أخبار عاجلة

مسرحية “رهين”.. حين يعلو صوت الحرية في أقبية التحقيق – محمد المعايطة #مهرجان المسرح العربي12

غرفة التحقيق، الوطن الجائع إلى الحرية والثورة والحبيبة، الإنسان الباحث عن حريته من أغلال الديكتاتوريات، الصمود في وجه المُحقق في سبيل غايات أكبر كثيراً من مجرد الجسد الآدمي، الذي يكاد لا يعني شيئاً أمام هذه القِيّم الكُبرى. كل هذا وأكثر قدمها المخرج الجزائري شوقي بوزيد، خلال عرضه المسرحي “رهــيــن”، المُمسرح عن نصّ “لفافة وطن”، للكاتب والمخرج المسرحي محمد بويش. والذي قدمه على خشبة مسرح الحُسين الثقافي في العاصمة عمّان، كل من الفنانين نوال المسعودي، مبروك فروجي ومحمد الطاهر زاوي، ليكون فاتحة عروض الدورة الـ12 من مهرجان المسرح العربي، الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح.
هذا ما أتى على لسان “رهين”..

يحكي العمل الجزائري قصة الشاب الثائر المُحب للبلاد “رهين”، الذي يقع تحت تهديد فوهات مسدسات المحققين ليختار بين لفافتين/خيارين كل واحد منهما أصعب من الآخر، بين لفافة الوطن، وبين لفافة الحرية التي تجسدت في العمل بصورة فتاة ثائرة وعاشقة أيضاً، تجمعها قصة حب مع شخصية رهين. وبين شدٍّ وجذب، بين التعذيب تارة والتحايل تارة أخرى، يفشل المحققون في جعل البطل يدخن إحدى اللفافتين، ويظل محافظاً في قلبه ووعيه على حب الوطن والحرية معاً على حد سواء. هذا الإنتصار الفردي يجلب معه انتصاراً جماعياً أكبر، بقدوم أصوات الشعب الثائر الذي يأتي أفواجاً صارخين بوجه الظلم والديكتاتور.

رغم أن المؤلف البويش كان قد صرح سابقاً لوسائل الإعلام، بأن كتابه الجديد “لفافة وطن” يعيد طرح “صراع الثورة والحب التي تقابلها تلك الأحداث في الربيع العربي، ونزوح العقل إلى الإنكسار أمام البحث عن مفهوم الحرية”. إلا أن توقيت عمل المخرج بوزيد على “رهين” وإخراجه إلى النور على خشبات المسارح، والذي يتزامن مع الحراك القائم خلال الوقت الحاضر في الشارع الجزائري، من الممكن أن يُعتبر بأنه ترجمة لما يعيشه الإنسان الجزائري خلال هذا الحراك الجديد، الذي من الممكن أن يكون ربيعاً جديداً يأتي بعد مرحلة الربيع العربي. وعلى جهة أخرى فهو بكل تأكيد حديثنا المستمر والأزلي الذي لا ينتهي عن نيل حرياتنا والخروج من عباءة الظلم في كل مكان.

العرض من داخل… ما له وما عليه

الأفكار الإنسانية العظيمة التي حملها العرض على أكتافه فوق خشبة المسرح، والتي تتشاركها جميع الشعوب على اختلاف لغاتهم وأعراقهم وطوائفهم، كثيراً ما تقع في مصيدة الخطاب المباشرة والجاهز عندما يتم نقلها إلى ساحة العمل الإبداعي، وربما بسبب من وراء ذلك قوة هذه الأفكار نفسها التي تطغى على أي أمر آخر. وفي الوقت نفسه، يبدو بأن بوزيد لم يسلم من هذه المصيدة في مسرحية “رهين”، فكانت لغة الحوار والمنولوجات مباشرة وخطابية في الكثير من أحيان العرض المسرحي الممتد لأكثر من ساعة، حيث كانت لغته شِعرية لم تخدم بالكثير من صورها وجملها حالة وفكرة العرض، أو بشكل أكثر دقة، لم تقدم جديداً لكل ما سبق.
هذا الأمر، أدى في الوقت نفسه ليكون هناك إيقاع ثابت في أداء الممثلين طوال العمل، ما كسر الكثير من حالاتهم الإنسانية وانفعالاتهم الدرامية الخاصة بالشخصيات، فكان الأداء واحد في معظم فترات العرض المسرحي. إضافة إلى أن المخرج لم يقدم رؤية جديدة يحقق فيها فكرة التجديد والإشتغال التي ينتج عنها حالة مسرحية مبتكرة ومغايرة، وزوايا نظر أخرى عن الحبيبة والوطن والحرية ومختلف هذه الأفكار الإنسانية العظيمة. ما أجبره على الإستعانة بنفس الخطابات المنبرية في هذا الشأن بمناطق عديدة من العمل.

دلالات لفافة التبغ.. بين الوضوح والغباش

على جانب آخر، وربما يكون الأمر عائد بالأساس للنصّ الأصلي “لفافة وطن” -الممسرح عرض رهين عنه- لم تكن العلاقة بين إجبار البطل على تدخين إحدى اللفافتين لفافة الحبيبة أو لفافة الوطن، وبين دلالات لفافة التبغ عموماً واضحة بشكل يتيح للمتلقي فهم أسباب هذه العلاقة بين المحققين وبين رهين الشاب الثائر والمُحب. فدلالة لفافة التبغ تتعلق بالنزوة سريعة الإشتعال والإنتهاء، ما يطرح سؤالاً مهماً ربما، وهو لماذا يتم إجبار البطل على تدخين لفافة تدل على الوطن أو أخرى على الحبيبة. الأمر الذي قد يجعل الدلالة تستحضر عكس ما يرتجيه المؤلف والمخرج، فهل كان حب الوطن والحرية…… نزوة سريعة الإشتعال؟.

سينوغرافيا غرفة التحقيق..

إضاءة حمراء داكنة، موسيقى تصيب المتلقي ببعض التوتر والقلق، الدخان المنتشر طوال فترة العمل على الخشبة، كل هذه العناصر السينوغرافية تمكنت من خدمة فكرة العرض بشكل مناسب، فأوحت لنا بما يحدث في أقبية المعتقلات وغُرف التحقيق التي كان البطل وحبيبته “حورية” وأصوات الشباب الرافض، يثورون عليها كونها وجه خطير مخفيٌّ للديكتاتور في أي مكان. فأعطت الأجواء المناسبة والصورة التي حُفرت برأس الكثيرين حول ما كان يحدث تحت الأرض –إن جاز التعبير-، ومن الممكن القول بأنها سمحت للجمهور عيش هذه التجربة طوال أكثر من ساعة.
وساهم أكثر فيما ذكرناه سالفاً، بأن عمق خشبة المسرح كانت أحايين عدة، ممتلئة بأبواب الزنازين التي يقبع فيها معتقلو الرأي، الذين كانوا يطالبون بحريتهم وحرية البلاد. ما جعل الربط بين غرفة الشخصية رهين، الذي كان محاصراً بالمحققين وفوهات مسدساتهم، وبين أقبية التحقيق، أكثر وضوحاً، وشعر به المتلقي بالقدر الكافي الذي يوصل حالة العمل وفكرته عموماً إلى وعيه.

ولم يغفل المخرج بوزيد، عن الرقابة التي تفرضها هذه الأنظمة على وسائل الإتصال والتواصل الحديثة، فكان المحققون يراقبون الحديث بين رهين وحبيبته حورية، الذي كان عبر الإنترنت من خلال هذه الوسائل. وكانت استعانة المخرج بمجسمات المحققين، قد أضافت بُعداً جديداً بأن رهين مراقب في الحقيقة والافتراض أيضاً، فكان هناك ربط ناجح بين غرفة التحقيق وبين هذه الرقابة الحديثة، التي حوّلت غُرف نومنا وجلوسنا إلى ما يشبه أقبية المعتقلات.

في النهاية، تمكنت الحرية المتجسدة بشخصية الحبيبة التي أدتها نوال المسعودي، من الإنتصار على الظلم والديكتاتور، وذلك بعد صراع قوى بينها وبين حُراس الظلام. كما قرّبت أصوات الثائرين وجعلتها أعلى وأكثر قوة. كما جعلت رهين نفسه أكثر قوة في وجه المحققين وأكثر صلابة. وزاد بود زيد على مشهد الإنتصار الإخير، بأن استعان برمزية ثبّتت ما سبق، وهي قيامه بإسقاط مجسمات المحققين الكرتونية، ومن قام بإسقاطها المحققون أنفسهم، وكأن المخرج الجزائري يقول بأن قوى الشرّ والظلام لا بدّ من أنها سوف تأكل بعضها في لحظة الحقيقة.

محمد المعايطة – الأردن

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح