مسرحية «ذاكرة» إخراج سليم الصنهاجي ضمن اختتام مهرجان مسارات المسرح بالمهدية: مساءلة للعدالة الانتقالية وكل الهيئات الحقوقية والدستورية

موجعة هي الذكريات حين تتدفق دفعة واحدة، مؤلم الشعور بالخوف والضيم والقهر، موجع أن ترى وطنك يغرق في بحر التزييف والفساد

ولا تستطيع إنقاذه، بين الخوف والألم والشعور بالقهر تدور أحداث مسرحية «ذاكرة» لسليم الصنهاجي.

«ذاكرة» هي ذاكرة الوطن والمنسيين، ذاكرة المعذبين في وطنهم باسم النظام والسيستام، ذاكرة الصادقين الباحثين عن اعتراف بنضالاتهم والبوح بالحقائق كاملة، مساءلة للتونسيين سياسيين ومثقفين ومواطنين، محاولة لتشريح تونس ماقبل وبعد الثورة، عمل من تمثيل صباح بوزويتة وعبد القادر بن سعيد ورضا بوقديدة.

الذاكرة تسأل عن حق المعذبين زمن الديكتاتورية؟
الذاكرة، ذاكرات ذاكرة الشخص وذاكرة المكان وذاكرة الأوطان، على الرّكح يجمع كل تفاصيل الذاكرة ينفض عنها الغبار يحاول إصلاح اعطابها وتركها تتدفق في الحكي تماما كمسجّل وضعت به البطارية، وانطلق في سرد وقائع حاولت كل المنظمات «الحقوقية» إخفائها.
فضاء خاو، فقط بضعة كراس موضوعة بدقة، كراس بيضاء حديدية قديمة كتلك التي نشاهدها في فضاء الاستقبال في أي مركز امن، مشتتة هي شتات الشخصية المتحدثة، أصوات متضاربة بعضها لإطلاق نار وأخرى لانهيار سقف، رجة يكاد يستشعرها الجمهور صنعت بالموسيقى قبل ظهور الشخصيتين، شيخ وعجوز اخذ منهما الزمن ملامح الشباب ورسم تجاعيده وكانت انحناءة الظهر بطاقة هوية لكليهما، يتحدثان كأي ثنائي في العموميات ويحاولان شدّ انتباه المتفرج بطريقة تجمع بين السخرية والنقد ثم يصرحان معا أن الفصل 23 من الدستور نصّ على ان «الدولة تحمي كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادي ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم»، ثم يضيفان «تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامّة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم» الفصل 21 من الباب الثاني لدستور الجمهورية التونسية.

تصنع الإضاءة بعدها التجريبي في العمل لتكون رافدا للفعل الإبداعي المقدم على الركح، كلاهما ترك الزمن حكاياه على الملامح الخارجية وجرحا في الروح أيضا فهما محام وزوجته، هو مناضل دفع الكثير ليكون على رأس هيئة المحاماة «ما اقواه، كان صوتو يلعلع محامي قوي» كما تقول المرأة في حديثها عن زوجها، شخصية مركبة ابدع في تقديمها عبد القادر بن سعيد تقمص دورا أكبر من عمره الحقيقي واتقنه جيدا، يعرف تفاصيل الحركة وطريقة النطق وتقويس الظهر والحركات البطيئة، بن سعيد عرف مكامن الشخصية جيدا حدّ الصدق معها.

وهي امرأة بحجم وطن، أنثى تحملت عذابا تعجز عن حمله الجبال، أنثى تعذب وتغتصب من أمنيين والطبيب دون تهمة واضحة، تحاول فتح جراح الذاكرة تريد إفراغ تلك الجمجمة المسكونة بالخوف ورائحة الدم عبر مسائلة إحدى جلاديها فيكون نزيف الذاكرة.
«ذاكرة» المسرحية المسكونة بالسؤال، عمل يسائل ذاكرة التونسيين ويضع الجميع في خانة الاتهام؟ هل انتصر التونسيون لثورتهم؟ هل فتحت ملفات الفساد في زمن الديكتاتورية؟ هل هيئة الحقيقة والكرامة عملت على كل الملفات دون إخفاء بعضها بسبب الضغوط الداخلية أو السلطوية؟ مسرحية تساءل المجتمع وتسائل المثقفين والمبدعين تضعهم تحت مجهر النقد وتقوم بـ «زوم» للكشف عن أنانية البعض في التعامل مع الثورة والوطن وانتهازية البعض الآخر وركوبه على الأحداث لصناعة مسرح مزيف، أما السياسيون فاغلبهم مشكوك في حبهم لهذا الوطن لان اغلبهم صمت عن الكثير من الجرائم في حق الإنسان التونسي، الذاكرة تشرع الشبابيك ليعرف الجمهور دواخله ويقترب أكثر من الوجع التونسي الساكن في الكثير من المواطنين الذين دفعوا دماءهم وحياتهم وحرياتهم وحرماتهم الجسدية ثمنا للحرية.

هل يجوز الحديث عن حرية
في غياب المساءلة؟
تتصاعد أحداث المسرحية بدخول شخص ثالث إلى فضاء الحكي، تتغير الموسيقى وتصبح كما نبضات القلب القوية والمرعبة، تخفت الإضاءة قليلا وتسلط في مكان واحد وكأننا بالمخرج يريد لفت الانتباه إلى الشخص الثالث وكأنه الحقيقة المطلقة، تتغير الحركات على الركح، تصبح الخطى أسرع والصوت يتهدج بالألم، هي توقن جيدا انها تعرفه، رائحته رسخت في داخلها اما الزوج فيدعي النسيان كذلك الشخص الثالث، الطبيب شخصية متلونة ومركبة اتقنها رضا بوقديدة فجمع بين الضحكة و الإقناع في تقديمها.
في الحكاية يجتمع ثلاثة اشخاص، رجلان وامرأة وجميعهم متهمون، هي متهمة بالصمت امام عذاباتها الطويلة وزوجها متهم بخيانة الثقة والتزام الحياد ليصل الى تحقيق حلمه والحصول على منصب سياسي والشخص الثالث الطبيب متهم بالتورط في قضايا التعذيب، تذكره بجرائمه الكثيرة فيجيب «مانتذكركش نخدم في خدمتي» وتواصل استنزاف الذاكرة فيصمت حيزا من الوقت كصمت السلطة لاعوام على قضايا التعذيب الكثيرة ويعيد نفس الاجابة «انا طبيب نخدم في خدمتي»، ينكر التهم الموجهة اليه، يتبادلون المواقع ليصبح الجلاد هو الضحية وتحاول سرقة الاعتراف منه، يتبادلون الكراسي وجميعها بيضاء وكانهم يقولون لاشيء تغير، اختلف اسم النظام ربما، تغير الاشخاص لكن «السيستام» لازال نفسه قويا ومتجبرا وكم من تونسي توفي تحت التعذيب بعد ثورة الحرية والكرامة.

تبوح الذاكرة بالوجع المخفي لاعوام طويلة، وجع برائحة الصدإ، عطن ومنهك للروح، قلق تتقن صباح بوزويته إيصاله إلى الجمهور فينخرط هو الآخر في الشعور بالقلق والخوف، الممثلة البارعة تتحرك على الركح بشغف طفلة وحنكة ممثلة لها زادها الإبداعي الكبير، تقنع وتسرق الضحكة وتخطف الانتباه، تتقمص الشخصية المركبة بكل صدق فتبدو عظيمة على الركح وتلقائية وكأنها تحكي وجعها الشخصي لا وجع شخصية كتبت تفاصيلها، صباح بوزويتة العاشقة للمسرح أتقنت دورها وكانت «الطريزة» جميلة جدا بين النص المنطوق وحركات الجسد وكانها تستنطق ذاكرة التونسيين.
بين الجلاد والضحية خيط رفيع من الوجع، بين الصادق والخائن خيط رفيع من الالم، بين المغتصبِ والمغتصبة سنوات من الخوف لا تمحوها آلة الزمن هكذا توصل الشخصية رسالتها وهي تبحث عن اعتراف بما حدث «ما نحبش تعويض، نحب اعتراف» حينها تتدخل المنظومة بالكلمة الشهييرة «نسيت» و»اين الشهود» لتبوح بوجع صادق «أنا الشاهد وأنا الضحية، الرعب شاهد والخوف شاهد والسيكاتريس شاهد، أنا الضحية وأنا الإثبات»، فالشخصية تطلب الحقيقة فقط، الحقيقة التي يريد معرفتها الكثير من التونسيين نجدها على الركح فالمسرح وعاء للصدق واسئلته المطروحة باب للحقيقة.

 

بقلم مفيدة خليل

https://ar.lemaghreb.tn/

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح