مسرحية «غربة» إخراج حمزة بن عون في افتتاح مهرجان «مسرح التجريب» في مدنين: حين تصبح العزلة وطنا …

 

الغربة غربات، كما أن الفكرة مختلفة ومتلوّنة، غربة ذاتية واخرى نفسية، غربة مجتمعية ورابعة اقتصادية

وخامسة ثورية، كلها غربات تلتحم وتتماهى لتجعل الانسان منغلقا على ذاته والاخرين.
و»غربة» عنوان المسرحية التي افتتحت فعاليات الدورة الرابعة والعشرين لمهرجان مسرح التجريب بمدنين نص وإخراج حمزة بن عون وتمثيل نادية تليش والاسعد جحيدر وتقني صوت وسام سيف النصر وموسيقى جمال شندول وديكور الحبيب الغرابي.
المحبة زاد الممثل يقنع بها وينجح:
«غربة» تبدو الحكاية بسيطة وسهلة، شيخ وعجوز بلغا العقد التاسع من العمر يعيشان منعزلين عن الاخرين، يقرران الخروج للتنزه ومن هنا تنطلق أحداث المسرحية، التي تدور حول فكرة الخروج ومن الحوار وطريقة الأداء تقدم العديد من الشيفرات التي يترك للجمهور حلها والبحث عن معانيها.
يتحركان ببطء، الأحداث رتيبة لتدفع بالمتفرج الى عوالم القلق وتدخله في تفاصيل مسرح العبث واللامعقول، حياة لا معقولة تقدم على الركح بطريقة جدّ معقولة، يقع تقمص للشخصيات حدّ التماهي في الكثير من التفاصيل النفسية والذهنية، نشاهد ذوات لشخصيات تتحول إلى حقيقة تتحرك على الركح، تيمة الصدق هي أفضل توصيف لما قدمه الثنائي لسعد جحيدر ونادية تليش فكلاهما أعطى للشخصية الكثير وكلاهما رسم شخصيته بطريقة معقولة لإقناع المتفرج بالحكاية، رغم صغر سنهما مقارنة بالشخصيات المقدمة على الركح تمكن الممثلين من شدّ انتباه الجمهور، لبسا الشخصيات وتفاعلا مع اندفاعاتها النفسية و الفكرية حدّ الانتشاء، تمكنوا من سبر دواخل الشخصيات وحفروا في اغوارها فكانا الاداء المقنع والتمثيل الجيّد هو عنوان العمل.
«غربة» هو عنوان العمل، والغربة شرّ لا بد منه، خريف العمر هو مصير الانسان، وتلك الفئة العمرية ميّالة للعزلة، عزلة تحملنا الى متاهة الفراغ، هما يبحثان عن المعنى، عن الغاية من الحياة في مسرحية ذات فصل واحد مشحونة بالكثير من الأحداث، تحكي عن الواقع من وجهة نظر مختلفة كما يقول حمزة عون مخرج العمل.
ويكتشف المتفرج انّ العمل رهان مجموعة، فالعلاقات الانسانية انطبعت على العمل، و»المحبة» و»الحلمة» كانت الجامع الأكبر بين الممثلين والمخرج لينجحوا في تفكيك النص والشخصيات وإعادة تركيبها بتلك المهارة والإتقان.
غربة «الأنا» وليدة اغتراب المجموعة
كيف يعيش الإنسان بعد أزمة الكورونا؟ كيف يشعر المغترب فكريا عن وطنه وأصدقائه؟ ايّ صلة تجمع المثقف الحقيقي بمجتمعه وأترابه؟ كيف يمكن توصيف الغربة النفسية و التي يعيشها الانسان في محيطه؟ اي غربة تعيشها دول العالم الثالث وسط التطور المجتمعي والتقني للدول الاخرى؟ واسئلة كثيرة تنطلق من الذاتي الى الانساني والكوني، اسئلة عن الفرد والمجموعة كلها تطرح في حوار الشخصيتين «نوري» و»سعيدة»، يحملان بنيان العمل المسرحي منطوقه وحركته.
كتبت الشخصيات بكل دقة، الممثلان تقمصا شخصيات في العقد التاسع من العمر، الخطوات الثقيلة، الحركات البطيئة والنسيان السريع للحدث والفعل، الإضاءة تكون بمثابة الشخصية في العمل، هي الفاصل الزمني الذي يعبر عن تسارع وتيرة الوقت، هي ايضا الحاجز النفسي بين ردات فعل الشخصيات وكذلك تتمثّل مع الذاكرة، فالإضاءة المنتشرة على كامل الفضاء تحيل الى الصفاء الفكري وسير الأحداث بطريقة عادية وكلما خفتت الإضاءة وقفت الشخصيات في «الوضع البلاستيكي» ويمحى جزء من الذاكرة والذكريات، الإضاءة ايضا دليل على توقف الحدث وتوقف الزمن عند الشخصيتين.
على الركح يشاهد المتفرج غربة الشخصيات النفسية عن العالم الخارجي» الوقت هو الوقت لكن الخارج اصبح قاسيا» كما يقول نص العمل، فقد اختار الزوجان العزلة على التعايش وسط الاخرين والتواصل معهم، اغتراب ذاتي تطور حدّ الغربة عن العالم.
هي صورة للكثير من العزلات التي يعيشها انسان الوقت الراهن، غربة المواطن عن وطنه وسياسات وطنه، غربة المسؤول عن رعيته وانعكافه على «الانا المضخمة» وتجاهل الاخر حدّ سقوطه من قائمة عمله، غربة العامل أمام توحش اقتصادي مريع،غربة المثقف والمسرحي وسط منظومة قانونية جدّ بالية وسياسات دعم تكبل المثقف عوض تشجيعه.
«غربة» أخلاقية وقيمية تقدّم بطريقة ذكية من خلال الديكور الملون بثنائيتي الأحمر والأسود لوني الموت والدم، مع حامل للملابس وجدار غير سويّ يشعرك بالغربة كلما امعنت النظر فيه ليشدك اعوجاجه وسواد لونه، كذلك عملية تكرار نفس الجملة ونفس الحركة كلها مؤشرات للنقد، نقد الانسان في علاقته المجموعة، تقد تغوّل اللاقيمة والمادة امام القيم والمبادئ، رسائل مغلفة بقصص العجوزين تنقد الراهن الذي تعيشه اغلب المجتمعات، نقد مغلف بالسخرية ووجع مخبئ بين خبايا الجمل المتناثرة.
«غربة» مسرحية تنطلق من الذاتي الى الانساني، عمل يرشح بفكرة العزلة والوجع، صورة عن سيرورة الحياة والقيم وفتح لمباحث وأسئلة حول معنى العزلة و المتاهة والعلاقة بين الانا والآخر، طرح وجودي يختزله الركح فالمسرح ومنذ الأزل كان فضاء السؤال الأرحب.

عادت الحياة إلى التجريب وعادت معها حلقات النقاش
عادت الحياة الى الركح، فتحت المسارح ابوابها وشرعت القاعات شبابيك الإبداع ليقدم المسرحيون أعمالهم وإبداعاتهم أمام جمهور يتذوق المسرح، عادت الحياة الى التجريب، المهرجان الذي بلغ دورته الرابعة والعشرين يحتفي بالفعل المسرحي المختلف والعروض ذات البعد التجريبي وميزة مدنين حلقات النقاش ذاك اللقاء النقدي-الحميم الذي يجمع الجمهور وصنّاع العرض نقاشات كانت تظل الى ساعات الفجر قبيل ازمة الكورونا لتقع المحافظة على عادة النقاش والسؤال إلى حد وقت حظر التجوّل، والنقاش ميزة التجريب، يهابه صناع الفرجة لذكاء الاسئلة وشغف الجمهور للمسرح.

 بقلم مفيدة خليل

https://ar.lemaghreb.tn/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح