أخبار عاجلة

مسرحية “شك” على المسرح البريطاني:أهجية درامية للوثوقية الدينية : د. صبري حافظ

 

المصدر : العربي الجديد : نشر محمد سامي موقع الخشبة

شاهدت مؤخرا في مسرح سازاك Southwark Playhouse مسرحية (شك: أمثولة Doubt: A Parable)، للكاتب المسرحي الأميركي المعاصر جون باتريك شانلي John Patrick Shanley. وهي مسرحية حصلت على جائزة البوليتزير Pulitzer Prize الأميركية الشهيرة عام ظهورها 2004، وعلى ثماني جوائز توني Tony Awards المسرحية في العام التالي عند عرضها على المسرح في نيويورك 2005. وقد جاءت المسرحية في حينها إلى لندن، وقدمت على مسارحها عام 2006. لكن من محاسن المسرح الانكليزي أنه يدرك أن النصوص المسرحية الجيدة ليست نصوصا وقتية بأي حال من الأحوال، ولكنها أعمال فنية قادرة على البقاء والتفاعل مع متغيرات الواقع الاجتماعي منه والسياسي على السواء. وأنه يعي أهمية مخزونه الدرامي، وكيفية استخدامه وتوظيفه كلما تغيرت السياقات، وأتاحت إمكانية إنتاج العمل القديم بتأويلات جديدة. خاصة إذا ما كانت المسرحية من نوع الأمثولة الرمزية كما يقول العنوان الفرعي لهذه المسرحية. فما هي يا ترى الأمثولة التي يريد الإنتاج الجديد لهذه المسرحية أن يعرضها علينا؟ إنه بلا شك يريد أن يدفعنا للتفكير من جديد في واقعنا الذي توشك فيه الوثوقيات الكاذبة، بدءا من تلك التي أكدت للشعب البريطاني أن الخروج من الاتحاد الأوروبي في صالحه، وبنت خطابها على حفنة من الأكاذيب؛ ووصولا إلى تلك التي يرددها علينا دونالد ترامب صباح مساء، وهو يدّعي أنه سيعيد عظمة أميركا المتدهورة من جديد.

بين فقراء المهاجرين

ولأن كاتب المسرحية جون باتريك شانلي غير معروف إلى حد كبير للقارئ العربي، سأبدأ أولا بتقديمه له. والواقع أن أول ما لفت الانتباه إلى اسمه كان فيلم (ضربة قمر Moonstruck)، الذي كتب له القصة والسيناريو وفاز عنه بالأوسكار عام 1988. لكن جون باتريك شانلي كاتب مسرحي من أبرز كتاب جيله في المسرح الأميركي. فقد ولد عام 1950 لأسرة من أصول إيرلندية كاثوليكية فقيرة، وعاش طفولته وصباه في منطقة البرونكس “The Bronx” الفقيرة في شمال شرق مدينة نيويورك، والتي كانت مترعة بالعنف والتوتر العنصري أثناء صباه. فقد كانت تعج بفقراء المهاجرين الإيرلنديين والإيطاليين، وبمناخ شديد التوتر، قريب من ذلك الذي أدار فيه آرثر ميلر مسرحيته الشهيرة (منظر من الجسر) برغم أنها تدور في الحي الإيطالي ببروكلين. وتلقى تعليمه في مدارس كنيستها الكاثوليكية المختلفة، كتلك التي تدور فيها مسرحيته التي نتناولها هنا. ولم تمكنه نشأته الفقيرة من دخول المسرح، حيث كان أول عمل مسرحي يشاهده هو مسرحية (سيرانو دي برجيراك Cyrano de Bergerac) الشهيرة لإدمون روستان في مدرسته الثانوية. ثم التحق بعدما تعثر في سنته الجامعية الأولى بالبحرية الأميركية؛ وخدم في المواقع الأميركية الجانبية أثناء حرب فيتنام. وهو الأمر الذي مكنه بعدها من الاستفادة من القانون الذي يمكّن المحاربين القدماء من الدعم أثناء التعليم، فواصل تعليمه الجامعي في (جامعة نيويورك) الشهيرة، وتخرج منها عام 1977 وهو في السابعة والعشرين من العمر. والواقع أن تلك الدراسة هي التي شدت اهتمامه إلى المسرح، فبدأ يجرب حظه فيه بعد تخرجه منها، وبعد أن كتب رواية أثناء خدمته في البحرية الأميركية، ولكنه قرر حرق مسوداتها بعد دراسته الجامعية، وتفرغ لكتابة المسرحيات وسيناريوهات الأفلام. وقد كتب حتى الآن أكثر من عشرين مسرحية، وما يقرب من عشرة أفلام. كما ترجمت مسرحياته إلى عدة لغات أوروبية. لكن المهم أنها كثيرا ما تعرض في عدد من مسارح الولايات الأميركية المختلفة، وفي غيرها من البلدان التي ترجمت إلى لغاتها؛ حيث يبلغ عدد ما يقدم من مسرحياته ثمانين عرضا مختلفا في العام.

لكن مسرحية “شك: أمثولة” هي أنجح مسرحياته بكل تأكيد، فقد تحولت إلى فيلم هوليوودي من إخراجه وبطولة ميريل ستريب عام 2008، ثم إلى أوبرا كتب هو أيضًا أغانيها عام 2012. ذلك لأنها مسرحية تعتمد على خبرة حقيقية بموضوعها، وعلى قدرة على تقطير الموضوع إلى عناصر درامية أساسية استحال معها إلى أمثولة رمزية موفقة عن السلطة، والإيمان، والمسؤولية، والقانون والتعصب، وأهم من هذا كله عن أهمية الشك ومحوريته، والذي يمنحها عنوانها. فقد أمضى هو نفسه سنوات تعليمه بمنطقة البرونكس في مدارس الكنيسة الكاثوليكية، التي يدير في إحداها مسرحيته، وكان يسكنها عدد كبير من السود. كما أن زمن المسرحية التي تقع أحداثها عام 1964، أي في العام التالي لاغتيال جون كينيدي، أول رئيس كاثوليكي للولايات المتحدة، تتوافق كثيرًا مع سنوات دراسته في تلك المدارس. ومع المناخ الفكري والسياسي القابع في خلفية ما يدور في هذه المسرحية من أحداث، وهو مناخ الصراع من أجل حقوق السود المدنية، وإساءة البيض معاملتهم، ومطالبهم بالمساواة التي تمخضت عن قانون الحقوق المدنية في أميركا الذي صدر في العام نفسه الذي تدور فيه المسرحية محرما التمييز العنصري في الأماكن والمؤسسات العامة. ناهيك عن أنه أشار أكثر من مرة إلى أنه استلهم شخصية الأخت جيمس من المدرّسة الوحيدة، الأخت مارغريت مكينتي Margaret McEntee، التي أثرت فيه كثيرا أثناء دراسته الثانوية في تلك المدارس الكاثوليكية.

على غرار بيكت

لكن دعنا أولا نتعرف على ما يدور في هذه المسرحية، قبل التريث عند ما تطرحه علينا أمثولتها من قضايا. فنحن من البداية بإزاء مسرحية بسيطة تتكون، كمسرحيات صمويل بيكيت، من أربع شخصيات فقط، تدور كلها في مدرسة الكنيسة. وهي مدرسة للتلاميذ الكاثوليك من أصول إيرلندية وإيطالية، تعادل المدرسة الإعدادية عندنا حيث يدرس التلاميذ فيها إلى الصف الثامن، وحتى يبلغوا من العمر 13 أو 14 سنة. ولأنها مدرسة مسيحية، تديرها الكنيسة في إحدى مبانيها القديمة، فقد حرص مصمم المشهد المسرحي، ونحن هنا في مسرح صغير وبسيط، على استخدم بنية الصليب وهي عماد بنية الكنيسة التقليدية، وأجلس المشاهدين حول أضلاعه من جميع الجهات، وكأنهم جمهور تلك الكنيسة/ أو بالأحرى الأمثولة الدينية المسرحية. لأن أول ما يظهر على تلك الخشبة هو القس الشاب، “الأب فلين”، الذي يقدم لنا عظته الافتتاحية عما علينا أن نفعله حينما لا نكون متيقنين من شيء ما! وهي العظة التي يبدأها بالإشارة إلى الشعور الجمعي الذي انتاب أميركا عقب اغتيال كينيدي، ويحكي فيها عن بحار وحيد نجا بعد غرق سفينته بكل من فيها، وصنع من الحطام ما يشبه القارب، واهتدى بمعرفته البحرية بالنجوم كي يوجهه صوب اليابسة، وبعد أيام من الضياع والجوع وتكاثف السحب في البحر، بدأ الشك ينتابه في أنه اختار الوجهة الصحيحة، ويختمها بأن الشك رابطة لا تقل قوة عن اليقين.

بعد هذه الموعظة الافتتاحية، التي تقدم لنا مفارقة استهلالية ستظل فاعلة في تلقينا لما يعقبها من تصاعد للتوتر الدامي، ننتقل إلى مكتب الراهبة الأخت “ألويسيوس” مديرة المدرسة. وقد استدعت الراهبة/ المدرسة الشابة الأخت “جيمس”، لمقابلتها. وتسألها عن بعض التلاميذ بالاسم لمعرفتها بأنهم من مثيري المشاكل، وتشكو من أنها لا تبعث بهم كثيرا إليها. وسرعان ما نكتشف من هذا الحوار أننا بإزاء مقتربين مختلفين في التعامل مع التلاميذ: مقترب الأخت “جيمس” التي تحب الموضوعات التي تدرسها وتحبب التلاميذ فيها، وتخلق حالة من التناغم مع التلاميذ بحيث يستطيعون الحديث معها بحرية. ولذلك فهي تحل المشاكل التي تحدث في الفصل بنفسها. ومقترب رئيستها الراهبة “ألويسيوس” التقليدي الذي يعتقد أن التلاميذ يستغلون براءتها، وعدم صرامتها للتحلل من المسؤولية، لذلك فهي تفضل أن يهابوها لا أن يثقوا بها. وتصر على أن عليها أن تحيل كل المشاكل التي تظهر في الفصل لها، فهي مديرة المدرسة، ومسؤولة عنها وعن كل تلاميذها وعددهم 372 تلميذا، وتعرفهم بالاسم. وهو مقترب يعتمد على سلسلة التراتبات الكنسية، وصرامة الإدارة، وخلق مسافة بين الراهبات والتلاميذ، تخيفهم من العقاب كي تضمن حسن السلوك والاحترام. لكن الأخت “جيمس”، وهي شابة في بداية عهدها بالرهبنة والتدريس معا تعتقد أن الحب، بمعناه المسيحي: الله محبة، يخلق الاحترام وحسن السلوك.

لكن الأخت “ألويسيوس” تنتقد براءتها وتعتبرها نوعًا من السذاجة، وتؤنبها على ولعها بالتاريخ وتحمسها له الذي قد يجعل التلاميذ يفضلونه على غيره من الدروس الأخرى، ولما تجيبها بأنها ستنقل هذا الحماس إلى الموضوعات الأخرى، تعترض على ذلك وتطلب منها أن تخلق مسافة بينها وبين تلاميذها وما تدرسه لهم معا، وأن تكون عينا لها على كل ما يدور في الفصل، ونقل كل شيء لها. فقد كلفتها بتدريس الصف الثامن، وهو الصف الأخير والأهم في المدرسة، رغم أنها لا تزال شابة، ولذلك عليها أن تتسم بالمزيد من الصرامة كي يهابها التلاميذ. وتناقش معها عظة “الأب فلين” ولماذا اختار موضوع الشك؟ وهل هو في شك من شيء؟ ولما ترد عليها بأن عليك أن تسأليه، تخبرها بأنه ليس خاضعًا لسلطتها وإنما لسلطة “الحَبر بينديكت” الأعلى منهما معا. وتسألها عن التلميذ الأسود الوحيد في فصلها، دونالد مولر. بل هو التلميذ الأسود الوحيد في المدرسة كلها فهل يضربه أحد؟ وهل بدأ التلاميذ في اضطهاده؟ فتخبرها بأن شيئًا من هذا لم يحدث لأن “الأب فلين” يرعاه، وقد ضمه إلى كورس الكنيسة.

قضية ضد الأب

وبالرغم من صرامة هذه المواجهة بين المدرسة الراهبة الشابة ومديرتها الأخت “ألويسيوس” التي تؤدي إلى نفورنا منها، وتزعزع ثقة الأخت “جيمس” في نفسها ومنهجها، فإنها لا تنتهي قبل أن تسفر الأخت “ألويسيوس” عن الجانب الطيب فيها، حينما تخبر الأخت “جيمس” عن شعورها بالشفقة على الأخت “فيرونيكا” التي تقدم بها العمر وضعف بصرها واقترب العمى منها، وتطالبها إذا ما صادفتها على سلالم المدرسة الحجرية الوعرة أن تأخذ بيدها وتحول بينها وبين أي سقوط محتمل. لأنها لا تريد أن يكتشف أحد عماها، ويطردها من المدرسة وهي في هذا العمر. وهو الأمر الذي تواصل الاهتمام به في نوع من تحقيق التوازن الدرامي في شخصيتها. لكن هذه المواجهة قد تركت أثرها الدرامي على شخصية الأخت “جيمس” وزعزعت ثقتها بنفسها، وبددت ما كانت تشعر به من تناغم وتحقق مع ما تقوم به من تدريس بعدما تأكد لها أن منهجها فيه موضع استهجان رئيستها المباشرة. ويبدو أنها لم تستطع أن تنسجم مع منهج “ألويسيوس” الصارم، ولكنها سعت لإرضائها في المشهد التالي بأن أفضت إليها بعودة الطالب الزنجي، دونالد مولر، من اجتماع له مع “الأب فلين” مرتبكًا، وقد شمت رائحة الخمر تفوح منه.
وكان هذا الأمر بمثابة القضية التي تبحث عنها الأخت “ألويسيوس”، لاستخدامها ضد “الأب فلين” الذي يتضح لنا على امتداد المسرحية مدى كراهيتها له، ولمنهجه في التعامل مع الدين والتلاميذ معا بطريقة عصرية جديدة. فهو فضلا عن كونه واعظا ناجحا، مدرس الألعاب الرياضية الذي يلتف التلاميذ حول مهاراته في كرة السلة، وهي من الألعاب الأميركية المفضلة، لأنه يعتمد منهج الأخت “جيمس” نفسه الذي تعترض عليه مديرة المدرسة. وتقرر أن ما خفي من الأمر أعظم مما ظهر، وأن وراء ما روته الأخت “جيمس” أكثر من مجرد ارتباك أو احتساء خمر. فلا بد أن القس قد أفسد التلميذ الزنجي وأغواه لاستغلاله جنسيًا. وهو ما يروّع الأخت “جيمس” التي لم تر في ما لاحظته أيًّا من ذلك. لكنها تطلب منها البقاء كشاهدة حينما تستدعي “الأب فلين” لاستجوابه. ويبدأ على يديها تحول الشك، وأوهى التخمينات التي لا تنهض على أي أساس إلى يقين صارم لا تنفع معه أية توضيحات منطقية من “الأب فلين” بأن قسًا آخر شكا له أن دونالد مولر يشرب خلسة من نبيذ القداس، وأنه أحضره لمكتبه ووبخه، وأبلغه بأنه لو كرر هذا الفعل وافتضح أمره، فإنه سوف ينحيه عن المشاركة في الكورس الكنسي، ويطلب منها سؤال القس الذي شكا له. ويقنع هذا التفسير الأخت “جيمس” وترى أن الأمر قد انتهى به. لكن الأخت “ألويسيوس” لا تتزعزع عن يقينها الواثق من دون أساس. وتصر على أنها ستكشف الأمر وتجبره على الاعتراف والاستقالة.

ويتفاقم الأمر، وتطلب من والدة التلميذ الزنجي الحضور هي وزوجها، لكن والدته تحضر وحدها، وترفض شكوك الأخت “ألويسيوس” بصرامة، وتطلب منها ألا تحوّل ابنها وقودًا في معركتها مع “الأب فلين”، وهو الشخص الوحيد الذي يعطف على ابنها ويشجعه. وأن كل ما تطلبه منها هي أن تتحمل ابنها في المدرسة لمدة الأشهر الستة الباقية من العام الدراسي. فقد صارعت كثيرًا حتى قبلته مدرسة الكنيسة التي لا تقبل السود عادة، وساندته لتحمل نظرات التلاميذ الآخرين وإهاناتهم العنصرية له، والاهتمام بواجباته المدرسية، لأن تخرجه من مدرسة كهذه سيتيح له فرصة الالتحاق بمدرسة ثانوية محترمة، ويمكنه من تحقيق آماله في التعليم والوصول للجامعة. وترفض التعاون معها في أي أمر قد يدين القس الوحيد الذي يعطف على ابنها.

عودة الأفكار البالية

لكن الأخت “ألويسيوس” تواصل حملتها ضد “الأب فلين”. وتزعم أنها اتصلت بالمدرسة التي كان يعمل بها قبل وفوده إلى مدرستهم، وأنها عرفت أنه تركها لأسباب مريبة، وتطلب منه أن يعترف بما اقترفه مع دونالد مولر. ولكنه يؤكد لها أن كل ما قاله لها عن هذه الواقعة هو الحقيقة، وألا شيء فيها غير ذلك. بل إن ظهور الأمر بهذا الشكل دفعه إلى تنحية دونالد مولر من الكورس الكنسي، وهو الأمر الذي أحزن الصبي كثيرًا، ودمّر فرصته في احترام التلاميذ الآخرين له رغم لونه. لكنها تصرّ على موقفها، فيضطر “الأب فلين” إلى أن يشكوها “للحَبر بينيدكت” الذي ينقله إلى مدرسة أخرى، ويعينه مديرًا لها تقديرا لدوره وكفاءته، وكي يبعده عن مرمى ظنونها الشريرة. وتضطر الأخت “ألويسيوس” هي الأخرى، وهي ترى أن أفعالها تأتي بنتائج عكسية، إلى الاعتراف للأخت “جيمس” التي يقلقها ما جرى، ويحرمها من النوم بسلام، أنها قد كذبت على الأب فلين حينما ادعت أنها اتصلت بالمدرسة التي عمل بها سابقا، ووجدت أنه تركها لأسباب مريبة. وأن الشك بدأ ينتابها الآن ولكن بعد فوات الأوان. وبعد أن خسرت المدرسة قسًا نابهًا ومدرسًا محبوبًا من التلاميذ، وبعد أن تبدد سلام الأخت “جيمس” الداخلي، وانسجامها مع العمل الذي كانت تحبه.

هكذا تنتهي المسرحية، ليبدأ بعدها الجدل بين المشاهدين في كيف تؤثر شكوك الآخرين التي لا تنهض على أي أساس من الواقع، بل وتتذرع بمختلف الادعاءات والأكاذيب على حياتهم. وكيف أننا نعيش في واقع تسيطر عليه عودة تلك الأفكار التقليدية البالية التي تشدنا للوراء، والتي تجسدت في كل أفكار وتصرفات الأخت “ألويسيوس” في الدين وطرق التدريس والإدارة. حيث يقول الكاتب في مقدمته لنصه المطبوع، إن المسرحية صادرة عن وعيه بالتغيير الحاد في الثقافة الأميركية التي يسيطر عليها اليمين في مختلف وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية، من ثقافة النجوم والاحتفاليات القديمة إلى ثقافة جديدة لا تهتم بالنجوم إلا حينما تضعهم في قفص الاتهام أو ما يدعوها: “إننا نعيش في ثقافة قاعة المحكمة، ثقافة دفاعية استهجانية تعمد إلى المواجهات الحادة والأحكام القطعية والإدانات السهلة. وبدلاً من ثقافة الحوار والنقاش العقلي الهادئ ومقارعة الحجة بالأخرى، تصدرت السجالات البغيضة وصراع الإرادات والجدل الواجهة، واتسم الخطاب العام في السياسة والإعلام والدين على السواء بالتردي وعدم الأمانة”. وكأني به وهو يصف ثقافة القرن الحادي والعشرين الأميركية، يشخص أيضًا ما يدور في عالمنا العربي، الذي أزاح عقلانية مسيرة النهضة العربية جانبًا، واستسلم لثقافات الإلغاء والدمار والتطرف. غير أننا تقدمنا على أميركا كثيرًا في هذا المجال، حيث انتقلت تلك الثقافة البغيضة من مجال الخطاب إلى عالم الفعل والدمار والحروب العربية – العربية، التي يديرها أعداؤنا عن بعد، ويصرّون على تمويلها من جيوبنا وثرواتنا.

وها هي المسرحية تقدم لنا أهجيتها لهذا كله، وتكشف لنا أهمية الشك في كل يقينياتنا التي لا ينبني كثير منها إلا على الوهم أو الجهل. وأهمية أن نطرح الأسئلة الصعبة ثقتنا المطلقة في تلك اليقينيات الزائفة. لأن الشك هو الخطوة الأولى نحو النضج والعقلانية والتعامل مع الواقع الصعب بمنطق جديد، وتقبل الآخر المغاير والمختلف.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.