أخبار عاجلة

مسرحية خريف و التجريب بالواقع

ظفار المفرجي
 
 
مسرحية ” خريف ” إعداد و إخراج صميم حسب الله عن مسرحية ( رقابة مشددة ) للكاتب الفرنسي ( جان جينيه ) و مسرحية ( سرداب ) للكاتب العراقي ( حيدر جمعه ) 
تمثيل : يحيى إبراهيم
حيدر جمعه
هشام جواد
بهاء خيون
سينوغرافيا علي محمود السوداني 
عرضت المسرحية في بغداد على منتدى المسرح يوم السبت الموافق 27 / 8 / 2016
و عرضت على فضاء كاتدرائية ميديا تيك مكتبة يحيى بن عودة في مدينة وهران الجزائرية ضمن مهرجان المسرح العربي التاسع يوم الأربعاء 18 / 1 / 2017 
عرضت في مدينة مانهايم الألمانية في يوم الأحد المصادف 29 / 4 / 2018 
أهمية الموضوع
الاسم خريف هو أخر الفصول المناخية و هو النهاية في الميثولوجيا العراقية ، و رغم ان وصول الزمن الى الخريف يحمل بعض التشاؤم ، إلاإن دوران الزمن يفرض وجود الأمل في الربيع القادم ، الانبعاث و إن كان ليس في المنظور القريب ، و على هذا يعد خريف حقبة في الزمن تموت فيها أشياء و تنتظر ولادة أخرى ، و عليه فأن النص يشير الى خريف شيء ما ، و ولادة أخر مختلف و لكن قد يكون أسوأ ، و هكذا على المتلقي أن يتأمل و يقرأ قرأته الخاصة و يعرف ما الذي سيأتي ، كل بطريقته .
يبتدئ العرض بعد نهاية الحدث الرئيس فيه ، و هذا يعني أن الحدث هو فعل ماض ، و نص العرض فعل بزمن أخرأكثر قربا للحاضر ، زمن يقدم الأدلة لمواصلة التفكير و هو زمن الحدث في العرض  ، و هما زمنين مختلفين تماما ، ناهيك عن زمن التلقي و هو فعل أني فوري بفعل المواجهة ما بين المتلقي و الملقي و هو الأهم كما اعتقد لأننا نطلق الأحكام فيه و ينتمي إليه  زمن هذا المقال  . و الحدث المقصود هو فعل القتل و سلسلة الجرائم إبان فترة الطائفية في العراق  سيئة الصيت . و إن لم يشر نص العرض إلى ذلك صراحة ، كما ان نص المؤلف الذي حصلت عليه لا زال يحتفظ بأسماء شخصيات النصوص الأصلية لـ ( جان جينية ) ( )  و ( حيدر جمعة ) ( ) ذاتها .
و الاختلاف ما بين الأزمان يسمح لنا بالنظر إلى المشكلة  و تقييمها .. فالزمن الأول ( فترة الطائفية ) توقفت فيها الحياة و انحسرت ما بين الساعة التاسعة صباحا و الواحدة ظهرا ما يكفي لعمل فعل محدد واحد و العودة إلى المنزل ( المخبأ ) ، و هو زمن استباحت فيه القوات العسكرية المتنوعة الشوارع  ، القوات المحتلة ، جيوش لأكثر من عشرين دولة و ميليشيات و شركات أمنية و حمايات و أطراف أخرى و مع هذا حدثت تلك الأحداث ، و رغم وجود هذا العدد من القوات المدججة بالسلاح ، فأن الجثث كانت تترك في الشوارع و قرب المزابل و في المناطق المهجورة و اختفى فيها عدد كبير من الناس و إلى الأبد .  ما يسمح لنا في الزمنين التاليين من التساؤل ، هل يعرف القتلة كيف غيروا الإنسان العراقي و إلى الأبد ؟ و هل يعرفون حجم الفتنة التي زرعوها في وطنهم ، هم الأدوات حتما لأطراف خارجية ؟ هل هم نادمون ؟ هل عادت الحياة بعد تلك الأحداث و كأن شيئا لم يكن ؟ و هل هم على استعداد للتغيير في حال تم إجراء تغيير ؟ هل هم حجر عثرة في طريق إصلاح الحياة ؟ هل هم أصحاب قضية حقيقية لتستحق كل هذا الخراب ؟ و هل المشاركة في أفعالهم فعلا او بالتفرج و السكوت أو الهرب يصنع الحياة . ؟  و العرض المسرحي خريف  لا يقدم و لا يثير هذه الأسئلة كلها  إنما يدعونا للتأمل في الموضوع و تلك الأسئلة سنمر بها حتما بعد نهاية العرض ، و العرض  باختياره هذا الموضوع يغاير المعتاد ( و المعتاد هو الابتعاد عن المواضيع العالقة التي تثير الخلاف ) فكيف بواحد من اصعبها ؟ ،  و الموضوع في الحقيقة محرج ، يثير الالتباس و الريبة لدى البعض ، و بهذا فهو موضوع مسكوت عنه . لأن كثير  ممن شارك في الخلاف الطائفي او عانى منه  لا زالوا على قيد الحياة . و لازال كل ما حدث عالقا في مخيلته و ذاكرته يعيقه على مواصلة الحياة ، او تحوله نفسه الى عائق للحياة . 
المعالجة 
يحدث القتل في الواقع لا في عالم الخيال ، و القسوة تشعر بها متى شعرت بعالم الواقع لأنه عالم مادي لا تنفعك فيه إلا حواسك المعروفة ، لذا فأن من لا يجيدون استخدام حواسهم أو تحمل قسوة العالم الواقعي تراهم يلجئون الى عوالم أخرى ( الواقع الافتراضي ، الألعاب الالكترونية و ما إلى ذلك ، المخدرات ، المشروبات الكحولية ، الجنس ) و كلها عوالم هروب و خدر تصنع حاجزا بين من يتمتع بها و الواقع . لذا فمن الأفضل البحث عن الأجوبة في عالم الواقع في محيط الأسئلة  نفسه أو جانب منه ، و إن تبحث عن الردود الأكثر واقعية بصفتها الأكثر منطقية في الواقع نفسه  ، كما إن الفعل نفسه حدث في الواقع بصفته حدث تاريخي ، يعني حتمية تناوله بأسلوب واقعي أو تحت ضغط التجريب بالواقع ، مثل الأساليب الملحمية أو التسجيلية . 
و الواقع المحمل بكل تلك الأحداث الدامية هو واقع قاسي ، اسود ، كابوسي بسبب نتائجه التي يعاني منها العراق حتى اليوم ، و بالعودة إلى القصص التي أشيعت إبان فترة القتل الطائفي ، نجد إن الكثير منها حقيقي لأنه مسند ، و لكن الكثير منها أيضا غير حقيقي صاغه الخيال لسببين إن العقل البشري عقل يجنح إلى تهويل الأشياء و الثاني تقصد الأطراف المتحاربة تهويل صورتها بصفتها قاسية و قوية . 
و لم يبق أمام من يتصدى لهذه الفكرة في المسرح الا أن يختار اخف الصور التي تعالج هذه الفترة الدموية بسبب من صعوبة تصوير عمليات القتل بالصيغة الواردة من تلك الفترة و عدم رغبة المعد الخوض فيها . 
إلا إن الواقع يحتوي على جوانب أخرى تثير الالتباس هي ذاتها الجوانب سبب الخلاف مثل ( الدين و السياسة و الطائفية و المناطقية و اللهجة و أشياء أخرى )  فكان مهما ان يبتعد النص عن كل هذا ، و هو الأمر الذي اختاره المعد ، فلم يجنح النص لهذه الأسباب إلى الوثائقية أو الملحمية لأنه سيتجرد من الفعل الواقعي المعتاد و يضطر للتعليق على الأحداث من خارجها ، او إبداء رأيه في إحدى وثائقها ، و هو الأمر الذي يعني اشتراكه ضمنا في الفعل موضوع الجدل و لو بالوقوف على الحياد . و لم يتبق أمام النص إلا دفع المتلقي للبحث و التأمل  في الأسباب و النتائج النفسية الموجبة للإنسان القاتل و أسبابه و تبعات أفعاله مع إضافات إيهامية تمنح الحدث المصداقية و القوة الفنية مثل البيئة و المنظر و المكان ( مكان العرض ) رغم انه أشير إلى اختيار مكان العرض ( المنتدى ) ارتبط بضعف الإنتاج ، الأمر الذي يبرر الاختزال في المنظر و عناصر العرض .
إن إطلاق الأسئلة من قبيل كيف يمكن للقاتل الطائفي أن يقتل ضحاياه ؟ هي أسئلة يصعب الإجابة عليها لسببين إن فعل القتل لحظة القتل لا يتعلق بالطائفية بل بالقتل نفسه ، أي انه يشبه أي قاتل ، و الدليل إن كل من يثير أعصابه ساعة القتل المتأججة يمكن أن يقتل لأن القاتل ساعتها يرغب بالقتل ليشفي خلل نفسي داخله ، و ربما عقلي . 
أما التفكير بالمقتول على انه من طائفة أخرى فأنه يأتي بعد القتل ليبرر بها حاجته للقتل ، و عادة لا يختار القاتل ضحاياه بل يختارها له آخرون و هم قتلة و إن لم يقتلوا بأيديهم . و هم عمليا فقدو إنسانيتهم منذ زمن و تحولوا إلى حيوانات مفترسة لا يمكنك إقناعها ساعة القتل بالتخلي عن الافتراس ، لأنه إن لم يفترس سيموت ، أي تحولت الجريمة إلى مسألة بقاء . 
أي يبقى اقتراف الجريمة ناجم عن خلل نفسي داخلي ، أو ضغط خارجي يولد خلل داخلي ، و هي كلها مشاكل مسبقة في ذات القاتل يوفر لها بيئة من المبررات ليمارس القتل ، إن فعل القتل ( الجريمة ) تعني إيقاف إمكانية حل المشكلة النفسية و استعصاءها على الحل ، لأن جريمة القتل هي فعل قطيعة مع الحياة الطبيعية . إذن القاتل مريض قطع صلته بالحياة تماما و هو غير قادر على إصلاح هذه العلاقة لأن الآخرين ، كل الآخرين بمن فيهم أحباءه سيتحولون إلى طرائد في لحظات معينة يمكن قتلهم في أي لحظة متى أراد . 
و هكذا نجد إن الفصل بين مشاعر الإنسان المتشابهة حتى بين القتلة و خصوصية الموضوع الطائفي هو أمر ممكن و يغني الموضوع عند الأعداد للعمل و خصوصا الجانب الواقعي لأن استحضار الصور المتعلقة بالقتل و بقاء القاتل و المختطف في مكان واحد يمنح المعد مساحة من الحرية لافتراض أحداث ليس بالضرورة إنها حدثت لكنها تحدث في حوادث مشابهة ليس بالضرورة إنها طائفية ، ثم إضافة الحوار المتعلق بالطائفية .
و عليه فأن وجود القتلة هو حاجز أمام حل الموضوع الشائك لأنهم سيقفون بجانب الموت الذي يجيدونه ، لا إلى جانب الطرائد ( الأحياء منا ) و هكذا لم يعد لقضيتهم الأصلية معنى و لم تعد المبادئ التي من اجلها انضموا إلى الطائفة التي تدعو للدين أي معنى ، بينما سيقاتلون من اجل الاحتفاظ بالمكانة التي حققها لهم الخوف ، خوف الآخرين من الموت و الاحترام الزائف الذين حققوه ، و سيصبحون عبئا على أنصارهم الذين لا يجيدون القتل  .
و هذا التوجه يفرض خلق مساحة من الجدل و المواقف البينية بين شخصيات مريضة نفسيا ، مواقف يومية واقعية و حوارات تثير رأي القاتل في الجريمة التي اقترفها ، و لأن الحوار الصريح بدوره مؤلم و مثير للالتباس فأصبح من الضروري اختيار لغة ملغزة اختزالية نفسية قريبة من الشعر بقدر بقاءها واقعية ، ما يسمح بسبب هذه اللغة من خلق جو نفسي يصنع طقسا قاسيا مثيرا للتأمل و التفكير بالأمر برمته ، دون مواجهة مشكلة يتطلب حلها من قبل المتلقي . لأنها لم تحل في الواقع أصلا ، و أي حل سيقدم بهذه الطريقة سيثير جدلا بحجم دموية المشكلة . فكان هذا النص . 
 
إجراءات العرض
يتضح منذ البداية إبقاء و إضافة كل ما من شأنه أن يؤكد المنهج الواقعي التقليدي ابتداء من التمثيل و الحوار إلى المنظر و الحركة داخل المنظر بالإضافة إلى تجريد العرض من الزوائد ، لدعم التوجه الواقعي .
و زمن العرض ممتد و متجه مع مسير الزمن اليومي  المعتاد  و لم يتضمن أي عودة بالزمن ( فلاش باك ) فعلا إلا عبر الحوارات ، كما اقتطع الزمن مرة واحدة ما بين مشهد الخروج من الحمام و لكنه ظل متجها مع حركة الساعة ، كما إن الزمن عائم سري يعزز الإحساس بالغموض لأنه غير معلوم ان كان فجرا أو ليلا نهارا او مساءا . 
و المكان هو منطقة غير واضحة ما بين اللامكان و مكان العيش و السجن التي هي بملامح شرقية ، و بسبب وسائل الإيهام بالقسوة تحول المكان إلى قبو تعذيب سري
و من الواضح إن المخرج سعى منذ البداية لتصفية الأثاث و المكونات الزائدة مبقيا و معتمدا على الحدث المصنوع بأجساد الممثلين في فراغ زمني بيني عادة ما يحدث في الحياة ،  فاستعاض عن الأثاث بكراسي صغيرة شخصية يحملها الممثل معه أين ما حل ، بالأضافة الى دلالتها التي تشير الى استخدامها المزدوج ما بين عصى تساعد على المشي و كرسي للجلوس جاهز للفتح في اي مكان في الشارع و هي في الحالتين تساعد العاجز على التواصل مع الحياة ، و هم بهذا عجزة لا يمكنهم التواصل مع الحياة الا عبر طرق محددة عبر وسائل مساعدة ،  كما أضافت الإضاءة الليلية و انعكاسها الواقعي إيهاما ساعد واقعية التلقي مع المعمار الذي كان حجة العرض في انتمائه الطرازي للعراق و لم يقدم العرض أي دليل أخر على الطراز .  
و حول الحركة في الفراغ الزمني المشار إليه و  التي تحدث عادة في عالم الواقع يقوم خيال المخرج  بوظيفة ارشاده و  حواسه إلى الحدث فيوظف الممثلين أجسادهم ليتخيلوا أيضا و يبنوا الفرضيات على نص المخرج الذي أعاد بناءه انطلاقا من نصه المعد ، و من تلك الأفكار  : – 
1- كيف يتحرك الإنسان تحت ضغط فقدان الحواس ،  لو تم توثيق يديه و رجليه و عينيه ؟ خصوصا إذا تعرض إلى تعذيب و كان عقله يجهل مكان وجود الجسد و مع من يتواجد و لماذا ؟ كل شيء مجهول حتى الشعور بالمساحة و الزمن ؟
2- الأداء وسط إرسال دائم للشعور بعدم الثقة من الأخر منطقة حزام من الخوف و التحدي و حضور القسوة الجسدية و الإيحاء بالأقوى و الأضعف 
3- نقل كامل للصورة الآنية التي يتواجد فيها القتلة و رضوخ الأضعف و سيطرة الأقوى و ميل الجميع لإظهار الجانب الحيواني فيهم لبث الرعب في بعضهم عالم بوهيمي يخلو من الإنسانية تقريبا 
4- الإيهام بالقسوة مثل  خوف الشخصيات من الغرفة المتروكة  تجعل المتلقي يفكر في ماهية الغرفة و ما الذي تحتويه ، و لماذا تثير الرعب ، هل هي غرفة تعذيب عادي ، كهرباء ، قلع أظافر مثلا ، أم إنها غرفة للقتل غير الرحيم ؟؟ و مع إننا لا نرى كل ذلك فأن هناك قسوة في تركنا نتخيله . و الأمر ذاته ينطوي على الالتصاق بالحائط و الابتعاد عن القتلة الذين لا ينتبهون لوجود الضحايا و لكن متى ما انتبهوا ربما اشتهوا القتل ، و هكذا يتحاشى الضحية الموت بالصدفة ، و هي قسوة ، و إثارة حواس المتلقي بأصوات تتعلق بالقسوة مثل صوت الحديد و اصطدامه بالحائط ( السلسلة ) 
5- التجريب بالواقع عن طريق تقديم مشاهد تمثيلية بدون حوار و بطريقة طقسية ، و التركيز على اللمسة المحاذية للتمثيل مثل  لحظات الصمت في العرض التي تترافق معها الحركة ، و المشاهد المتوالية في البداية الطويلة بدون حوار ، إذ تمر أكثر من 15 دقيقة من العرض و الشخصيات لم تنطق ، بالإضافة إلى صورة الخروج من الحمام الطويل نسبيا ، ونقل  الإحساس بالراحة بعد الحمام و البخار الحار الذي يصطدم بالأرض الباردة خارج الحمام وعند تحولها الى طقس فأنها تتحول إلى  صورة غير معتادة  ، قدمت دلائل على دخول الأربعة إلى الحمام و ربما شذوذهم الجنسي ، حيث القوي يحكم الضعيف و الضعيف بالإضافة الى ممارسته دور الضعيف فأنه يقوم بالخدمة و دور التابع .. الخ ، و هو مشهد واقعي مكتمل نراه يحدث في سجون القتلة بالإضافة الى جماليته الآنية ، بطء الحركة وسط الدخان و الإضاءة الخلفية و الموسيقى المساندة  . 
كما يحتوي العرض على كسرين للأسلوب في نص العرض ، كسر فيهما المخرج أسلوبه الواقعي هما : – 
1- كسر السينوغراف الواقعية بالإضاءة التعبيرية التي وافق عليها المخرج بالإضافة إلى نافورة الدم التعبيرية التي مستمرة في ضخ الدم أسفل البناء
2- كسر ملحمي عن طريق حوار الممثل ( يحيى إبراهيم ) ( )  عندما خاطب المتلقين بشكل مباشر ( انتم ترسمون طريق الجحيم ، هل تعرفون ما هي اكبر خطاياكم ، إنكم ساكتين صامتين لم تتفوهوا بحرف ) 
و ينتهي العرض على نافورة الدم المستمرة و تلك إشارة تعبيرية رمزية لاستمرارها في الزمن بعد العرض 
التمثيل 
هناك مستويين من الشخصيات يقسم شخصيات العرض الأربعة بالتساوي هما : – 
1- شخصيات القتلة : و هي شخصيات غير سوية فالأول هرم يفقد ذاكرته و تصعب عليه القراءة  لأن الضحية الثانية تعودت إن تقرأ له رسائله الخاصة ، و هو  يضرب نفسه بطريقة شاذة كمريض نفسي بالحائط  ( مازوشي ) ( ) كما إن لديه عقلية حيوانية تتضح عندما يغضب لأنه يضرب قدميه بالأرض كثور يستعد للهجوم . و يعاني الثاني من العمى و من تهويمات ( شيزوفرينية ) ( ) تراه يبعد شيئا دائما من فضاء رأسه ربما رائحة عفنة أو قطرات دم 
2- شخصيات اضعف ( مختطفين ) و يبدو إنهم أكثر إنسانية من القتلة ، بسبب تعاملهم كأسوياء مع بعضهم و ميولهم الخفية للبحث عن الحرية و طريقة تحرير احدهم لنفسه بأن ينزل يده أسفل جسده كله ثم يخرجها من الأمام ليفتحها .
و قد وفر التمثيل بوصفه الأداة الرئيسية في العرض و المثالية للحدث الواقعي ، الإيهام بالقسوة عبر : – 
1- البوليسية  ، الدفع و الضرب و السحب بالقوة يصاحبه أنين و سعال و تأوهات 
2- استمرار السعال بعد خروج القتلة بمساندة الإضاءة الخافتة و طرازيه المكان القديمة كلها وفرت الإحساس بالوسخ و عدم نظافة المكان 
3- طريقة رمي الأجساد واحدا فوق الأخر 
4- اكتشاف إن الشخصيات بلا حواس سوى حاسة الشم التي تعطيك رموز للأشياء ، أي إن الصورة غير مكتملة لديهم لأن العينين و اليدين و القدمين موثقة ( مشدودة إلى بعضها )، و يعني ذلك التمثيل في ظل نقص الحواس ، و تلك عملية صعبة أدائية تؤدي إلى التركيز على الممثل و كيف سيتصرف ، كما لو كان في سيرك يتحرك على حبل ، و ان كان سينجح أم لا ، و هو على كل حال لن يتصرف على طبيعته بسبب هذا النقص ، ما ينتج مشهدا غير مألوف و مثير لأنه غير مألوف . و هي عملية قاسية لأنها تريك إنسانا تحت الضغط ، إنسان سوي يفقد حواسه ، أي انه ليس إنسانا فاقدا للحواس تدرب على فقدان حاسة ما  لزمن طويل 
5-  تصوير عملية لا تكتمل لحرق إنسان بسكاره بعد صب وقود عليه و يتوقف القاتل عند سماعه الأذان ، في إشارة إلى تدينه و خوفه من الله ، و في الوقت الذي يعد فيه قتل النفس حرام فكيف بقتل الأخر ، إن الإشارة هنا ، إلى إن الله هو سبب إنقاذهم لا سبب موتهم . أي رغم إن القتل باسم الدين فأن حضور الدين أنقذهم من الموت ، و تلك مفارقة حقيقية .
6- الحوار يشير إلى الأحداث الدموية التي لم يتم الكشف عنها و قتل الناس في الخفاء و الجثث المجهولة التي لم تكن مجهولة قبل قتلها ، إنهم يصيدون ضحاياهم مثلما يصيد المفترس ضحيته . 
لم يكن يبدو إن القاتل في العرض قد قرر مسبقا قتل الضحية ، إلا في إشارات التهديد الآنية بسبب حوار أو تصرف تتصرفه الضحية فيهددها القاتل بالعقاب ، أي لم يشر العرض إلى إن القتلة  هنا و ضحاياهم من طائفتين متشاحنتين و لم يشر أي إشارة إلى أسباب وجودهم معا ، حتى إن الضحية يعترف بأنه شارك في الحرب الطائفية على لسان الممثل ( يحيى إبراهيم ) ” كنا و لا زلنا نتخفى في الطرقات لكنكم لا تريدون النظر إلينا ” ، و هو الأمر الذي يؤدي الى التباس في الفهم . بسبب قلة الأدلة على وجود الخلاف الطائفي .
و يتضح تمتع الممثلين بهدوء داخلي أو التزامهم بملاحظة الهدوء و البطء في الحركة ، ليتم التركيز على الفعل و الحدث بدل التركيز على أجساد الممثلين السريعة 
و الحوار في العرض مكثف اختزالي مركز المعنى مثل : – 
1- ريح فقط لن يفعل شيء = لا تخاف من ان يقتلك
2- عندما أتحدث عن جرائمي فأنني اعرف عن أي فزع أتحدث = بدل الحديث عن حوادث القتل التي اقترفها 
3- العمى ينتشر في كل مكان = لا احد يرى الحقيقة 
4- خمسون عاما مضت و هو لا يبالي بنا و لا يتذكر ( في إشارة إلى نوع واحد من القتلة القدماء الذين يمارسون القتل منذ سنين ) و يرد هو خمسون عاما و أنت تحاول إثارة الفتنة ( ويدل هذا على إن القاتل الثاني من فئة أخرى ) و لا يشير حوارا أخر إلى الخلاف الطائفي أو يوضح الاختلاف
و قد لاحظت الممثل  ) حيدر جمعة(    في عرضيين مسرحيين خلال الفترة الماضية ( تقاسيم على نغم الحياة ) و ( خريف ) و اكتشفت قدرته على عزل الشخصية و إعادة بناءها كما لو إخراجها ( لا ادري إن كان يجهد هو في بناءها أم يختارها على هذه الشاكلة ) لأن الشخصيتين مركبتين و تعاني من مشاكل نفسية ، لكنه يؤدي بتنظيم و برود ، و كأنه عازم على السيطرة ، و يتضح من أسلوب أداءه انه تدرب مليا على الشخصية و لكنه يختار أسلوبا مغايرا ذاك هو السيطرة المحسوبة . 
و يمتلك ) هشامجواد ) ( )  هدوءا يؤهله للحضور و بالمشاركة الحاضرة ، رغم إن الشخصية التي أداها كان حجمها اصغر ، و يبقى ( يحيى ابراهيم )  و ( بهاء خيون ) ( )  قادرين على المطاولة ، بهاء الذي تطور في الفترات الأخيرة على مستويات التحكم بالصوت و الحضور ، كما ان ( يحيى ابراهيم ) المتمكن أصلا من الشخصيات التي بها جهد جسدي 
المخرج 
إن من أهم مميزات المخرج ( د . صميم حسب الله ) ( ) هو قدرته على خلق فراغات في زمن نص المؤلف و يصنع فيه صورة مسرحية استنادا على فرضية من الحركة الواقعية غير المتوقعة ما يسمح بتحقيق جملة من الإشارات المسرحية بأسلوب سينمائي و يعد هذا من أساليب التجريب في الواقع ، و قد اتضحت هذه الخاصية جليا في مسرحيته ( جليد ) كما اذكر ( استخدم دراجة و فقاعات ) و كلها إشارات واقعية ، و تميز بهذا في ( خريف ) أيضا عبر الصراع الصامت الطويل بين الضحايا في البداية و مشهد ( نقص الحواس ) و مشهد ( الحمام ) ، كونها مشاهد لا وجود لها في النص الأصلي . و على الرغم من انه يعد نصوصه للعرض بشكل مباشر ما يعني إن الصور المسرحية المشار إليها قد لا تكون مركبة بل مكتوبة منذ البداية على نص العرض بوصفه النسخة الوحيدة من النص ، و لكن عدم وجود الصورة في نسخة النص النهائية يؤدي إلى استنتاج تركيبها اعتمادا على التخيل اللاحق أثناء تنفيذ عملية الإخراج . و رغم انه مقل في الإخراجإلاإن تجربتيه الأهم ( جليد ) و ( خريف ) مثل فيهما العراق في مهرجانات مسرحية متنوعة ، و هو يتميز بحسن قيادته لمجموعة من الشباب تتغير مع التجارب المسرحية المتواصلة . 
الأستنتاجات
1- يفضل استخدام اسلوب تجريبي واقعي  مع الأحداث التاريخية او التي تشير اليها مثل ( زوايا النظر و التكوين الواقعي غير التقليدية ، الحدث السينمائي المتداخل ، الحدث الملحمي ، الحدث الوثائقي ، تقديم و تأخير الزمن ،  الخ ) .
2- يمكن استخلاص صور مسرحية صامتة واقعية او خيالية اعتمادا على الأستنتاج ايضا ( من خارج النص ) ، مثل التساؤل حول اوجه التشابه بين شخصيات و احداث و تكوينات متشابهة ، ثم اضافة عناصر ايهام موحدة مع النص . 
3- ان لغة التخاطب داخل العرض يحدد مستوى الواقعية في العرض انطلاقا من ( الشعبي الدارج الى الوسطية البيضاء الى الملغزة الشعرية البسيطة الى المتعالية الشعرية ) و كل واحدة معيار زماني مضاف للعرض كالتكوين و تصميم الأشياء و اسلوب التأليف و الأخراج و يؤدي هذا الى تلقي مختلف ينجح حسب نسبة توافقه مع العرض 
4- يمكن تحقيق الأيهام بالقسوة عبر استفزاز الحواس اي بالصوت ( احتكاك الحديد بالحائط ، اصوات السكاكين ) و بالرائحة ( الروائح الخانقة او الكريهة ) او بالنظر الى ( حركات خطيرة قد تنتج الما او بقعة دم على قماش ابيض او الأيهام بالتعذيب ) و الأخبار المباشر بالحوار . 
5- يستخدم المخرج ( د . صميم حسب الله ) الأضافات على  نص المؤلف بأضافة  صورة مسرحية تعتمد النظر الى الواقع بطريقة غير مألوفة ما يسمح بتحقيق جملة من الإشارات المسرحية بأسلوب سينمائي و يعد هذا من أساليب التجريب في الواقع  . 

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *