مسرحية “حكمة الغراب “تأليف: إيمان الكبيسي

                         

مسرحية “حكمة الغراب “تأليف: إيمان الكبيسي
                        للاطفال(9-12) سنة
الشخصيات :
1. الراوي.
2. النسر الملك ( أب ) وقور, حكيم, كبير السن, ضخم الجسم.
3. النسر الكبير( ابن ) طمّاع, حقود, ضخم الجسم قوي البنية, متسرع, ذو مزاج حاد.
4. النسر الصغير( ابن ) متوسط الطول, جميل المظهر, متسامح, طيب, كريم,هادئ, ذكي.
5. الغراب: صغير الحجم, مغرور, ماكر.

المشهد الاول

                 (الستارة مسدلة والراوي في الجانب الأيسر من المسرح)
الراوي: (إلى الجمهور) أصدقائي … أحبائي…سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته, ليلة أمس وأنا أقرأ القرآن الكريم استوقفتني الآيتان الكريمتان من سورة المائدة   
بسم الله الرحمن الرحيم                   
{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)(سورة المائدة).
                                     صدق الله العظيم . 
ولما في هذه الآيتين الكريمتين من معانٍ وعِبر ستكون موضوعَ حوارنا لهذا اليوم. ركّزوا معي كي تفهموا مقاصدها، أحكي لكم حكاية فيها قيما تربوية وأخرى تعليمية لا تخلو كما عودتكم دائما في حكاياتي من التشويق والمتعة…هل أنتم مستعدون؟…حسنا …كان يا ما كان في قديم الزمان, ولا يحلو… ولا يطيب المقام… إلا بذكر خير الأنام عليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام. كان هناك نسر يحكم مملكة من الطيور وكان له ولدان، وقد طلب منهما أن يجلب كل منهما له هدية، وكان الملك ينوي أنّ تكون الهدية هي المعيار الذي يحكم من خلاله حول من سيخلفه ملكا من بعده فتعالوا ننظر سوية ماذا أحضرَ كل منهما للملك.  (النسر الملك وأمامه جميع الطيور في حفل لاختيار ملكا خليفة للنسر الأكبر وبجانبه ولداه اللذان يتنافسان على هذا المنصب).
النسر الكبير: صباح الخير يا جلالة الملك لقد جئتك بأثمن هدية على وجه البسيطة    ( يخرج الهدية من داخل الكيس الذي يحمله وهي عبارة عن قلادة من الذهب والزمرد وما غلى من الأحجار الثمينة)
الأب: ) معجبا بالهدية )… آه… يا لها من هدية ثمينة, لطالما كنتَ عند حسن ظني دائما, لكنها غالية جدا يا ولدي, يبدو أنّها كلفتك كثيرا… أليس كذلك ؟
النسر الكبير: لاشيء أغلى من رضاك عني يا جلالة الملك.
       الأب:  والآن لنرَ ماذا جلب لي ولدي الصغير.
النسر الصغير: ( بتردد) نعم يا أبتي لقد جلبت هذه الهدية البسيطة ( يظهر الهدية وهي    عبارة عن كتاب أطلق عليه : الحقوق، وقد كتبه بنفسه حصيلة تجربة الملك). 
النسر الأول: ( متعجبا )  أهذه  هديتك !!!  أهذا كل ما يمكنك جلبه لوالدك, هذا ما تعبّر به عن حبك له؟ كتاب…؟ الحقوق…هل تقصد بأنّ الملك لا يعرف الحقوق …أتعلّمه أنت معنى الحقوق. (ينظر إلى الأب)، لا تغضب يا والدي إنّ أخي لم يقصد ذلك, إنّه يحبك مثلي بل أكثر مني ( بمكر).
الأب: لا… لا يا ولدي فأنا أعلم بما يمتلكه أخوك وأعلم جيدا أنّه غني, بل وأغنى منك.
النسر الكبير: لكنّه مع ذلك بخل عليك بهدية ثمينة كهديتي.
النسر الصغير: يا أبي….أرجوك (يقاطعه وآلده)
الأب: ( إلى النسر الكبير بغضب) اذهب بهديتك هذه فلا حاجة لي  بها, ( موجهاً نظره إلى النسر الصغير ) أما أنت يا ولدي الصغير فستكون ملكا على كل الطيور من بعدي … فإنّ حكمتك هي الراجحة.. كتابك أثمن عندي من قلادة الذهب. ( يخرج الملك من الجلسة) 
النسر الكبير: ( بغضب وهو ينظر إلى مكان الملك), لن أقبلَ بهذا القرار, فأنا الملك بعد أبي… أنا الملك… أنا أكبر أولاده لن أسمح بذلك… سأنتقم. (يخرج وهو يحمل كيس الهدية ).
الراوي: انظروا ماذا حصل لقد غضِب النسر الكبير علي أبيه وأخيه, وهذه مشكلة كبيرة فلا يجوز لنا أنْ نغضبَ من وآلدينا قال تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴿٣٢سورة الإسراء﴾
 صدق الله العظيم 

ولكن ما الذي يقصده النسر بقوله سأنتقم منكم يبدو أنّها عبارة تهديد ….تعالوا لنرَ بماذا يفكر هذا النسر.       (تعتيم)

                      المشهد الثاني

            (نفس المنظر السابق)
النسر الكبير:  ( وهو غاضب )  يجب أن أستعيد حقي… يجب أن أستعيد حقي … يجب, فأنا أفضل منه وأغنى منه وأكبر منه. (يرمي الهدية على الأرض) ، لماذا هديتي لم ترض والدي؟ أكان علي أن أُنفق كل أموالي لأجل أن يرضى لكن هذا الكتاب ليس أغلى من هديتي… لا.. لا, لن أسكت عن حقّي عليّ أن أجد وسيلة أُعيد بها عرشي  من أخي لكن كيف؟ … كيف؟…(وهو ينظر إلى الكيس). 
  ( يصمت ويخرج القلادة من الكيس ) وهو يصرخ  وجدتها… سأتخلص  من ملك المستقبل ها ها ها ها… ملك المستقبل (بسخرية). نعم هذه القلادة التي كانت سبب تعاستي ستكون سببا لسعادتي  هاهاهاهاها.
الراوي: لقد تمّلك النسر الكبير شعور بالغيرة من أخيه النسر الصغير والحقد عليه والرغبة في الانتقام منه.  فهل توافقون النسر الكبير على الانتقام من أخيه؟ أكيد لا توافقون لأنّكم ذو أخلاق حميدة… فمن هو الأفضل في رأيكم أيها الأصدقاء, النسر الكبير أم النسر الصغير… القلادة ام الكتاب. 
النسر الكبير: (أنا الأفضل.. أنا الأفضل, أنا المحبوب, أنا المرغوب, مُلك النسور قدري, حيث ما أمد بصري, أنا الأفضل أنا الأفضل وغيري أبداً لا يُقبل).
الراوي: هذا ما يعتقده النسر الكبير لذا فقد بدأ يُعد خطته الخبيثة للتخلص من أخيه النسر الصغير, لقد جاء النسر الصغير، لنر ماذا سيحدث؟ (يحمل الكيس ويضع فيه القلادة ).(بصوت عال ) تعال يا ملك النسور, فأنت دائما منصور.
النسر الصغير: السلام عليكم يا أخي, ألا زلت غاضبا ممّا جرى هذا الصباح؟
النسر الكبير: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أخي الملك, لا عليك هذا لا يهمني,     فأنت أخي وتوليك قيادة الطيور بعد وآلدي خبر يفرحني. تعال يا ملك النسور, فإنّي بك اليوم مسرورٌ, ستفرح بك الأنهار والبحور, هيا اقترب … هيا اقترب.
النسر الصغير: أحقا ما تقول؟
النسر الكبير: نعم يا أخي … ولهذا جئت إليك بهدية ثمينة تعبيراَ عن فرحي بما حصلتَ عليه.
النسر الصغير: هدية… أي هدية !!!.
النسر الكبير: إنّها في الكيس, جوهرة كبيرة جلبها لي الغراب الكبير من البلاد البعيدة , أردت أن اهديها لأغلى شخص على قلبي… فهي لك .
النسر الصغير :(بسعادة) شكراً لك يا أخي, لقد أسأتُ الظن بك.( بفضول) أرجوك أعذرني… هل بإمكاني رؤية الهدية؟
النسر الكبير: نعم بكل تأكيد يمكنك رؤيتها, لا بل استدر فقط وأغمض عينيك… سأطوق رقبتك بها.(يخرج النسر الكبير القلادة فيضعها في رقبة أخيه ثم يسحبها بقوة).
النسر الصغير: ماذا تفعل (يختنق) يا أخي؟  أرجوك. لا أريد الجوهرة… أرجوك .
النسر الكبير: لا… لا لن أتركك أبداً… ولن تكون ملكاً.
النسر الصغير: لماذا تفعل هذا بي؟ أنا أخوك الذي يحبك …
النسر الكبير: لن أتركك حتى تنقطع أنفاسك..فتموت وأفوز أنا بالعرش. 
النسر الصغير: لماذا تفعل هذا يا أخي بي؟… فأنا لم أحاول إيذاءك أبداً… ما حصل اليوم  ليس بسببي بل أنت السبب.
النسر الكبير: عليَّ التخلص منك. 
النسر الصغير: إنّك إن آذيتني فستزيد من غضب وآلدنا عليك.
النسر الكبير: اخرس… لا يهمني شيء بعد الآن (يخنقه بقوة ).
الراوي: مسكين هذا النسر الطيب لقد مات بسبب حقد أخيه، لقد اقترف النسر الكبير بعد إغضاب الأب ذنباً آخرَ، فالقتل جريمة تحاسب عليها كل الأديان السماوية.
بسم الله الرحمن الرحيم
                              مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴿٣٢﴾
 (سورة المائدة) صدق الله العظيم, 
غير أنّ النسر الكبير ظل حائرا بجثة أخيه… أخذ ينقلها من مكان إلى آخر خشية أن تُكتشف جريمته…. ولم يفلحْ في إخفائها, وهذا دليل عجزه وضعف قدرته. وهذا ليس بغريب عليه؛ لأنّه اعتقد أنّ هديته أغنى من الحقوق … ومع ذلك نراه عاجزاً عن إخفاء جثة أخيه… فتعالوا نتابع كيف سيتصرف مع جثة أخيه المقتول.
النسر الكبير: علي أن أُخفي هذا الكيس عن أنظار الآخرين, لكن كيف؟…  كيف؟ … يا لها من مصيبة!!! عليّ إخفاء هذه الجثة ( يخرج من المسرح حاملا الكيس).         
                                                  (تعتيم)
                      
 
                              المشهد الثالث

          ( يدخل النسر الكبير حاملا أخاه وقد ظهر التعب عليه )
النسر الكبير: لا أعرف أين أخفي هذا الكيس اللعين؟ ماذا أفعل؟(يدخل الغراب وهو يغني) 
الغراب: صوتي جميل… صوتي جميل. 
النسر الكبير: أرجوك… أرجوك, أيها الغراب ( بقلق)
الغراب: (متعجباً) لم أرَكَ على هذه الحال أبداً !!!.. لطالما رأيتك محلقاً في السماء، وفوق قمم الجبال (يقترب منه)… ما الذي في الكيس؟
النسر الكبير: (يلتفت حوله ويهمس في أذنه) ، لقد قتلت أخي ووضعته في هذا الكيس  … ولا أريد أن يراه أحدٌ… أنا في ورطة. 
الغراب: (متعجبا ) في ورطة ؟؟؟
النسر ألكبير:  نعم في ورطة,  ولا أعرف أين أخفيه (يقترب منه أكثر وهو يسحب الكيس بيده) أرجوك… دلني على طريقة أتخلص بها من هذه الورطة… سأكون مديناً لك طوال حياتي 
الغراب: من قال لك إنّي قادرٌ على حل هذه المشكلة؟
النسر الكبير: سمعت كثيراً عن ذكاء الغربان. 
الغراب: (مستغربا) الغراب ذكي… ( يتدارك الموقف ) نعم… نعم, بكل تأكيد .. أنا ذكي.
النسر الكبير: غنّ كل سكان الغابة يعلمون قدرة الغربان على حل أعقد المشاكل وأصعبها… وأنا كما تعلم وقعت في هذه المشكلة وهذا أخي أصبح عبئاً ثقيلاً عليّ. 
الغراب: صحيح هو عبءٌ… ولكن؟
النسر الكبير: ساعدني أرجوك 
الغراب: (بتفاخر) نحن معشر الغربان لا يصعب علينا شيء ومشكلتك حلها سهل.
النسر الكبير: (بلهفة ) كيف؟… كيف؟
الغراب: علينا أن نحفر حفرة عميقة لكي نخبِّئ فيها أخاك, وبعد ذلك نغطّي الحفرة بأغصان الأشجار, لا أحد يتمكن من رؤيته بعد الآن (يمسك بالكيس) والآن ساعدني على حمله إلى تلك الشجرة. 
النسر الكبير: يا لها من فكرة رائعة.
الغراب: إنّ أخاك ثقيلٌ جداً. (يخرجان من المسرح)
الراوي: الآن وبعد أن سّولت له نفسه قتل أخيه, ها هو يتعاون مع الغراب على إخفائه عن أعين سكان الغابة, يا له من فعل شنيع!!!  يا له من عمل سيء, كيف يقْدُمُ الأخ على فعل هذا بأخيه؟ وإيذائه…. اااه من طمع الدنيا… اااه من طمع الدنيا.    
بسم الله الرحمن الرحيم
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴿٣٣)(سورة الإسراء﴾
(صدق الله العظيم )

(يدخل النسر الأول وهو متعب والتراب يغطي جسمه ) 
النسر الكبير: كيف لم تخطر على بالي هذه الفكرة؟ كيف لم أفكر بهذا الحل؟ (يضرب جسمه بجناحيه)… كم أنا غبي؟… كم أنا أحمق!!!.
         أنا سيء جدا, لماذا فعلت هذا بأخي؟  يا إلهي ما الذي فعلته؟…كيف سّولت لي نفسي إيذاء أخي؟ وكنت أقل شأناً من الغراب الذي علّمني كيف أخفي أخي وكيف تمكن من إنقاذي؟ … ماذا سأقول لوآلدي عندما يسألني عن أخي؟
… اااه الويل لي… الويل لي… عليَّ أن أترك الغابة وأذهب إلى مكان بعيد ربما أُكُّونُ فيه مملكة لي وحدي… نعم  لي وحدي. (يخفت الضوء… ظلام دامس).
الراوي: هذا ما حصل للنسر الذي قرّر قتل أخيه، أرأيتم يا أصدقائي لقد خسر حبّ أبيه، وخسر أهله ووطنه، وأهم من هذا كله لقد خسر أخاه الذي ليس له سواه كل هذا بسبب الطمع والغيرة والحقد وهي صفات لا يصُح أنْ تتمثل بأي واحدٍ منّا؛ لأنّنا مسلمون؛ والإسلام يهدف إلى أنْ نحب بعضنا بعضاً وأنْ نتعاونَ على البر والتقوى ولا نتعاون على الإثم والعدوان. وفي الختام يظهر لنا أنّ الكتاب أهم من الذهب والجواهر، لاسيما إنّه يبيْن حقوق الجميع. ونحن كمسلمين بعث لنا الله عز وجل القران الكريم وشّرع لنا فيه القوانين والحقوق فعلينا الالتزام بتعاليم هذا الكتاب العظيم. والآن استودعكم الله على أمل أن ألقاكم في حكاية جديدة إلى اللقاء. 
                                                           (ستار)
——————————————————
المصدر : مجلة الفنون المسرحية 

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.