا يمكن لعالم المسرح ان يلبي كل متطلباتها.

رسائل

ويوضح جمال المداني مخرج العمل لـ«القدس العربي» قائلا: «إن المسرحية تحكي معاناة الفنان التونسي زمن كورونا». ويضيف «ان الرسائل كانت واضحة وجلية في هذا العمل، ففي ظل تطور نمط حياة الإنسان بشكل عام أصبحت متطلبات الفنان كثيرة خاصة مع وجود بيت وعائلة وأطفال. فالمسرحي الملتزم بالقضايا الكبرى والأفكار العميقة التي تطور الإنسان، يجد نفسه اليوم في وضعية صعبة للتوفيق بين أحلامه وطموحاته من جهة ومستلزماته الاجتماعية الحياتية من جهة أخرى. والسؤال المطروح هو هل يبقى الفنان محافظا على التزامه؟ أم يتجه اتجاها آخر مثل أغلب الفنانين الذين اختاروا المسرحيات الخفيفة الضاحكة التي تستجيب لرغبات الجمهور فقط لكي يستطيعوا الحصول على مردود مالي يؤمن متطلبات الحياة؟ وبالتالي يصبح دور المسرحي الملتزم، سلبيا في البرامج التافهة التي لا ترتقي بالعقلية والذهنية وتروج للتفاهة، وهنا هو عمق المشكلة». ويتابع «فمن يستطيع اليوم ان يعرض أعمالا على شاكلة أعمال شكسبير أو سوفوكل الإغريقي مثل عطيل وأوديب بكل ما تطرحه هذه الأعمال من عمق خاصة عندما يكون المسرحي قد تربى على مبادئ وقيم أساسية ترتكز على كون المسرح قادرا ان يغير الإنسان، ويكون فيه دور الفنان أساسيا في تنمية ذوق المحيطين به».
ويواصل المداني حديثه بالقول: «لكن يجد الفنان نفسه أمام خيارين إما أن يفكر في حياته الاجتماعية ويؤمن لنفسه مداخيل هامة والنزول بالذوق العام استجابة لما يريده الجمهور أو التمسك بفنه الملتزم الذي لا يوفر به ما يسد الرمق». ويضيف: «من يجرؤ اليوم على عرض مسرحية لشكسبير حيث الحضور غالبا ما يكون ضعيفا، بينما نجد في العروض الفردية أو ما يسمى بـ«وان مان شو» قرابة 30 ألف متفرج وربما أكثر. والمفارقة ان من يؤدي هذا النوع من الفن غير الملتزم تصبح له قيمة اعتبارية ويدلي بدلوه في قضايا المجتمع ويوجه الرأي العام. كل هذا يجعل المسرحي الحقيقي ضائعا ومشتتا ولا يعرف كيف يواجه هذه الموجة من التفاهة».
وعن صعوبات عرض مسرحية «ليلة معومة» زمن كورونا أجاب محدثنا: «واجهتنا صعوبات تتعلق بالتمارين إذ اضطررنا للانقطاع عديد المرات بسبب الحجر الإجباري. وبدأنا نتدرب على هذا العمل منذ سنة 2018 ولكن موجة كورونا جعلتنا نتوقف مرارا وقدمنا أول عرض للمسرحية في شهر رمضان الماضي ثم العرض الثاني الفعلي كان خلال هذا الشهر في إطار فعاليات مهرجان «باردو فاست».
ويؤكد محدثنا ان لبنى نعمان التي تؤدي دور أحلام هي ممثلة قديرة وصاحبة صوت جميل ومطربة من الفن الراقي ووضعيتها الحياتية تشبه إلى حد كبير موضوع المسرحية. فهي فنانة موسيقية وزوجها كذلك فنان موسيقي وفي زمن كورونا توقفت كل مشاريعهما الثقافية. وكذلك الشأن بالنسبة إلى الفنان اكرام عزوز، فهو مسرحي ويعيش المعاناة نفسها والتي واجهها أغلب المسرحيين الملتزمين في زمن كورونا والحجر المنزلي.
أما الشخصية الثالثة في العمل فيؤديها الفنان محمد علي المداني الذي يبدو بمظهر غريب ولباس قديم غير مفهوم، ويقول المداني لـ«القدس العربي» إن هذا الظهور كان مقصودا، فالشخصية غير مفهومة ولا يُعرف ان كانت حقيقية أو انها من خيال شخصيات العمل. ويمكن ان تكون إحدى الشخصيات الهاربة من المسرحيات الكبيرة ومن الأرواح التي لا تزال تحلق فوق المسارح القديمة المهجورة. وهنا يترك مخرج العمل للمشاهد استنتاج الرسائل التي أراد إيصالها من خلال هذه الشخصية الغامضة.
في المسرحية نجد اقتباسات من أقوال بعض شخصيات روائع شكسبير مثل عطيل واقتباس من شخصيات مسرحية «غسالة النوادر» وبين «ليلة معومة» و«غسالة النوادر» تبقى معاناة المسرحي التونسي واحدة ومتواصلة، والهواجس تبقى هي نفسها. إذ ليس من السهل ان يتمكن الفنان المسرحي من تحقيق إبداعه في ظل ظروف مادية صعبة.
كما ان المسرحية تنتقد بعض الظواهر اللافتة التي اجتاحت المشهد الإعلامي المرئي التونسي مثل ظاهرة «المعلق التلفزيوني أو الكرونيكور» أو ظاهرة النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي «الانستغراموز» والتي باتت ظواهر تخطف الأضواء وتنشر التفاهة بعيدا عن العمق الذي تحتاجه مجتمعاتنا لتخطي أزماتها وصعوباتها والرقي بالوعي العام المجتمعي.
ان المسرح هو مرآة المجتمع، وكما كانت «غسالة النوادر» مسرحية محورية في الذاكرة التونسية وأثرت بشكل كبير في المجتمع قبل عقود، فإن «ليلة معومة» تحاول ان تحاكي انعكاس هذا الضوء القادم من عمق المسرح التونسي وأصالته بكل تجاربه ورسائله ودلالاته لتطرح الأسئلة وتشرح الواقع بكل تفاصيله الإيجابية والسلبية.

روعة قاسم

Home

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح