مسرحية «حبة رمل» تخرج من العلبة الإيطالية

تحتفظ ذاكرة المسرح الإماراتي بمسرحية «حبة رمل» تأليف وإخراج ناجي الحاي كأول عرض مسرحي يخرج عن المألوف، ويكسر النمط السائد في العروض المسرحية الإماراتية، فقد درج المسرحيون على اتباع قواعد العرض المسرحي التي تحددها العلبة الإيطالية، في خشبة التمثيل المحدودة بحدود لا يمكن الخروج عنها، وستارتها التي تفصلها عن قاعة الجمهور التي تطل عليها، لكنّ الفنان الشاب الطموح ناجي الحاي سيعمد في عام 1990 إلى كسر هذه التقاليد مستلهماً تجارب غربية سابقة كانت قد نظرت لذلك ونفذت تجارب ناجحة فيه، وذلك بتقديمه لمسرحية «حبة رمل» كعرض غير تقليدي، قدمه للمرة الأولى في النادي الأهلي في دبي، استخدم فيه مسرح الهواء الطلق، فأقام عريشاً في ساحة النادي وجعل الممثلين يلعبون أدوارهم أمام وداخل العريش وسط الجمهور الذي تفاعل معهم بشكل كبير، حتى أصبح جزءا من العرض، وكان ناجي الحاي واعياً بأبعاد تجربته قاصدا لجر الجمهور إلى ذلك التفاعل، وإدماجه في العرض ليحقق هدفين، الاستغناء بالجمهور عن بعض الأدوار الثانوية التي يلعبها في العادة الكومبارس، كالتصفيق والجوقة الغنائية وحتى الرقص الجماعي، والهدف الثاني هو أن إحساس المتفرج بالتفاعل وبكونه مساهما في العرض يجلب له متعة أكبر، ويحفز ذهنه على التأويل وإنتاج المعنى واستقبال الدلالة الفكرية للعرض بشكل أعمق وأكثر وجدانية.
فازت «حبة رمل» عند عرضها في دورة «أيام الشارقة المسرحية 1991» بجائزة أفضل عرض مسرحي متكامل، وجائزة أفضل تأليف مسرحي، وجائزة أفضل تمثيل نسائي وجائزة أفضل سينوغرافيا، وكان ذلك فوزا باهرا ولافتا لأنه تكريم للمغامرة والبحث عن الأفق الجديد المختلف مع المحافظة على منطق العمل الدرامي، وخطية التصاعد فيه، فقد قدمت المسرحية حكاية فتاة أحبت شابا من وسط اجتماعي أقل درجة وسطها، ومنعها أبوها من الزواج منه، وما ينشأ عن ذلك من صراع وتداعيات نفسية يؤدي في النهاية إلى موت البطل (الشاب) وخسارة علاقة الحب الجميلة أمام قسوة التراتبية الاجتماعية التي لا ترحم، وعمل ناجي على تعميق الشحنة العاطفية للمشاهد، وإبراز الألم الداخلي للشخصيات بتفجيره لطاقة العطاء لدى الممثلين، وهو في ذلك كان يستفيد من تخصصه في علم النفس، وعن ذلك يقول صديقه مرعي الحليان: «ناجي الحاي الذي تخرج من جامعة الإمارات متخصصاً في مجال علم النفس، سيفيد كثيراً من تخصصه الأكاديمي ليوظفه في المسرح ضمن جانب التعاطي مع أداء ممثليه، ولهذا فإن الممثل عند الحاي أقرب إلى الشخصيات ال«تشيخوفية»، فهي بسيطة وهامشية في الحياة، ولكنها تختزن الكثير من الألم»
وقد كان اختار الحاي لعرضه ممثلين قادرين على إحداث ذلك التفجير الداخلي والتألق على خشبة المسرح، منهم عائشة عبدالرحمن، وحنان عبد الجليل اللتين فازتا مناصفة بأفضل دور نسائي أول، ومحمد الدوسري، وحافظ أمان، ومرعي الحليان.
استدعي ناجي الحاي على إثر ذلك للمشاركة بعرضه في مهرجان المسرح التجريبي في القاهرة، وترك عرضه أثرا كبيرا في جمهور المهرجان، وأعطى صورة عما وصلت إليه التجارب المسرحية الإماراتية في ذلك الوقت، ونظراً للشهرة التي حصلت عليها المسرحية، فقد حظي نصها بعروض عدة أخرى لاحقة، فأخرجها منقذ السريع لمسرح الخليج العربي في الكويت 2002، وأخرجها أحمد الأنصاري لمسرح دبي الأهلي 2004.
من الأسباب الحاسمة في إنجاح عرض «حبة رمل» استخدام الحاي لمفردات البيئة المحلية، واستعانته بأدواتها، مثل الموسيقى والرقص والغناء، خاصة رقصة «الليوا» التي تؤدى جماعيا، وقد ساعد العرض في الهواء الطلق الجمهور على الانخراط في ذلك اللعب الجميل، كما لعب العريش والأزياء التقليدية واللهجة الإماراتية بمفرداتها الخاصة دوراً فعّالاً في كسب تعاطف والتحام الجمهور حول المسرحية، وسيكون ذلك التوظيف لتفاصيل الحياة التراثية المحلية في العروض المسرحية بعد ذلك أحد طوابع الأعمال المسرحية الإماراتية لفترة طويلة، يستغل الفنانون رمزيته ودلالته وفلكلوره لتوشيح عروضهم بما يضمن لها الجاذبية.

 

الشارقة – محمد ولد محمد سالم

http://www.alkhaleej.ae/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.