مسرحية رحلة إلى الغد لتوفيق الحكيم/د. علي خليفة

صراع الإنسان مع الزمن من القضايا الذهنية التي انشغل بها الحكيم في عدة مسرحيات ، ولا غرابة أن نرى الكاتب يعود في أعمال تالية ليناقش قضية فكرية تعرض لها من قبل ، ويرى أن لدية تصور جديد بشأنها ، أو لديه حنين لإعادة عرضها في عمل جديد ، وفِي كل الأحوال فقد تعرض الحكيم لصراع الإنسان مع الزمن في ثلاث مسرحيات كبرى كان أولها مسرحية أهل الكهف التي عرض فيها موقفه من هذه القضية الذهنية فرأى أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش في زمن غير الذي ولد ونشآأ فيه ، وهذا ما حدث لأهل الكهف حين بعثهم ي عصر غير الذي عاشوا فيه من قبل ، فإنهم لم يتكيفوا في العيش فيه ولا مع أناسه فعادوا للكهف طواعية من أنفسهم
وفي مسرحية لو عرف الشباب يكرر الحكيم فيها عرض نفس القضية الذهنية في موقف الإنسان من الزمن ويصل للحكم نفسه فيها في أن الإنسان لا يمكنه أن يواصل العيش في عصر آخر غير الذي نشأ وعاش جانبا كبيرا من حياته فيه ، وإذا كان الحكيم في مسرحية أهل الكهف صور لنا هذه القضية الذهنية من خلال قصة مستوحاة من القرآن الكريم ومن الكتاب المقدس عند النصارى ، فإنه في مسرحية لو عرف الشباب ناقش هذه القضية الذهنية ووصل لنفس الحكم فيها من خلال قصة عصرية فبطلها باشا طاعن في السن ينتظر الموت ، ويتخيل في غفوة أنه عاد شابا بتأثير حقنة تعيد الأنسجة لحيويتها حدثه عنها طبيب يأمل في اختراعها ، ولكن الباشا في حلمه يعجز عن التواصل وقد صار شابا مع الناس ، ويرى أن هذا الشباب الذي منحه صار عبئا عليه ، ويصحو من حلمه فيحمد الله على أن ما كان فيه حلم
أما مسرحية رحلة إلى الغد ففيها يواصل الحكيم عرض القضية نفسها ولكن من خلال رؤية مستقبلية ، وبهذا يكون الحكيم ناقش هذه القضية من خلال رؤية تاريخية قديمة في مسرحية أهل الكهف ، ومن خلال نظرة معاصرة في مسرحية لو عرف الشباب ، ومن خلال نظرة استشرافية للمستقبل في مسرحية رحلة إلى الغد
وفي مسرحية رحلة إلى الغد نرى أن الحكيم مدرك أنه يعيد النظر مرة أخرى في قضيته الذهنية صراع الإنسان مع الزمن ، وأنه يعدها جزءا لاحقا له علاقة بمسرحية أهل الكهف ولهذا يجعل السجينين اللذين صعد بصاروخ للفضاء ووصلا لكوكب يعمل بطاقة كهربية يمكثان فيه ٣٠٩سنة الفترة نفسها التي قضاها أهل الكهف في كهفهم ثم بعثوا للحياة من جديد
وفي مسرحية رحلة لم الغد يعالج الحكيم صراع الإنسان مع الزمن بشكل مختلف بعض الشيء عن مناقشته لهذه القضية في مسرحيتيه السابقتين ، ولكن النتيجة التي يمكن أن نصل إليها من عرضه لهذه القضية في مسرحيته هذه هو تشاؤمه من المستقبل وتخوفه منه ، فهو مستقبل تتحكم فيه الآلة ، ويفقد الإنسان قيمته في كونه يعمل ويعرق وينتج ويصبح عاطلا -إلا القليل من البشر خاصة من العلماء-ولهذا يصبح الزمن عبئا على الانسان م ولهذا تكثر خالات الانتحار في هذا المستقبل الذي وفر للإنسان الطعام والراحة ولكنه أفقده رغبته في العمل والطموح والإنتاج، وما أشبه هذه العالم الأرضي الذي وصل إليه السجينان على الأرض بالكوكب الغريب الذي عاشا فيه ٣٠٩عاما وكانا يعيشان فيه بطاقة كعربية في هذا الكوكب وتحولا لآلتين وفقدا كل معاني الإنسانية فيه وشجرا من حياتهما عليه حتى عادا للأرض بعد أن أصلحا الصاروخ الذي صعدا به لهذا الكوكب الغريب
وليست هذه المسرحية هي المسرحية الوحيدة للحكيم التي يوظف فيها تقنيات الخيال العلمي في التنبؤ بالمستقبل ووضع الإنسان فيه ، ولكنه وظف الخيال العلمي في مسرحيات أخرى كمسرحية الطعام لكل فم التي توقع الحكيم فيها أن الإنسان سيحل في المستقبل قضية الغذاء باستخراجه وتصنيعه من أعشاب في البحار ومن مواد كيماوية مصنعة ، وفِي مسرحية صلاة الملائكة يرى الحكيم على لسان علم في هذه المسرحية أن العلم لو وظف لخدمة البشرية فسوف يصل بالإنسان لتوفير الطعام لكل البشر بوسائل سهلة
وكذلك في مسرحية لو عرف الشباب يرى الحكيم أن العلم قد يصل لاكتشاف عقاقير تعيد لأنسجة الجسم نضارتها فيطيل هذا في أعمار البشر، وفِي مسرحية رحلة إلى القمر ومسرحية شاعر فوق القمر يتصور الحكيم أن هناك كائناتصحاب القلوب الشفافة لا سيما من الشعراء غير مرئيّة على القمر ولكنها لن تكشف نفسها إلا لأ
وتوظيف الحكيم لتقنيات الخيال العلمي في مسرحياته الأخرى غير مسرحية رحلة إلى الغد لا نرى الحكيم يبالغ في تصوراته للخيال العلمي بل يأتي الحديث عن الخيال العلمي في جزئية من المسرحية أو موقف منها ، أما مسرحية رحلة إلى الغد فهي مثال جيد لمسرحية الخيال العلمي ، وما أقل هذا النوع من المسرحيات في المسرح العالمي لأن معظم كتاب أدب الخيال العلمي يكتبون الروايات مثلما نرى في روايات إتش جي ويلز عن الخيال العلمي لا سيما روايته رحلة إلى القمر
ومن الواضح أن الحكيم قبل أن يقرأ هذه المسرحية قد صنع ما يصنعه كتاب أدب الخيال العلمي في جمع المعلومات العلمية الصحيحة من مصادرها ، وتصور كيف يمكن أن تتطور هذه المعلومات وما تؤدي إليه من اختراعات في المستقبل ، وعلى مدار هذه المسرحية نرى حديثا عن منجزات علمية اخترعت في المستقبل وكان لها أثر على حياة الإنسان بالإيجاب أو بالسلب
وأرى أن الحكيم كان مدركا ما يصنعه في هذه المسرحية فهو دائما في رحلته مع المسرح العربي كان يحاول خوض كل تجارب المسرح التي عرفها العالم قديما وحديثا ولهذا كتب الكوميديا والتراجيديات والمسرحية الذهنية والمسرحية الواقعية ومسرح العبث ، وفِي هذه المسرحية يكتب مسرح الخيال العلمي من خلال التقنيات التي يكتب من خلالها ومزج به مسرحه الذهني ، ولكن الأفكار الذهنية هنا لم تفقد حيويتها في هذه المسرحية لما بها من إنها أدى إليه أسلوبها في استشراف المستقبل
ومع ذلك فأنا أرى في هذه المسرحية مفارقة غريبة ، وهي أن الحكيم على الرغم من ذكره فيها تصورات كثيرة عن وضع الإنسان والآلات التي ستساعده في المستقبل من خلال أسلوب الخيال العلمي ، ولكن المسرحية مع ذلك كثر فيها الحوار على الفعل الدرامي ، والفصل الأول منها هو أفضلها وأمتعتها ويذكرنا بمسرحيته السابقة السلطان الحائر ففي الفصل الأول من مسرحية رحلة إلى الغد نرى طبيا مسجونا لكونه انخدع في امرأة أوهمتك أنها تحبه ، وحثته على قتل زوجها ، وقتله بالفعل ، ثم اكتشف أن كل ما فعله كان بتدبير منها من أجل أن تتخلص من زوجها لتعيش مع رجل آخر وكان هذا الطبيب هو وسيلتها في تحقيق مآربها ، ويسخر من الوضع الذي أدى به لانتظار حبل المشنقة ويسخر أكثر من المفارقة في كوّن إدارة السجن تهتم بطعامه وشرابه وهو على وشك مفارقة الحياة ، ثم يأتي إنقاذه من خلال ما عرض عليه من القيام برحلة للفضاء احتمالات النجاة منها ضعيفة ، ولو عاد سالما فلن يعدم ويوافق
إنه فصل فيه حيوية وحركة وفكاهة مرة ،أما الفصلان الثاني والثالث ففيهما حوار ثنائي بين الطبي ومهندس كان مكرما عليه بالإعدام أيضا وشاركه هذه الرحلة ، ويأتي الفصل الرابع لنرى قدرا معقولا من الحركة والتشويق فيه
وتبقى المفارقة في هذه المسرحية أن الحركة في معظم فصولها بطيئة على الرغم من أنها تأخذ تقنية الخيال العلمي أسلوبا لها ، ويعود هذاليس رأيي لأن الحكيم لم يرد أن يقدم صورا من الخيال العلمي مفرغة من النقاش الفكري ، ولهذا غلب النقاش الفكري مواقف كثيرة من هذه المسرحية ، وجاء الحديث عن الابتكارات العلمية في المستقبل خلال هذا النقاش الدهني ، فلهذا كانت الحركة بطيئة في معظم مشاهد هذه المسرحية
والحقيقةًأيضا أن مسرحية أهل الكهف للحكيم أقرب للتراجيديا مع وجود مظاهر من الميلودراما فيها ، ومسرحية رحلة إلى الغد أقرب للميلودراما ، ومسرحية رحلة إلى الغد أقرب للكوميديا ، على الرغم من اتخاذها تقنية الخيال العلمي بها ومن النظرة التشاؤمية فيها ، ونرى فيها مفارقة فيها كوميديا سوداء ، فالسجين الأول دخل السجن أول مرة من أجل امرأة غررت به ، وحكم عليه في عالم مستقبلي بالسجن في كوكب السكون لكونه دافع عن امرأة أحبها أيضا في المستقبل ، ولعل الحكيم بهذا يظهر عدائه للمرأة بشكل واضح ويؤكد أن شعار عداوته للمرأة يستحقه عن جدارة ، ولكن الحكيم لم يكن في كل مسرحياته يظهر عداوته للمرأة بل كثيرا ما أظهر نساء فآليات في بعض مسرحياته كما نرى في مسرحية إيزيس في تصويره لشخصية إيزيس ، وفِي مسرحية السلطان الحائر أظهر لنا بطلتها الغانية امرأة فاضلة خلاف ما يشاع عنها
وختاما تبقى مسرحية رحلة إلى الغد نموذجا للمسرحية العربية التي تتخذ من مفردات أدب الخيال العلمي وسائلها بشكل واضح قل أن نرى له مثيلا في مسحنا العربي على الأقل

محمد سامي / موقع الخشبة

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.