أخبار عاجلة

مسرحية “قاعة الانتظار1” .. تبئير في واقع الفئات الهشة – حسين أوعسري #المغرب

مسرحية “قاعة الانتظار1” .. تبئير في واقع الفئات الهشة – حسين أوعسري

        إن أهم ما ميز مسرحية “قاعة الانتظار1” لمخرجها أيوب أبو النصر التي قدمتها فرقة “شارع الفن للإبداع” ضمن فعاليات المهرجان الثاني عشر للمسرح بالأردن أنها تنتمي إلى مسرح النقد والشهادة. لقد بدا المخرج في هذا العمل المسرحي شبيها بالفوتوغرافي، حمل آلة التصوير فوق كتفه، ثم صال في الواقع المعاش، وسلط عدستها بنوع من التركيز على أربع بؤر/نماذج اجتماعية، استقى شهاداتهم وحولها إلى فرجة توثق لما يعج به الواقع من تناقضات جعلت نهاياتهم جميعا مأساوية.

       لقد نطق الممثلون الأربعة، الذين تناوبوا على تمثيل مشاهد المسرحية بشهادة أربع شخصيات حقيقية، باحوا أسرارها و”تغوطوا”([1]) معاناتها، وكشفوا عن الأسباب الحقيقية الثاوية خلف المحن التي عاشتها هذه النماذج الإنسانية؛ إنه نوع من التبئير في عوالم هذه الشخصيات، ونوع من الغوص في أعماقها، ولقد جاءت السينوغرافيا مدعمة لهذه المشاهد من خلال الظلمة والقتامة التي تخيم على العرض، ومن خلال وجود باب خشبي واحد يؤدي إلى الموت، يدخل منه الممثلون، ويجلسون فوق “حوض المرحاض” وكأنهم يتخلصون من المتلاشيات باختيار الموت سبيلا للخلاص من المعاناة، يسردون تجاربهم بنبرة قوامه الحزن والأسى والتذمر.

       ولم يكن تصميم الملابس واختيارها بمنأى عن ثيمة الموت الطاغية على المسرحية، فالملابس السوداء تزيد العرض قتامة وتضفي نزعة مأساوية على مشاهده، وتصبح الملابس أكثر دلالة وارتباطا بتصور المخرج عندما نمعن النظر في شكل الممثل الأول الذي طلع على الجمهور بصدر عارٍ مكشوف، وكأنه يؤسس لما يشبه ميثاق مع المتلقين مفاده أن العرض سيعري واقعا وسيمط اللثام عن فئات اجتماعية هشة ضحية أفكار متطرفة استغلت هشاشتها حينا، وضحية تفاوتات طبقية وثقافة أبيسية متسلطة تعرض المرأة للاستغلال الذي يتخذ أبعادا مختلفة حينا آخر، ولا غرو في ذلك كون مسرح الشهادة “يستفيد من النماذج الحية من المهمشين والمنبوذين لتقديمهم بشكل مغاير لا يراعي إلا شروط الوعي التاريخي والجمالي والفني لتمكين كلام النص من قول موضوعه والبوح بخطابه”([2]).

       ولما نحا مخرج “قاعة الانتظار1” هذا المنحى الذي نظَّر له محمد مسكين في المغرب، باعتباره أحد المشتغلين البارزين بمسرح النقد والشهادة، فإنه أراد أن يتمثل فلسفته التي تقوم على نقد الواقع وتعريته بمختلف الأدوات التي تسمح بها الفرجة المسرحية، وهو تعضده إلى جانب مكونات السينوغرافيا المذكورة لغة العرض التي تجسد سخطا إزاء واقع هش، وليست لغة مواربة ومخاتلة، بقدر ما هي واقعية وجريئة، تعادل موضوعيا حجم المآسي المؤثثة لمشاهد العرض، لا حدود فيها بين النابي والمهذب، لغة تسعى “إلى إعادة إنتاج الواقع عبر شهادات رمزية وخيالية تاريخية، تراثية، وهو واقع يفضي بنا إلى الكشف عن وعي اللغة ورموزها، وحريتها التعبيرية في تكوين خطاب الشهادة والنقد خارج التسلية المجانية”([3]).

       لذلك، لم يضحك الجمهور طوال العرض، لأن سريالية المشاهد لا تبعث على الضحك، والحرص على الإيغال في السوريالية له ما يبرره في نظرنا؛ ذلك أن الوقائع حدثت، والمآسي عيشت، والقرارت المصيرية اتخذت، والموت بطرقه المختلفة كم توحي بذلك الأحذية المترامية في محيط الشخصيات فعل حصل، وكأن المخرج يخاطب فينا ضرورة الانتباه إلى هذه النماذج، والإصغاء إلى معاناتها، والأخذ بيدها قبل أن تقدم على أفعالها. إنه ينطلق من ذاكرة استرجاعية ليؤسس لرؤية استشرافية؛ أن نبحث في ماضينا وتجاربنا أمر مهم لفهم الذات ولفهم الآخر.

       بناء على ذلك، تصير الشهادة شهادتين: الشهادة المنطلق، وهي الشهادات التي استقاها المخرج من شخصيات حقيقية قامت بالأفعال المشخصة في العرض، أو من خلاله تنقيبه عنها في الجرائد، بلورها بأسلوبه وقدمها بالشكل الذي يعكس حجم محنها ومآسيها، محافظا على مضامين الشهادة، لتشكل قاعدة أو مادة أولية للعرض؛ والشهادة الهدف كون هذه النماذج شاهدة على أحداث حقيقية عاشها المغرب في مقدمتها التفجير الإرهابي الذي عرفته مدينة الدار البيضاء سنة 2003، وغيرها من الظواهر التي تنشر في هذه المدينة الكبيرة التقطها المخرج بعين الناقد، وقدمها في أربعة مشاهد تبدو مفككة في ظاهرها، لكن ينتظمها خيط الفقر والعوز، وذلك ما يدعونا المخرج جميعا أن ننتبه إليه حتى لا نكون قساة في الحكم عليها ونحن نعيد تركيب المشاهد التي ترك أمر ترتبيها موكولا للمتفرج، وتلك إحدى خصائص مسرح الشهادة الذي يهدف “إلى الإدانة والتحريض وتحفيز المتفرج وتعبئته سياسيا وشحنه عاطفيا ودفعه إلى المناقشة والجدل والمساهمة في صنع مصيره وتغيير واقعه، وجعله متيقظا، متنبها أثناء العرض لاتخاذ موقف نقدي مما يشاهد”([4]).

       لقد أكد المخرج هذا الأمر أثناء رده على المعقبين والمتدخلين عندما قال أن “يحس المتفرج”([5]) بمعاناة هؤلاء الذين وافت المنية اثنين منهم أعز ما يطلب بالنسبة إليه. فالأهم أن نحس بتجارب هذه الفئات، ونتقاسم معها آلامها، ونلتفت إلى صراعها من أجل إثبات ذاتها، لا نتركها تواجه مصيرها حتى لا تكون نهايتها حزينة ومؤلمة بالكفية التي شاهدها من حضر عرض “قاعة الانتظار 1” الذي ستليه مما لا يدع مجالا للشك عروض أخرى تقدم نماذج وشهادات أخرى وفق المنظور ذاته: منظور مسرح الشهادة والنقد الذي يستمد مادته “من الوثائق والمحاضر والرسائل والإحصاءات والنشرات والبيانات الحكومية والمقابلات والتصريحات والمقالات الصحفية والصور والأفلام الإخبارية وغير من الوثائق”([6])، التي سَيُبَئِّر فيها المخرج الشاب أيوب أبو النصر الذي يعد مسرح الشهادة موضوع تخصصه واهتماماته، مؤمنا أن نقل وقائع الوثائق المذكورة إلى فضاء الركح أكثر تأثيرا من قراءتها ورقيا.

هوامش:

[1]))- هذا الوصف وظفه أحد المتدخلين في ندوة التعقيب النقدي التي تلت العرض، وهو وصف دقيق ينسجم مع العوالم التي رسمتها السينوغرافيا.

[2]))- عبد الرحمن بن زيدان: خطاب التجريب في المسرح العربي، مطبعة سندي، مكناس، ط، 1، 1997، ص: 254.

[3]))- نفسه، ص: 255.

[4]))- عبد المجيد بن البحري: مغامرة العلامة المسرحية، سلسلة بحوث ودراسات، قرطاج للنشر والتوزيع، صفاقس، ط، 1، 2009، ص: 42.

[5]))- لقد عبر أحد المتدخلين في التعقيب النقدي أن أحس بمرارة ما عاشته هذه الشخصيات وتأثر بذلك.

[6]) )- نفسه، ص: 41.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة