أخبار عاجلة

مسرحية «سوق سوداء» للمخرج علي اليحياوي ضمن مهرجان 4/4 للمسرح المحترف بجندوبة: كلّنا نخوض الصراع والمسرح فضاء للتمرد

 

المسرح حركة نقدية وفعل متمرد هو «فعل نبيل» كما يقول أرسطو وهو أيضا ممارسة حرّة ودعوة صريحة للدفاع عن الإنسانية و الانخراط في

مسار تحرري ينادي بقيم الإنسانية ويرفض الظلام بكل أشكاله هو «الآن والهنا» هو التجديد والحركية الدائمة للدفاع عن الحقوق ومناصرة الحق على السوّاد والانتصار للحياة لا الموت.

في «سوق سوداء» الكثير من النقد، نقد موجع للجميع للعلاقات والصراع الذي بات يميز البشرية، صراع واضح وبعضه خفيّ نعيشه ونعايشه نقله الممثلون بكل حرفية في عمل عن نص اصلي لبرنار ماري كولتاز واقتباس للاسعد بن حسين واخراج لعلي اليحياوي وتمثيل محمد شعبان وعلي بن سعيد وتوظيب عام لعبد الله الشبلي هو أول انتاجات مركز الفنون الركحية والدرامية بتطاوين بالشراكة مع المسرح الوطني التونسي.

الترميز لفك شيفرات الصراع
تجربة مختلفة وفريدة قدمها مركز الفنون الركحية والدرامية بتطاوين في عرض سوق سوداء التي قدمت على سطح احد البنايات في «مرمة» لم تكتمل بعد لازالت رائحة الاسمنت تنبعث في المكان، ولان للمكان اهميته لم يقتصر المخرج والمجموعة على السطح وانما انطلق اللعب الدرامي منذ بهو «البازيليك» حيث يحدث اللقاء الاول بين الشخصيتين، في فضاء مسرحي غير المعتاد ، من بهو العمارة تبدأ الاحداث واللقاء الاول فتسارع للحكاية مع صعود سريع للدرجات وعددها 30درجة أي الطابق الثاني تتواصل تفاصيل القصة إلى حدّ الوصول الى الطابق الرابع والاخير وهو سطح لازال بصدد التشييد ، مكان مهجور رائحة الاسمنت تفوح منه طعم البرد ووجيعته يمس عظام وارواح الحضور فللبرد ايضا فلسفته في مسرحية سوق سوداء.

للاسم رمزيته «سوق» وهو المكان الذي يجتمع بيه الباعة وأصحاب البضائع هو المكان الذي يحدث فيه لغط البيع و الشراء وضوضاء العملة ومكان عادة ما يكون آهلا بالناس و «سوداء» مؤنث لاسم «اسود» و اللون الاسود رمز العدم و الفناء و يقال «اسود القلب أي حقود» و «اسود الكبد أي عدوّ» وفي المعجم سوق سوداء هي سوق يُتعامل فيها خفية هربًا من التسعير الجبريّ ، أو لاستغلال ظروف خاصّة كالحرب أو حاجة الناس وفي هذا المكان غير القانوني تدور احداث المسرحية لتحمل المتفرج الى عوالم البيع والشراء الى عوالم الصراع بين الانساني والمادي.

«سوق سوداء» عن نص اصلي لكولتيز هو سوق نعيشه اليوم ونعايشه في صراع الرأسمالية مع القضايا الانسانية، سوق تتغوّل فيه لغة المادة على كلّ مقومات الانسانية سوق «الي تشتهيه تلقاه» و «البايع يعرف شهوتك» سوق «ماتعودتش نقول لاّ» فكلمة «لا» لا يعرفها تجار الانسانية.

على سطح عمارة لم تكتمل ملامحها بعد، أمام أضواء باهتة وخافتة كأنها إعلان للموت وموسيقى صادحة كما دقّات القلوب الخائفة تعلن عن ميلاد صراع بين ذاكرتين او انسانين في مكان ما، صراع العقل والمشاعر صراع الحياة والعدم، صراع الحب والكراهية وفي المسرحية نقل للصراع بين المادة والانسان صراع بين تغول لغة الاموال امام تراجع قيم الانسانية و الحب والمشاعر ففي السوق السوداء يمكنك اقتناء المشاعر ايضا «هنا تشري كل شيء» كما يقول الممثل مشيرا الى قلبه.

فالعمل عبارة عن لقاء تراجيدي بين ظلّين بين رغبتين مختلفتين بين شخصين جد متناقضين، شخصين ملامحهما غير واضحة وينتميان الى عالمين متناقضين وحدها الصدفة وضعتهما في نفس الخراب صدفة ولّدت الصراع والبنى الدرامية لفعل مسرحي متحرّر نقل صراع غامض ومتوحّش ومبهم حول الرغبات الإنسانية الواضحة و الخفية.

الممثل وعاء الفكرة وجسده صرخة للتعبير
تكمن أهمية الممثل في العرض المسرحي في مقدرته على فهم الشخصية والدور الذي يلعبه على خشبة المسرح ، إن امتلاك الممثل لطاقة خلاقة قادرة على تفهم الدور ، هو ما يجعل الممثل متمكنا من خشبة المسرح وقادرا على التفاعل مع المتلقي، وفي «سوق سوداء» اجسادهم كانت مطية للتعبير، فلا وجود لمسرح دون ممثل فيمكن الاستغناء عن الديكور لكن لا يمكن التخلي عن الممثل، في سوق سوداء الشخصيتان هما محور الحكاية، شخصيتان مبهمتان دون اسم لتكون الملامح هي دليل المتفرج لمعرفة الحكاية، غياب الاسم ربما اراد معه المخرج ومقتبس النص ان تكون الحكاية غير محددة تمسّ الجميع ولا تهمّ اسما بعينه، اشكال الاجساد اختلفت من حيث البنية الجسدية و الحركات ايضا فالاول «محمد شعبان» بدين قليلا يلبس معطفا طويلا وشالا على الرقبة مع شعر اشعث حركات بطيئة للدلالة على معرفته بالمكان كذلك الكلمات هادئة ونبرة الصوت خافتة، اما الشخصية الثانية «علي بن سعيد» فهزيل جسديا يخفي اغلب جسده بالملابس مع حركات مضطربة وجمل بعض كلماتها غير مفهوم للدلالة على الاغتراب والخوف، كلا الممثلين قدما الكثير من الإبداع في التّماهي مع النص و التمازج مع المكان والجمهور كلاهما مبدع صنع لنفسه بريقها على ركح سطح البازيليك.

حركات الممثلين واداؤهم تأقلمت مع الفضاء الغريب، الديكور القليل «كرسي مرمي» و«بعض الفوانيس الكهربائية» وبقايا لحاويات بلاستيكية وخشبة عريضة كلّ ما هو مرمي وظّف في الحكاية وما يلفت الانتباه هو الأداء الحركي المتسارع للمثل علي بن سعيد الذي ابدع حقا في تمقص شخصية الغريب الذي يتقن فنّ الخطابة في التعامل مع الاخر، شخصية بن سعيد هي رمز للشخص الرافض للسقوط في هاوية المادّة ، الشخص الدائم البحث عن التجديد والمقاومة ، شخصية جدّ مركبة تجمع النصّ والحركات المتسارعة التي استطاع التوفيق بينها واقنع جمهوره في احد اسطح جندوبة فكان وعاء للعمل وعاء للفكرة التي لا تموت، شخصية تحاول فك شيفرات الانسانية والدفاع عنها «أخطر العوالم التي لم تكتشف حتى الآن هو الإنسان، الإنسان غابات كثيفة وغريبة، فيه عديد من الجُزر وهو أرخبيل معقد جداً، وبالتالي فالإنسان بذاته يختزل الإنسانية» حسب عبد الكريم برشيد.

في «سوق سوداء» تكون الشخصيات علامة القوة والاختلاف يصنعون الصراع ويؤثثون لفعل مسرحي خلاق ومتجّد يتجدد كلما اختلف فضاء العرض والجمهور..

«سوق سوداء» إنتاج مشترك مع المسرح الوطني في استضافة لأعمال كولتيز التجربة خاصة لأنها مختلفة عما قدمته سابقا في مراكز الفنون الدرامية الأخرى قفصة ومدنين، الخوف كان موجودا كإنتاج أول لكن اعتقد أن من الضروري خوض هذه المغامرات لتجديد وسائل التعبير والجماليات التي نشتغل عليها وفتح افق اخرى مع فضاءات أخرى.
كولتيز على مستوى الكتابة لفضاءات أخرى فكرية وجمالية والسينوغرافيا هو مجدد واعتقد ان المسرح التونسي حاليا يحتاج إلى هذا التجديد، يجب ان نخوض التجربة لتجديد العلاقة مع الجمهور وعلاقة الجمهور مع المدينة فالمادة المسرحية ليست للاستهلاك فقط وانما للتفكير وخلق الجدل ايضا.
العروض التي قمنا بها والعرض حيّ ويولد مع اختلاف الفضاء، نعيد كتابة العرض مع الفضاء ، كتابة متجددة لها روح اخرى، اردت تجريب حدود امكانياتي وتجريب الفرجة والعلاقة مع الجمهور في فضاءات أخرى وتنوع اخر وشريحة اخرى مهم ان نذهب اليهم باعمالنا والاداء ايضا فالعرض قدم ثلاث مرات في فضاءات مختلفة تماما وامام جمهور مختلف ايضا فالعرض يكتب من جديد في اللحظة وبذلك نخرج من النمطية والجاهز والدخول في علاقة اخرى للابداع.

علي اليحياوي مخرج العمل:
المسرح بيت الروح الانسانية المتوهّجة
اختلفت التجارب المسرحية التي خاضها المخرج علي اليحياوي وفي جندوبة كان اللقاء مع العمل الجديد «سوق سوداء» وعنه يقول اليحياوي في المسرحية وبخصوص الشخصيات اكتفينا بالتاجر والزبون قدمناها بقراءتنا التونسية الخاصة في طرح للراسمالية في عملها وهي نمط يقسم البشر بين طرفي صراع طرف يستهلك وطرف يصنع يرى البشرية مجرد ارقام وماكينات، الزبون رفض الفكرة يعبر عن فكرتنا وفكرة من يناضل لنحافظ عن انسانيتنا، الإنسانية الضائعة التي تغتصب يوميا من الصناعة من الإعلام من الإشهار والمؤسسات التي تبني نمطا أخلاقي يقصي الآخر ويعتبره شاذا أو مجنونا لكننا ندافع عن المختلف الذي نعتبره بذرة التمرد يدافع عن الذوات الخاصة بنا.
ويضيف محدثنا في المسرحية ندافع عن الاختلاف نحن نختلف ولا نفكر بنفس النسق وهذا ما يصنع الثراء وينتج عالما متنوعا وثريا نحن بشر ولنا أحاسيسنا الخاصة ، ونطرح سؤال هل الإنسانية وصلت لمرحة ان تكون متسامحة ام لازالت في نمطية الحكم على البشر.
وعن النص وقوته يقول اليحياوي النص صنع الحدث في اوروبا باتريك شيرو النص في تونس اشتغل عليه رشيد مناعي وهو مخرج له حساسية فنية خاصة واشتغل على تجارب مميزة منها بريشت في «مذكرات ديناصور» فنان له بصمة خاصة جدا كمخرج من خلاله وعبد الوهاب الجملي وجلال خليفة واحمد الحفيان تعرفت على مسرح كولتيز وكان جميلا أن نشاهد مسرحا مختلفا.

وبخصوص المسرح الذي يشتغل عليه يؤكد اليحياوي المسرح يدافع عن الانسانية فهو في علاقة مباشرة مع الانسان المسرح بيت الانسانية والافراد والحساسيات الخاصة بيت الروح الانسانية المتوهجة التي لا نراها الاّ في المسرح العلاقة الحية المباشرة مع الجمهور .
«سوق سوداء» العمل الاول لمركز الفنون الدرامية بتطاوين جمع المخرج مع ممثلين جدد تجربة يقول عنها «جميلة هي التجربة والتجديد والانفتاح على الاخر ،خاصة العمل مع الممثلين يحرجونك وانا احتاج كمخرج للتجديد وهم ممثلون مفكرون لهم افكارهم الخاصة وقدموا اضافة كبيرة للعمل وخلقوا جدلا لأنهم لا يقومون بالتعليمة ليسوا ممثلين اجهزة فلهم ارائهم وافكارهم في العمل.

 بقلم مفيدة خليل

https://ar.lemaghreb.tn/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح