أخبار عاجلة

مسرحية “سماء أخرى”.. نافذة سينمائية – محمد المعايطة #مهرجان_المسرح_العربي12

    الغربة، الملل، الرؤية الغباش، الخواء، الديستوبيا، المساحات، الروتين، العبث، غودو بشكل ما، الغربة مرة أخرى، الصور الناقصة، الوحدة، العائلة في الصور الناقصة، الوحدة أيضاً، الملل مرة ثانية. كلها طرق تسير بنا إلى مكان واحد.. الموت. الموت بكل أشكاله ووجوهه وحالاته، وقبل أن تسيل الدماء، هناك موت أكبر يكون قد التهم أروحنا حتى آخرها، لتبدو الدماء والأجساد الباردة أمامه، أمراً تافهاً عادياً.

“الرباط شتاء 2010”

 هكذا بدأ المخرج المغربي محمد الحرّ الفصل الأول من مسرحيته “سماء أخرى”، التي أعدها عن رائعة الشاعر الإسباني فريدريكو غارسيا لوركا “يرما”.

ولأن شخصية “يرما” تعيش بيننا بصرف النظر عن الجغرافيا أو اللغة أو الجنسية أو الثقافة، فقد “مغّرب” الحر العمل الإسباني ليجعله محلياً تقع أحداثه في مدينة الرباط في العقد الأخير من الألفية الثالثة، بشخصيات مغاربية تعيش في أحد منازل المدينة.

ولأن المعاناة الإنسانية واحدة وجامعة، لم تؤثر مغربة العمل على فكرته وحالته الأصلية، رغم أنه كُتب خلال العام 1934 ضمن ثلاثية لوركا الشهيرة “عرس الدم”، “بيت برناردا إلبا” و”يرما”،.

قصة يـرما المغربية..

يحكي العمل حياة فنانة تصوير فوتوغرافي تعيش في مدينة الرباط، متزوجة من مهندس شهير في المدينة، وعلى الرغم من أن ظروفهما المادية جيدة للغاية، إلا أن حياتهما تمر بأزمات عديدة.

تبدأ باهتمام الزوج بسمعته واسمه أولاً، قبل أن يلقي بالاً لزوجته وما تعيشه من صراعات وأزمات نفسية عديدة، من بينها الأزمات الوجودية. حيث أنها تحلم بأن تصبح أمــاً، لكن زوجها يرفض ذلك، بحجة أنه لا يريد إنجاب طفل على هذه الحياة التي تملأها المشاكل، رغم أنه لا يعارض التبني، لكن يرما المغربية، تريد طفلاً يكبر في رحمها هي، ويحمل دماءها هي.

كونها مصور فوتوغرافية، فقد كانت تجمعها علاقة صداقة بشخص وحيد، فنان، كان يساعدها في صورها بأن يكون “موديل” لهذه الصور، لكنها كانت تريد أكثر من ذلك، كانت تريد أعمالاً فنية فوتوغرافية تضج بالحياة، لكن حياة الملل والفراغ والخواء والعزلة والوحدة التي تعيشها، إضافة إلى برودة زوجها عاطفياً، تجعلها غير قادرة على الوصول إلى غايتها. ومع الوقت تبدأ شرارة الشغف تشتعل بينها وبين هذا الصديق، رغم إدراكها لخطر وخطأ الأمر. ما يتسبب باتساع الفجوة أكثر مع زوجها، وتزيد عزلتها ووحدتها من ناحية أخرى.

“الرباط خريف 2017/ سماء أخرى”

 في هذا الفصل الثاني من العمل المغربي، يقرر صديق يرما السفر خارج البلاد، بعد أن وجد فرصة فنية جيدة، الأمر الذي يزيد من أزماتها أكثر، ومن جهة أخرى، تبدأ العلاقة مع زوجها بالتوتر أكثر فأكثر.

وفي الفصل الأخير من العمل “الرباط ربيع 2019″، تتفاجأ بعودة صديقها بشكل لم يكن بحسبانها، وتظهر أيضاً عرّافة تظل تدعوها للتخلص من واقعها بأي شكل، وينتهي الأمر بأن تقتل يرما زوجها لتُنهي كل هذه المعاناة التي عاشتها طوال ما يزيد عن عقد من الزمن.

ما قالته الخشبة للحضور

للتأكيد على حالة الملل والغربة التي تعيشها الشخصيات، بدأ الحر عرضه المسرحي دون أن يُدرك الجمهور بأن العرض قد بدأ فعلاً.

في العادة، تبدأ إضاءة المسرح بالخفوت شيئاً فشيئاً إيذاناً ببدء العرض، ثم تفتح الستارة، أو يفتتح أحد الممثلين العمل بجملة أو رقصة أو أمر إضاءة. إلا أن الحر فعل ما لم يكن متوقعًا، ففي خِضم فوضى ما قبل العرض من الجمهور، خرج الممثل –شخصية الزوج- على الخشبة، وظن الكثيرون بأنه أحد المصورين أو الفنيين في المسرح، وبعد وقت من الزمن بدأ الجميع يُدرك أن العرض المغربي بدأ بالفعل. وأن هذا جزء من العمل.

خلال أول مشاهد المسرحية، استمر الممثل ذاته لعدة دقائق بالتواجد دون أن ينطق بأي كلمة، أو يقوم بأي فعل مسرحي واضح سوى أنه كان يُدخن فقط، ويتجول ببطئ شديد من ميمنة الخشبة إلى يسارها وبالعكس حتى خرج إلى الكواليس. ليعود مخرج العمل من خلال هذا المشعد للتأكيد مرة أخرى على حالات الملل والغربة والعزلة التي تعيشها الشخصيات، قبل أن تخرج الممثلة الرئيسية هاجر الحامدي -التي جسدت دور يرما- لتعلن بدء العرض.

السينما أكثر من الخشبة..

حمل العمل المسرحي المغربي “سماء أخرى”، رؤية إخراجية سينمائية أكثر من كونها مسرحية. فكانت السينما حاضرة أكثر من خشبة المسرح فوق خشبة المسرح. حيث كان أداء الممثلين، الديكور، الإضاءة، الحوارات، كلها أقرب ما يكون لكاميرات الشاشة الكبيرة، من كونها عملاً مسرحياً يحمل عناصره المسرحية الكاملة. وساهم في ذلك عدة أمور داخل العرض الذي تم تقسيمه لعدة فصول بجُمل – الرباط شتاء 2010، الرباط خريف 2017، الرباط ربيع 2019- التي كانت تظهر في عمق المسرح على جزء من الديكور الذي يُمثل أحد جدران الغرفة، لتُبين المسافة الزمنية التي مرّت على الشخصيات.

 كما ساهم الديكور في تثبيت هذه الرؤية السينمائية، فقد جاء بسيطاً وصامتاً، وكان مؤلفاً من جدار كبير في منتصفه باب عريض في عمق المسرح، وبركة ماء في المنتصف دلالة على حالة الإجتماعية والمادية التي يعيشها الزوجين. وسرير أطفال يظهر جزءًا منه فقط. أما المقدمة فظلت فارغة من أي ديكور أو فعل مسرحي.

الممثلون.. حكاية العمل

كان الإعتماد الكامل في المسرحية على العنصر البشري الذي التزم بالخط الدرامي للعمل ليظهر الحكاية الكاملة. ولم يعتمد الممثلون على صوتهم الطبيعي فوق الخشبة، واستعانوا بمايكروفونات تُظهر للجمهور الحوارات فيما بينهم وفقاً للحالة الدرامية، التي اتسم معظمها بالصوت المنخفض أو الطبيعي غير المسرحي والذي لم يكن مسموعاً لجميع الحضور لولا المايكروفونات، وهو ما يقترب بالعمل مرة أخرى إلى الرؤية السينمائية من كونه مسرحاً. فكان الممثلون وكأنهم يقفون أمام كاميرات أكثر من كونهم يؤدون أمام جمهور حيّ.

كسر الفنانون فكرة أن المسرح فنّ المبالغة، فلم يتسم أداءهم بالمبالغة في أي من أطوار العمل الذي استمر لقاربة الساعة و20 دقيقة، وكانت جميع انفعالاتهم محسوبة وضمن سياقها الدرامي، حتى تلك التي حملت توتراً شديداً، وهذا أمر آخر يقرب العمل إلى السينما.

 وهنا لا بدّ أن تتم الإشادة بالممثلين الذين قدموا أداءاً مهماً من خلال تمكنهم من أدواتهم الفنيّة، وانسجامهم وحفاظهم على إيقاع العمل حتى النهاية.

الحاجز الخامس

مع كل عمل مسرحي مغاربي –المغرب، تونس، الجزائر، ليبيا، موريتانيا- تُشكل اللهجة المغاربية حاجزاً خامساً بالنسبة إلى الجمهور في بلدان الشام والخليج العربي. وكذلك الأمر كان في عرض “سماء أخرى”، الذي جاء في اللهجة المغربية الدارجة، التي امتزجت بالعديد من الجمل باللغة الفرنسية. الأمر الذي كان إلى حدٍّ ما عقبة في وصول العرض كاملاً إلى المتلقي الشامي والخليجي. ولكن سياق العمل والأحداث والمشاهد ووجود اللغة العربية الفصحى في بعض الجُمل، ساعد المتلقي في فهم تفاصيل ما يجري أمامه على الخشبة من أحداث، وعيش حالة العرض المسرحي، حتى ولو كان ذلك بشكل غير كامل.

بكل تأكيد، كان اشتغال المخرج الحر على رؤيته الإخراجية بالشكل المُحكم، وحِرفية الممثلين في فرقة “أكــون” المسرحية، وتمكنهم من تجسيد شخصياتهم والسير في الخط الدرامي طِبقاً لرؤية المخرج، السبب الرئيسي في وصول العمل إلى المتلقي، الذي استطاع بعد فترة من مرور العرض أن يعيشه ويفهمه. وعلى جانب آخر، استطاع فريق المسرحية الحفاظ على الإيقاع بالشكل المضبوط منذ اللحظة الأولى وحتى النهاية، ما شدّ اهتمام الحضور بشكل كامل، وجعلهم قادرين على التواصل مع العمل.

محمد المعايطة #مهرجان_المسرح_العربي12

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح