مسرحية “ليالي خريف”  لسيرين أشقر.. تناوب تياري الأمل واليأس – تحسين يقين #فلسطين

الخريف
غلاف نص مسرحية “ليالي الخريف”

مسرحية “ليالي خريف”  لسيرين أشقر.. تناوب تياري الأمل واليأس – تحسين يقين #فلسطين

ارتباط الشعورين الواعي والمنتمي: جسد المنفية وجسد الوطن

عودة الروح هل تتحقق مع الوطن في التحولات العاصفة

من باريس إلى القاهرة في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي والمعاصر2017، إلى عمان في مهرجان المسرح الحرّ 2018، إلى بلاد أخرى، سيخلد النص في الذهن، وهو الآن بين أيدينا نصا مفتوحا، كقصة ومسرحية بل وشعر أيضا.

“هي قصة امرأة حبست في مستشفى الأمراض العقلية، محاولة التحرر من شغف حب لم يعد. أودت العزلة ببطلة المسرحية لرحلة داخلية تتمرجح خلالها بين ذكريات قصة حب، والطفولة، ومحاولات للإحساس من جديد بحب الحياة ورغبة العيش.  لذلك تحاول بطلة المسرحية، عبر عودتها لأرض الوطن الذي هجرته أن تشعر بنبض الحياة ورغبة العيش من جديد؛ فقد أرادت المرأة التائهة مزج جسدها مع الأرض التي ربتها، باحثة في براعم الورد المتفتحة عن ذكريات طفولةٍ جميلة ونبضٍ جديد. ولكن تحدث الصدمة عند عودتها، الى الوطن، حيث تكتشف أرضا مختلفة عن تلك الّتي تركتها وراءها قبل الهجرة، أرضا أنهكتها الحروب وغمرها الدِّماء.

أدب ومسرح، تأثرت سيرين أشقر بلغة المخرج الإيطالي “بيبو دلبونو” كما تأثرت بقلم الكاتبة “مارغوريت دوراس”. لقد صرخت، همست، حكت الكاتبة عبر ليالي خريف حيرة القلب وهواجس الجسد.”

لم نبعد عما كتب على صفحة الغلاف، بل أزعم أننا اقتربنا من ذلك التوصيف؛ فعلى ضوء الاغتراب، شكلا ومضمونا، وعلى ضوء تضامن المغترب مع مكانه الأصلي الذي يعاني من الاستلاب، تفارق الروح الجسد، أو هو يفارقها، فيصبح الإحساس المادي به معرضا للاستلاب أيضا، فلا راحة ولا اطمئنان روح تمنح الجسد شعورا بالوجود، كما ينبغي له، انها حالة الانسجام بين المتعة الروحية والوجود الجسدي، والذي يأخذ مداه حين يتجلى في اللذة الحسية. هو إذن جسد المغتربة/المنفية وجسد الوطن.. وشعور التفاؤل الحذر والتشاؤم.

لعل الكاتبة والفنانة والمخرجة المسرحية المقيمة في باريس سيرين أشقر تتفرد هنا في تلك النظرة، التي ترى أن وجود الانسان لا يكون كاملا الا في وطنه، ولن يبلغ منتهى الروعة الحسية والمعنوية بدونه، حيث لا يتأنسن الوطن فقط، بل المنفي/ة أيضا..

“مُلَمْلِمَةً كياني بأكمله/ لِرَقصةِ جَسَدِه/ تِلكَ الَّتي تُرجِعَني كلَّ ثانيةٍ إلى صورَته/ المحفورة على نهدي/على جَسَدي”

لأجل ذلك استلزم مضمون الأشقر اللبنانية المغتربة خارج بلدها شكلا (جسدا) فنيا، تجلى في نصوص مميزة، يمكن أن تكون شعرا منثورا، أو مونولوجات درامية، أو مونودراما، تقع ما بين نشيد الإنشاد في العهد القديم، ونشيد إنشاد توفيق الحكيم، وآلهة الأرض لجبران خليل جبران، كأمثلة نستحضرها هنا.

وهي نصوص مسرحية بشعرية عالية وفلسفة إنسانية عميقة، يمكن أن تشكل مضمونا لرواية يتم بناؤها من هذا المنظور، أو لوحات راقصة.

أبدعت الكاتبة في التعبير عن الهاجس الذي ما أن يختفي حتى يعود، بل ليصبح الهاجس-القلق.. حتى اللحظة الأخيرة، مراوغا بين الأمل واليأس، لدرجة المزاوجة، فلا نستطيع فعلا تغليب أحدهما على الآخر.

وهو هاجس وجودي تجلى في سؤال الحب والوطن معا، عبر مونولوجات مهاجرة.. هذا التردد الإبداعي-النفسي، يرينا تعبير الكاتبة للنوازع الداخلية الملحة إلى آخر مدى؛ فليس هناك ضمانة لشيء هنا، ونحن نتحدث عن أمرين، هو والوطن، الذين يمران في حالة تحولات دائمة. لعله خريف.. وأي خريف! ربما من هنا جاء الاسم والعنوان: ليالي خريف..

ما بين خلاص إنسانة النص، وخلاص موطنها الأصلي، يكمن دورها وجوديا في الالتزام تجاهه، وهو فعل يذكرنا بإيزيس في تجميع جسد أوزوريس:

سوف أجمَعُ أجزاءَ بِلادي جِزئاً بعدَ جِزء.

ثمة بحث عن خلاص الذات جسدا وروحا، ووطنا: مكانا وزمانا، تزداد دوائر ماؤه لتصل الى أول البرّ، كاتجاه انساني، ينطلق من قلب امرأة وعقلها، في خلاصها النبيل النابع ليس من خلاص المرأة فقط، بل العالم، بما تشكل المرأة من مركزية في الروح والوعي والشعور والخلق.

المرأة مرتين، فالرواي، فالمرأة فالراوي، فالمرأة مرتين، يفصل المرة الأخيرة يوم جديد.

نحن إزاء خمسة مونولوجات، تجمع ما بين الخطاب والدعاء والسرد، تضمن كل مونولوج وعيا وشعورا تجاه الحياة والوطن والجسد، من خلال لغة إبداعية، حملت بلاغة الشعور لا التكلف، وبذرت حبوب الوعي، من خلال تفكير نقدي شمولي، تجاه عناصر الحياة.

وثمة ما يربط كل جزء بالذي يليه، كذلك كان لدخول الراوي أيضا أثر في الوصف الداخلي والخارجي معا، كأن هناك علاقة وثيقة بينهما، كونه يشهد ويشاهد ويروي، في رواية متضامنة لا محايدة.

هو سرد شعري فلسفي، مونولوجات تتضامن لتشكل ما يشبه المونودراما..

وقد تجلت تلك الرحلة الوجودية-العاطفية في اللوحات التالية:

المونولوج الأول للمرأة

تبدأ بمخاطبة من جنس الدعاء والطلب، لسيدة ليالي الشوق (آلهة الحب) بأن تبعدهم (من غير تحديد) عن جسدها.

“يا سيِّدة ليالي الشَّوق

أرجوكِ بأن تبعديهم عن جسدي”

تلبية لشعور الحنين، حتى ولو وهما، أو قفصا، معبرة عن الحب تجاهه (الحبيب-الوطن) على أمل اللقاء بالرغم ممن يحول دون ذلك، وصولا لفكرة صوفية ما، او لنقل تماهيا بين الحبيب (الانسان-الوطن) كأن تحقق كل منهما مرتبط بالآخر. ثمة صوفية ما، او لنقل تماهيا بين الحبيب (الانسان-الوطن) كأن تحقق كل منهما مرتبط بالآخر.

ثم يتلو ذلك طلب العودة للوطن جسدا..

“أرجوكِ بأن تعيديني إلى الأرض/ لكي أرقص حرَّةً تحتَ سماءِ بِلادي/لكي أمشي حرة تحت أضواء شوارعنا القديمة/تحت سطوح يختبئ فيها الأمل..”

فالعصفور يفضل خيوط الماضي

العصفور يحن لقفص الماضي

إذا كانَ حبنا وهْم/ َخذْ جَسَدي إلى أرضِ الأوهام، وأحِبني هُناك

….

لقد حضنتُ جسدَه مرّة أخرى في الليلةِ الماضية/ ولكنَّ الحيَّ غدا فارغاً من أمثالنا/

فمُغتَصبو ليالي الشَّوق قد ملأوا الطرقات

أنام على أملِ لقائهِ غداً”

أذن كان المونولوج الأول ملخصا للشوق والحنين لوطن حر، فيه يحيا جسد حر أيضا.. لكن ثمة رمزية وترابط بين الجسدين هنا: الجسد وجسد الوطن، وهما إن تحققا فعلا، فإنهما سيمتلكان للروح.

المونولوج الثاني لها:

ولأجل ذلك الشعور، فهي تشعر بالقلق النفسي والجسدي والروحي بل والوجودي، معمقة لتلك العلاقة بين جسدها والوطن، متحدثة عن تفاصلهما معا، لعل ذلك يشكل عودة معنوية للوطن، تكون مقدمة لعودة حقيقية، التي ما زالت جنينا في الأحشاء، وهكذا يتعمق الأمل بوجودهما معا: الحبيب والوطن، محروسين في الذاكرة:

“زوبعةٌ تسكن جسدي

تدورُ، فترسُمُ حركات دائريَّة في رأسي

مُلَمْلِمَةً كياني بأكمله/ لِرَقصةِ جَسَدِه/ تِلكَ الَّتي تُرجِعَني كلَّ ثانيةٍ إلى صورَته/ المحفورة على نهدي/على جَسَدي

لقد سَمِعْتُ صوتَ طفلَنا في الليلةِ الماضية/ لكنَّ السَّرير ما زال فارغاً، والطِّفلُ ما زال يرقد في أحشائي

لقد سَمِعتُ خطواته في الليلةِ الماضية/ ولكن الحيَّ قد غدا فارغاً من أمثالِنا/ فمُغتصبو ليالي الشَّوق قد ملأوا الطُّرقات /لقد محَيْتُ النَّهار وأبْعَدْتُ الليل تارِكةً للذاكرة مكاناً

أنامُ على أملِ لِقائهِ غداً

أنامُ على أملِ لِقاءِ أرضي غداً”

تدخل الراوي:

يصف الراوي هنا حالها، عن بوحها، من خلال رمزية التعريّ، والعصافير، ثم تكرار الحالة:

“ها هي تتعرى فترقص وترقص وترقص/ يتناغم مع الموسيقى فتنطق لغة سحرية

جسدها ينزف/ يجنّ/ ثمَّ ينزف فيرسم خيوطاً بدمه

العصافير تصفِّق لرقصةِ الجسد/ ها هي تنام من التعب/ الموسيقى تتلاشى وقت النوم/ ثم تحاول من جديد/”

في حين تواصل الاشتباك مع الذاكرة حضورا وغيابا،

تحاول نسل القصة من خيوط الماضي/ ثم تهرُب منه ومن الذاكرة/ تحاولُ نفي الذاكرة/ ثمَّ تهرُب من الذاكرة

وفي ظل إشكالية الحب هنا، فإن ثمة مشاعر مختلطة تتعانق، مغرية بالهروب:

“قوانينُ العشق تتخطَّى فهمها/فتصرُخ/تمل/تختبئ/تهرب/وتمل/ تحاول محو بصمات الماضي الحزين/تهرُب من وجعِها لفقدانه/ تهرب من لحظات نشوة ربطتها/ بالحياة صراخا.”

لكن الراوي هنا، وهو المتضامن معها، يتحدث بصراحة عن إمكانية التحقق:

“تقف أمامه/ فهي ما زالت تملكه لبعض اللحظات/ستصرخ للمرة الأخيرة، هذه الليلة/ لتسمع الأرض صراخها/ فيعود إليها صدى”.

المنولوج الثالث

“لقد توقَّفت اليوم عن الكتابة/فتحت باب منفاي وهربت/عبرت الطُّرقات مازجة جسدي بتراب الأرض

لقد مشيت، حافية القدمين، حافية الرُّوح/ لقد تعريت، فعريّ الروح يحرر الصرخات الأسيرة…

مشيت ومشيت ومشيت نحو طريق أجدادي/فوجدت أجساداً بلا حياة/ أرواحاً مبعثرة على الطُّرقات

في محطَّات القطار والباصات/في المقاهي/ وفي الحارات

أرواحاً تتسلَّى كلَّ يوم بمواجهة الموت/تستيقظ كل صباح لتعد الخسارات/ تخترق سواد الليل هاربةً من ضوءِ نهارٍ لم يعُد”

كأنها فعلا والراوي معا أو واحدا أو قدرا، وهكذا فقد انسجمت مع هذا الحال، وهي هنا في تناوب ما بين اليأس والأمل، لذلك اختتمت المونولوج ب:

“لقد جلست/فذاب جسدي على ترابِ الأرض/لامَستُ براعمِ َ الحياة النَّابعة من الأرض/ لقد عانقت الأرض”

الراوي يعود مجددا:

“ها هيَ تغرقُ من جديد في بحرِ دموعِها/ تحاوِل الهرب من شوقها

هاربة من ليالي الشتاء القارص/هاربة من ليالٍ هجرها شعاع الأمل

وأسدل عليها شبح الموت خيوطه”

في روايته الصادقة، يذكر مشاعر الألم في الشوق والحنين، لكنه يتمسك بالحلم:

“ها هي تنام/ شبح الغياب يلامس جسدها، يسكن ربو

الأحلام، يتمشى فوق نهديها”

لكنه يروي أيضا عن التمسك بالحلم:

“ها هي تنام هاربة من فراغ الوجود/ فتحلم بتلك الأرض الخصبة التي ربَّتها/أرضاً واسعة، كانت تَعمل فيها/ نساءً كثيرات/الرأس متوج بوشاح حريري/الجبين عالٍ والجسد نابضٌ بالحياة/الوجه مبتسم يعكس الرِّضى/”

فلا تجده:

“تبحث عن بصمات يديه المحفورة على جسدها/ تحاول احتضان جسده في مغارتها

السرية/بين زوايا جسد أنهكه المنفى”

لكنها:

“ثمَّ ترقصُ مُحاوِلةً محو آثارَ الأيادي السَّوداء على/حيطان غرفتها وعلى أسوار مدينتها/

فتمزج جسدها مع حبرِ القلم محاوِلةً نسيان يديه..”

ويدرك الراوي الصعوبة ويكون الاختتام بإمكانية فقدان الأمل:

“وكم منَ الصَّعبِ النِّسيان/إنَّها تتنفَّسُ جسد/تمشي جسد/تهرُبُ باستمرار من جسد/تعانق شبحا/إنَّها تموتُ من أجلِه/تبكي من أجله/ها هيَ تُصارعُ موتها قُربَ مقبرةٍ في المدينةِ المهجورة/ مقبرةٍ، دُفِن فيها الحُب”

المونولوج الرابع:

تتساءل عن كل الخسارات بما فيها خسارة الذاكرة:

حبيبي، هل رأيت الخسائر البشرية؟ /هل تحس مثلي بوقع الخسائر؟ /هل تشعر مثلي برائحة الموت؟ /أأنت يقن لوقع الخسارات المتكررة؟ /ووطأة ليالي الخوف على وجداني/وعلى بلادي؟ /وتعب بلادي من خطى المارة؟ /لقد اختنق صوتي في حنجرتي/ وربما للأبد

لقد أحرقوا الذاكرة، ربما للأبد”

راثية حال البلاد:

“لو لمست أرضي، ستشعر بطعم الجفاف/لو لمست أرضي، ستدرك أن حبر قلمي قد جف/وصوتي قد تلاشى مع تلاشي أصوات قاطفات الزيتون/سأعود لزيارة البحر عما قليل، رغم عبء الموتى/في أحشائه

فبحرنا غدا مسكونا” بجثث الأرض/”

دون أن تفقد الأمل:

“سأعود لأريح البحر من ثقل جثث الأرض/ها إني أغرق في بحر الليل وأبحث/عنك وعن وطني، كما يبحث طفل مريض عن امه/”

لكن الحزن شديد:

“ها إني أذرف دموعا” شبيهة بدموع الشتاء في مدينتي/بسواد الليالي عندما تسكنها أشباح الرحيل/   بسواد روحي المتعطشة لجسدك

لقد ارتوت مدينتي من دموع العصافير/فعصافيرنا تبكي محاولة” تطهير الأرض من آثار خطى الموت/مئتي مليون ضحية حتى اليوم/عصافيرنا تذرف دموعها فوق سطوح المنازل المحتلة/فوق بساتين الليمون المسروقة

عصافيرنا غدت تختبئ في أغصان الأشجار، محاولة” تأجيل الرحيل”

أشقر
سيرين أشقر

لذلك هي في رجاء:

“لقد كتبت رسالة هذه الليلة أتوسل فيها العصافير كي تبقى/لقد كتبت لكي أحمي العصافير من هواء الطغاة

وعواصف ليالي الاحتلال/لقد كتبت متوسلة الليل بحماية العصافير/

إفناء

اختفاء”

وشكوى من الحرب:

لقد اقتحمت ليالي الحرب أوطان الشعراء

“وربما لأجل ذلك تراها تبث نداءها الأخير لطلب الخلاص:

حبيبي، ارجوك بأن تحمل جسدي، فالليل قاسٍ وطويل/

ارجوك بأن تبعد قصتنا عن الليل/انقذ قصتنا قبل ان ترافق جسدي، كما وعدت، الي مثواه الأخير/ضمد جراحي، فهي تحمل آخر علامات الحياة/احمي آخر براعم الحياة /اسمعني، فصدى الحياة في داخلي ما زال يناديك/اسمعني، فالأرض تناديك”

إنه العهد:

“حبيبي/أنا وأرضي ما زلنا على العهد

يرقص/ململما” بقايا الحياة في زوايا المدينة

لطالما حلم بليالي الحب، لطالما حلم بممارسة الحب مع يدين/لطالما حلم بممارسة الحب معه/لطالما حلم بالأرض/وبحب بلا حدود

لقد ترك لي الموسيقى، جزئاً منه

لقد ترك لي أرضه والموسيقى

يوم جديد

المونولوج الخامس والأخير

لعله الأمل، الذي بذر في البداية، وظل موجودا رغم كل الصعوبات السوداء:

“لقد حاوَلْتُ هذه الليلة إحياء شعلة قديمة كانت قد/ سكنت جسدي

لقد خطفتُ النَّهار وأبعدتُ الليل تارِكةً للذاكرة/مكاناً

أنامُ على أمل لقائه غداً/ أو بعد غد، أو أي يومٍ آخر/غداً أو بعد غد أو أي يومٍ آخر/أنامُ على أمل لقاءِ أرضي غداً”

إنها تنفض الغبار وتتحرر من الوهم وتنتصر لإرادتها:

“الماضي وهم/

الماضي وهمٌ مسموم/لقد قيلَ لي بأنَّ الماضي ليسَ إلَّا بوهمٍ مسموم/ابعِد عن جسدي كأْسَ الماضي

جسَدُكَ أرضي/جسدُك التَّائه في بحرِ الحروبِ، هوَ أرضي/جسدُك المتعطِّش للحظاتِ الشَّغَف

جسدُك المتعطِّش لكهفي”

لكن ثمة ارتباكا ما:

“ها أنا أرْتَجِف/ يديَّ ترتجِف، وجسدي غدا أسيراً للخوف/جسدي غدا أسيراً يخافُ ليالي الفراق/يخافُ على جسدِك التائه في خفايا/زوايا مدينةٍ غمرتها الحروب/لقد غطَّت يدايَ جسدك التّائه/لقد حَضَنَت يداي جسدك المجروح/لقد حضَنَت يدايَ جسدَ شهيدٍ مجروح”

الحياة..إنها تولد

ستُلامِسُ يدايَ الحياةَ من جديد غداً/ سوفَ تركُضُ يدايَ لِلُقياكَ غداً/سوف أُلقي بِيَداي نحوَ مُستَقبَلِنا غداً/ ها انا سعيدة من جديد/أنتَظِر مِن جديد/

ارتجاف أخير:

“يداي ترتجِفُ/ لَقَد لَمْلَمْتُ مسبحةً كانَت قَد تَبَعْثَرَتْ أجزائها / وصَلَّيْتْ/لَقَد لَمْلَمْتُ ثِقْلَ جَسَدي عنِ الأرض، وَصَلَّيْتْ”

وهي هنا تحفّزه:

“قُلْ لي، مَتى سَتَعود/فَإنَّ رُبوعي قَد سَكَنَها الخوف/وَيداي هجرتها الطَّمأنينة”

اجتماع الوعي والألم والإرادة:

سوفَ ألقاكَ غداً/كي أُخبِرَك/أنِّي مُنذُ أوَّلِ العهود أبكي/منذُ وِلادةِ الليل/مُنذُ وِلادة المنفى/وأنا أبكي..

أبكي أجسادَنا المحروقة في خلايا مُخَطَّطاتهم السِّرِّية/والباقي لا يهم

ها انّا أتأمَّلُ جسدك وهوَ يَختَرِق روحي/فَتُضَمِّدَ يديَّ جراحَ جسدك، جراحاً وَلًّدَتها ليالي الفراق

ها هيَ الليالي تُمْطِرُ أمطاراً غزيرة

أمطاراً خَصبة لَيلة بَعد ليلة

أمطاراً تروي ليالينا

ليلة بعد ليلة

سوف أجمَعُ أجزاءَ بِلادي جِزئاً بعدَ جِزء

سياق شعوري

لقد نبعت تلك المونولوجات من نفس واحدة، كما نبع مونولوجا الراوي أيضا؛ إننا إذن في حالة انسجام، شعوري ولغوي، حيث نسجت عملها الأدبي من فكرة وجودية المغترب، أو المنفي، وهي أكثر صعوبة وسوداوية في تفاصيلها من وجودية الحاضر. وقد رتبت بوعي ذلك البوح-التساؤل-الشكوى.. الارتباك، ما بين تشوقها لوطن حر في المونولوج الأول، رابطة بين جسد الوطن وجسد الإنسان، حيث يمكن أن تعود الروح ان تحقق هذا الشرط.

تتابع الكاتبة في المونولوج الثاني التعبير عن الشعور الملح-الهاجس، من خلال بوحها بالقلق معلنة شروط جديدة لإمكانية تحقق عودة المنفي/ة، من خلال الذاكرة كحارس للأمل. وهو تعميق لملخص المونولوج الأول. هنا يصبح للقلق مشروعية.

أما تدخل الراوي هنا، فقد جاء في سياق وصفها وهي تبوح، من خلال رمزية التعريّ، لتعميق حالة التعبير، كأن البوح هنا جماليا أيضا كحال زقزقة العصافير.

في الثالث، عمقّت التناوب ما بين اليأس والأمل، لذلك تبعها الراوي في الكشف عن صعوبات التحقق-الخلاص، فليس هناك ضمانة لذلك. وهنا تكون الفرصة فعلا قد تهيأت في المونولوج الرابع لتساؤلاتها عن كل الخسارات، بما فيها خسارة الذاكرة.

ولأن الكتابة فعل أمل وتفاؤل رغم الريح العكسية، فقد انتصرت الكاتبة هنا للإنسان، من خلال عنوان يوم جديد، كأنه فرصة دائمة للخلاص، خاصة إذا أوفى الإنسان عهده، حيث يكون فعلا الحديث عن الأمل حديثا ذا جدوى، كما حصل في المونولوج الأخير، إنه الأمل الذي كان يطل خجولا في البداية، إلا أنه يصر الهاجس.. كونه شرط الخلاص.

ثمة صوفية ما، ظلت طوال النص تجمع ما بين الشعور بالجسد والوطن كجسد مواز، ولجسد المنفي/ة أن يستعيد حضوره في الوطن.. ولو حلما.

7 مونولوجات سبعة أيام.. آن للكاتبة الآن أن تستريح.

انها وجودية المنفي ومأساته.. ولأجل هذا الالتزام النبيل فإنها أمل الخلاص.

وإنه الإبداع الفريد..

وإنها الانفراد والتفرد الإيجابي شكلا ومضمونا.

وأخيرا تنتصر للأمل لكن بصعوبة

صدرت عن دار بنتيون-باريس 2019

الكاتبة والفنانة سيرين أشقر في سطور

كاتبة ومخرجة مسرحية من لبنان، بدأت سيرين أشقر رحلتها الفنية كممثلة في عدة فرق مسرحية بعد حصولها على جائزة “الماستر” بفن المسرح بدرجة امتياز من جامعة باريس 8 الفرنسية. في عام 2010 قامت سيرين أشقر بإخراج أول عمل مسرحي لها، حيث أخرجت مسرحية للكاتبة “جويس كارول اوتس” التي عرضت في بباريس بمهرجان افينيون الفرنسي سنة 2011« je me tiens devant toi nue » 

أخرجت في عام 2013 مسرحية “هذه الأيام التي تراقص الليل” «ces jours qui dansent avec la nuit » للكاتب كايا ماكيلي. وقد حصلت المسرحية على عدة جوائز، من بينها جائزة أحسن ممثلة بمهرجان “مسرح بلا إنتاج” بمدينة الإسكندرية، ومهرجان الدار البيضاء الجامعي للمسرح بمدينة كازابلانكا.

 أخرجت سيرين عام 2016 مسرحة “ليالي خريف” أول عمل مسرحي من كتابتها، وقد عرضت المسرحية في باريس وفي القاهرة وفي عمان. في عام 2019 نشرت مسرحية ليالي خريف بدار النشر “بنتيون” الفرنسية.

لقد أنهت سيرين أشقر عملها الجديد «Inadaptés »، الذي تتطرق فيه لموضوع السجون وقد استوحت مسرحيتها الجديدة من أقوال عدة مساجين بعد إدارتها لورشة عمل مسرحي داخل إحدى السجون الفرنسية.

*تحسين يقين – ناقد أدبي وفني-القدس

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح